نحو السلامة والخير

 

نحو السلامة والخير

ـ ضياف البراق

 

(6)
رجلٌ كامِل !

في مرحلة متوحشة كهذه؛ يجب أن نتجنّب السير في الطرق الوعرة، يجب أن نحافظ على ما تبقّى من حياتنا المسلوبة، يجب أن نصمت ذلك الصمت الذي ليس فيه أي جبن أو سوء، ويجب أن نبكي في صمتٍ عميق حين نرغب بالبكاء. والفرق شاسع بين أن نقول عند الضرورة “يجب أن نصمت” وبين أن نقول “يجب أن ننحني”، فالتعبير الأول يعني الاستسلام الخفيف، وهو استسلام غير معيب بحق أحد، وهذا الاستسلام، يبدو لي جيدًا؛ لأنه يحمل صاحبه على الانتصار لسلامته الشخصية أو لسلامة غيره، أما التعبير الثاني يعني الانهزام أو الخسارة المؤلمة، وأنا، فيما سبق، لم أدعُ لهذا الأخير.

حسنًا، يجب أن ننتصر للمواقف الخيِّرة قدر استطاعتنا، والرضوخ للهزيمة إذا كان فيه الخير، هو انتصار عظيم بحق، ويكسب صاحبه الشرف اللائق. فالرضوخ لأجل الخير، وإن كان في هذا الرضوخ الكثير من الألم أو الخسارة، هو -في تقديري- شموخ إنساني حقيقي، بل هو مكسب كبير يقع في صالح من يقدم عليه.

والأهم من ذلك، علينا أن نحترم قرارات وأوامِر العقل، على الدوام، لأن أي اندفاع عاطفي يصدر مِنِّا، أو نسير خلفه، قد يلقي بنا إلى الهاوية.

 

أن نحترم عقولنا، معناه هنا: أن نمضي بهدوء حَذِر، هدوء رفيع الهدف، بعد أن نحسن اختيار الاتجاه اللائق الذي سنمضي فيه صوب تحقيق الخير لنا أو لغيرنا. إذَن، يجب أن نحترم العقل قبل كل شيء، وأن نرفعه فوق نظرتنا.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العاطفة “حيوانية”، والعقل “إنساني”، بحسب دراسات علماء النفس والاجتماع؛ ولهذا وجب علينا الانصياع لأوامر العقل وتجاوز أوامر العاطفة السيئة منها ولو بعض الشيء، والأفضل أن نوازن بين أوامر الحالتين، على الأقل، في الحالات الضرورية، تلك التي تتطلب إلى حضور هكذا توازن سليم.

إن هذه المرحلة المرعبة، مرحلة الطيش والبطش والغطرسة، هي مرحلة ظالِمة فوق العادة؛ إذ تخلو تمامًا من الإيجابية وتخلو كذلك من نزاهة الضمير السياسي بشكل خاص؛ فهي مستعدة بكل جنون، وبكل تخطيط وإرادة أيضًا، للقضاء على جميع المعاني الإنسانية الجميلة أو للقضاء على تلك المبادئ الشريفة المنحازة لقضايا الإنسان المظلوم.

 

ليكن “العقل” هو إمامنا الأول، وإمامنا الأخير، في هذه الحياة. فالعشوائية غير مجدية إطلاقًا، ذلك أنها تقود صاحبها إلى المكان الخطأ أو إلى الجحيم. لذلك قال الشاعر العربي الكبير، في عصره، “أبو العلاء المعري”، في تغريدة شعرية له، وهي تغريدة فلسفية بالغة الأهمية: “لا إمام سوى العقل”.

الحياة فن، وقواعد الفن تجمع دائمًا بين عمق الحكمة ودِقَّة الإحساس، على نحو متوازِن، وهذا شيء إبداعي عظيم. والحياة السليمة هي تلك التي تسير تحت إدارة الحكمة السليمة، لا تحت إدارة الفهلوة الحمقاء.

 

باختصار، يجب أن نساير الحياة بشيء من الرشاقة والمرانة، لنسايرها بأناقة ناضجة، وبالأصح يجب أن نسايرها بيقظة واعتدال، خاصةً عند الحوادث الصعبة أو المشاكل الخَطِرة التي تتعرض لنا.

طبعًا الحرية تعني “المسئولية”، كما يقول أحدهم، وهذا تصويب منطقي مُهِم، وعلينا مراعاته خلال نشاطنا في الحياة.

الفوضى كارثة بصورة أو بأخرى.

 

وصاحب الإحساس العالي والفكر المستنير المعتدل هو مثقف ناجح، بحسب رأيي. وهذا المثقف هو بالطبع جيد في التعامل مع مشاكله وكذا مع شؤون الحياة والمجتمع الذي يعيش فيه، وتلك ميزة رائعة تكسبه الفرادة والتفوق على ذلك الشخص الطائش، أو الرجعي، كما أنها تحصنه من بعض المخاطر أو من الوقوع في حوادث شريرة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: