أفكار .. اعتراف أقبح من إنكار

 

(41)
محمد فايد البكري
عبد الباري طاهر

الضجيج الدولي الكبير الذي أحدثه مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول يثير أكثر من سؤال. هل يعود الأمر إلى كونه صحفياً كُفئاً تبوأ مراكز ومواقع مرموقة في صحافة بلاده: «الوطن»، «عكاظ»، و«نيوز عرب»، وترشحه لقناة تلفزيونية ممولة من بعض أقطاب العائلة، ومن ثم عمله في سفارتي بلده في لندن ونيويورك، أم أن للأمر علاقة بعمله كمستشار للأمراء: تركي الفيصل، وبندر ابن سلطان، وعلاقته الوطيدة بكثير من أفراد العائلة كالملياردير الوليد بن طلال؟
لا شك أن لعمله في صحيفة دولية كبرى «الواشنطن بوست»، وإقامته في أمريكا، وتواصله المستمر مع قنوات مهمة- تأثيرٌ كبير، وأيضاً قتله في قنصلية بلاده، وبالأسلوب والطريقة الوحشية والإعداد والتخطيط الرسمي للقتل باشتراك خمسة عشر فرداً بينهم ضباط أمنيون، ومن الجيش، وطبيب تشريح، ثم إنكار السلطات السعودية للإخفاء، وتصريح الدولة السعودية على لسان محمد بن سلمان- ولي العهد والحاكم الفعلي في المملكة بخروجه من القنصلية، ومن ثم إخفاء الجثة- كلها قد استفزت الرأي العام الدولي، وفجرت دوياً متواصلاً.
مقتل خاشقجي بتلكم البشاعة وبالطريقة والأسلوب المستفزين له علاقة بالصراع داخل الأسرة السعودية على ولاية العهد، وتركة الرجل والسلطة الشائختين، وبتحالفاتها مع البيت الأبيض.
انتقلت المعركة إلى التنافس الضاري بين «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» على انتخابات الكونجرس. فالصحافة الأمريكية القوية لعبت دور المحرض على كشف الجريمة وأبعادها، وتبنت الصحافة التركية القريبة من حزب التنمية والعدالة دور النافذة المفتوحة على وقائع الإخفاء والقتل، وتلقفت «الجزيرة»، وإعلام قطر (المحب للسعودية) الحدث كزاد يومي في بث مفتوح، ويلاحظ اهتمام الصحف الكبرى في أوروبا بوقائع الجريمة وتفاصيلها خصوصاً في بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا.
مقتل خاشقجي فضيحة العصر بامتياز. فالنظام السعودي الذي قدم نفسه للعالم- عبر ولي العهد محمد بن سلمان كمصلح شاب، وعنصر تجديد وتحديث- يفشل في أول امتحان في «جرجرة» صحفي إلى القنصلية، والتستر على قتله وإخفائه.
كانت الصدمة كبيرة على الرأي العام الأمريكي والأوروبي؛ فالصورة الزاهية التي برزت عالمياً للنظام الجديد في السعودية، وولاية عهد الشاب الذي منح المرأة حق قيادة السيارة، وانتقد بعض ممارسات السلطة الدينية ممثلةً بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – الذراع الأمني للحكم، والحليف التاريخي له – كانت خادعة؛ فقد عقد محمد بن سلمان، صفقات بالمليارات على التسلح، وأهدر الملايين على ترويج صورته في الإعلام العالمي للتغطية على جرائم حربه على اليمن التي قتلت الآلاف، وشردت وجوعت الملايين، ودمرت إمكانات وقدرات بلد فقير؛ لتحوله إلى «أسوأ كارثة على وجه الأرض»، وفرض حصاراً جائراً على جاره الخليجي (قطر).
يشترك النظام بفاعلية – عبر تاريخ طويل في التحالف مع الأمريكان والغرب – في الحرب ضد القومية العربية والتيارات القومية واليسارية، وضد أي استنارة إسلامية. بلغ التحالف ذروته في الحرب الثلاثيني ضد العراق، وفي الحرب ضد الربيع العربي في سوريا والسودان وليبيا واليمن ومصر والبحرين، والتجييش لعسكرته، وحرف مساره السلمي والديمقراطي.
مقتل الصحفي خاشقجي يُعَبِّر بحق عن ضراوة الصراع على السلطة في قلب العائلة المالكة؛ فهناك العديد من الأمراء النافذين اعُتقلوا، وفُرضت عليهم الإتاوات، وجرى اختطاف بعضهم وإخفائهم، كما أن هناك معارضة نشطة داخل المملكة وخارجها. الاعتقالات تطال فئات وشرائح عديدة من مختلف المستويات، فهي تطال إخوان مسلمين، وسلفيين: سفر الحوالي، وسلمان العودة، ورجال دين مستنيرين: حسن فرحان المالكي،وليبراليين، وتقدميين، وناشطات من ضمنهم مطالبات بحق المرأة في قيادة السيارة، كما طالت باحثين أكاديميين، وأدباء وكتاب وصحفيين، والقائمة تطول.
ما يجري صراع، وهو- وإن كان داخل الأسرة العتيدة- إلا أنه مؤشر لتأثير الربيع العربي الذي كان جمال خاشقجي متعاطفاً معه ومع حضور تيار الإسلام السياسي فيه.
هناك تشابه – بمستوى معين- بين انطلاق نسيم الربيع في تونس ومصر، وما يجري اليوم في السعودية. ففي تونس بدأ الأمر بإحراق البوعزيزي نفسه رداً على الإهانة، أما في مصر فقد بدأت بقتل خالد سعيد تحت التعذيب في قسم شرطة في الإسكندرية. وفي البلدين تبدأ الاحتجاجات من قاع الشعب، أما في المملكة المغلقة أمام رياح الثورات، والموصدة أمام نسائم الربيع العربي فتبدأ من الأعلى، وفي قلب العائلة والسلطة.
مقتل الصحفي خاشقي فجر غضباً عارماً في الرأي العام الدولي، وخاصة: الأمريكي- الأوروبي، وأصبح جزءاً من معركة التنافس الأمريكي: الجمهوري –الديمقراطي، كما أصبح موضع إدانة قاسية من حلفاء السعودية التقليديين.
الروايتان السعوديتان: الأولى، والثانية متهافتتان حد الاستخفاف بالعقول، والزراية بالتفكير البسيط والعادي.
انتداب 15فرداً ما بين ضابط وخبير تشريح؛ لإقناع خاشقجي للعودة لبلاده حديث خرافة. تمتلك الإدارة الأمريكية معلومات مؤكدة عن ملابسات الجريمة، لكن ترامب يتصرف كولي أمر لولي العهد «البرئ! »، ويده على قلبه خشية ضياع صفقة القرن؛ فحرمة النفس، والمبادئ العظيمة للثورات الكبرى، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا تعني له شيئاً إزاء صفقة بالمليارات، وتلكم سمة الرأسمالية المتوحشة في أعلى مراحلها.
العالم كله يتتبع الرواية التركية ويعول عليها؛ لأن في صدقيتها وتفاصيلها و إيراد الوقائع والأدلة والشهود يعني كشف الغطاء عن أبعاد الجريمة وإدانة الضالعين فيها، وإعادة الاعتبار لتركيا ولدولتها التي أُسيء إليها باقترافها على أرضها.
منذ البدء عمدت تركيا إلى أسلوب التسريب والكشف عن الوقائع عبر الصحافة وتصريحات بعض المسئولين، بينما صمت أردوغان وأبقى الباب مفتوحاً أمام التواصل مع السعودية والإدارة الأمريكية، فكل ما يهم السعودية وترامب هو عدم وصول رشاش دماء الجريمة إلى ولي العهد.
وإذا كان هدف الإنكار السعودي الفاضح التستر على الجريمة و الفاعلين فيها وتحميلها تركيا، فإن الاعتراف الأقبح من الإنكار لا هدف له غير تزوير الحقيقة بتحميلها الثمانية عشر متهماً ، والتستر على الفاعل الحقيقي.
في خطاب أردوغان أمام البرلمان أكد التسريبات التي قام بها الإعلام التركي، وطرح الأسئلة الأكثر أهمية: أين الجثة؟ وسؤال الجثة- جسم الجريمة- يؤكد صدق ما نشر حول التقطيع، ووجود طبيب التشريح، وكلها شاهدة الإعداد والتخطيط للجريمة حسب الخطاب. ويتساءل أردوغان أيضاً عن المسئول الذي أصدر الأمر لفريق مكون من خمسة عشر فرداً، مشككاً في الرواية السعودية، والتشكيك في الرواية إدانة للنظام.
يطالب أردوغان من العاهل السعودي محاكمة ثمانية عشر متهماً في موقع الجريمة (اسطمبول)، كما يطالب بمحاكمة دولية. ولعل الأخطر في خطاب أردوغان تأكيده على عدم إغلاق الملف وإبقائه مفتوحاً.
الخطاب المهم يترك الأبواب مشرعة أمام أسوأ الاحتمالات، وأخطر التوقعات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: