أيوب

 

أيوب

ـ خالد الضبيبي

 

(1)
أيوب

وأنت تتحدث عن أيوب طارش عبسي يجب أن تراجع شريط حياتك كله ، هذا الفنان الأسمر بلون جبال اليمن ليس فناناً اعتيادياً أبدا ، يحمل هذا الفنان رصيدا طويلا من الفن ، ربما لا تستطيع تعريفه بلون واحد أو باتجاه خاص لأنه ارتكز منذ بداياته على غناء لون اليمن ، ورغم بساطته استطاع التماهي في قلوب اليمن بكلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها ..

لقد وجد أيوب ظالته بالوطن فالتقط أوتار عوده ودندن للحقول والشعاب للجبال للروابي للسهول وللفلاحين ؛و لأنهم اعتبروه ملهم الحب الأول وما يزالون، ورفيق الليالي والأوقات السعيدة حفروا اسمه في صفحات قلوبهم إلى الأبد ,..

يحمل أيوب الوطن في أوتار عوده كالجنين ; يدندن فتتراقص الوديان وتسيل أنهار الغرام على خدود العذارى ، يغني أيوب فتتورد الأنثى من العشق و يتحول الرجل إلى مجالد حقيقي من أجل البقاء ..لقد استطاع أيوب أن يلتهم قلوب الجميع بصوته الشجي وببراعة عزفه ؛ ليس فقط على ترانيم الأغاني ولا على أوتار العود ولكن على شرايين القلوب العاشقة أستطع أن يصنع تاريخا حافلا بالأنفة بالشموخ .

في الذاكرة الجمعية اليمنية يعد أيوب طارش عبسي هو الضمير الفني للوطن و الخلفية العميقة للسعيدة، يرى كبار السن أيوب الشباب و العنفوان والزمن الجميل و التمرد ؛ ويرى الشباب أيوب شريان وطن ونزق الثورة وصوت العزة وملحمة يمنية كتبت نفسها على جدران معابد الفن بالخط المسند الحميري ؛ ذلك الخط الذي لا يعرفه سوى أبناء هذه الأرض ولا يستطيع فك شفرته سواهم ..

في اليمن تستطيع أن تناقش أي أحد عن الفن عن الغناء عن أعلام تغنوا بالوطن تحبهم أو لا تحبهم هذا شأنك كلهم أثروا وتأثروا كلهم لديهم خطوطهم المختلفة .. ولكن عندما يظهر اسم أيوب لن يسمح لك اليمني أن تطعن في حبه له, فلا يخلوا صدر شيخ أو عجوز أو رجل أو امرأة من ذكرى لأيوب ، لا يوجد وسادة لا تعرف أيوب ولا يوجد جبل أو رابية أو هضبة أو وادي لم يستمع لأيوب يدندن به من أجله و له؛ يراقصه ؛ فيرقص ويتراقص على أوتار عوده وترانيم كلماته..

أيوب ليس وطن ولكن كتلة كبيرة من الوطن تحدت الزمان والمكان واستقرت في كل مكان ، ستقابل أيوب في أي مكان في العالم لو جربت أن تفتح اغنية من أغاني أيوب في أي مكان بجوار يمني سوف تتفاجأ عندما ترى وتسمع تنهدات متدفقة من أعماق جسد ظمئان عاطش و سوف ترى معاني الشوق و اللهفة والشجون ، معان وطنية مختلفة لم تعهدها أو ترى مثلها من قبل ..

في تغريبة اليمني جراح كثيرة وأوجاع وها هو يتنهد بعمق وهو يسمع أغاني أيوب؛ لن تعرف معنى التنهيدة الحقيقية في الغربة إلا وأنت ترى يمني يستمع لأيوب سوف تراه يتشرب صوته الخفي ذلك الذي ما أن ينطلق تراه يعبث بجسده بأفكاره بأحلامه يلسع روحه ليطفوا فوق أحلامه على سد عظيم عبثت به فأرة الزمن القبيح ..

صوت أيوب في الغربة الدفء ؛ ينقل تراجيديا الوطن إلى العالم و يستدعي الوطن بكل شيء ،ليطلق الجسد المحروم تنهدات روحك العطشة والعاطشة لتراب ورمل الوطن ،للسواقي لرائحة الأشجار والحقول ،الذرة ، سنابل القمح وجنات العنب، و للطين و الأسواق لكل زوايا روحك وذكرياتك .. سوف تشم رائحة الوطن تفوح من بين صوت أيوب تدعوك للعودة للحياة وتمارس عليك أقسى أسواط الشجون وتجلد روحك بنيران الفقد فتتسارع لديك دقات قلبك و لحظات العودة من أجل أن ترتمي بين أحضان اليمن الوطن الأم والأب والزوجة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: