كلمة حق ، لا بُدَّ من قولها ..

 

كلمة حق ، لا بُدَّ من قولها ..
ـ البروفسور : آمنة يوسف

 


آمنة يوسف محمد (11)
يا وطني

الأستاذ القدير عبد الباري محمد طاهر الأهدل، عرفناه هكذا، باسمه الشهير ( عبد الباري طاهر ) وحسب، من دون أيِّ تعصُّب منه إلى أسرةٍ أو قبيلة أو طائفة أو جماعة. وأحببناه هكذا بشخصه الخلوق والمثقف السياسي المعتدل في كل شيء : في سلوكه وفي أفكاره وفي حواراته وفي خلقه النبيل الراقي، في علاقته بالجميع، بمن فيهم من يختلفون معه قبل من يأتلفون معه، في الرأي وفي التوجه وفي الموقف السديد الخالد في قلوب الناس، وبين صفحات الكتب التي تتحدث عن أشهر الأعلام والعقول المستنيرة في تاريخ اليمن المعاصر ومنهم أستاذنا المفكر العظيم عبد الباري طاهر.
أقول : المفكر العظيم؛ لأنني عرفت أستاذنا عبد الباري طاهر، ليس بوصفه رئيس نقابة الصحفيين وأحد مؤسسي اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وناشطاً حقوقياً وسياسياً وعاشقاً للحرية والسلام ..وحسب بل بوصفه رجلاً حين تقترب منه تراه مفكراً يتأمل أكثر مما يتكلم فتقرأ في ملامحه صفة المفكر المستنير والوقور والصوفي الحكيم والمحب للناس جميعاً في اليمن وفي شتى أقطار العالم من حوله، لا يجامل ولا يسعى خلف منفعة شخصية، وإذا تكلم نطق بالحق كلاماً لا يستفزُّ أحداً، حين يتجلَّى في كلامه الأسلوبُ المرن والمنفتح على الآخر : أخذاً وعطاءً لا يخلق عداوة أو خصومة، مهما يكن توجُّه هذا الآخر ومهما وصلت درجة الاختلاف معه. وهو أسلوب صعب، لا يتصف باتباعه سوى المفكرين العظماء ومن ديدنهم الحب كل الحب لهذا العالم البشري المتباين، على مرِّ العصور التاريخية، والذي أدَّى معه التباين السياسي الواصل حدَّ الاختلاف الحادّ جداً، إلى نشوب الحروب والعداوات والتناحر إلى درجة سفك الدماء بوحشية، كان سببها عدم التفاهم بالحوار المرن بين الأجيال ومثقفيها وبين قادتها الذين ( وللأسف ) هيمن الانفعال على قلوبهم وعقولهم وأوصلهم إلى تغليب المنافع الذاتية على مصلحة الشعوب، عامة، بل على حاجتهم إلى الأمن وإلى الاستقرار وإلى الحياة الكريمة المنشودة، حتى خلا الميدان اليوم ( أو كاد أن يخلو ) من المفكرين المستنيرين الفاعلين في واقعهم الاجتماعي والسياسي بوجهٍ خاص، بعد أن تمَّ تنحية هذه العقول المستنيرة وتهميشها بل تصفية معظم رموزها، وكان من الأولى والأجدر احترامهم وتقديرهم والاستفادة من حكمتهم الراجحة ومن مشورتهم الصالحة في توعية أهل القرار السياسي وفي حماية الشعوب من الوقوع في شرِّ القرار السياسي الانفعالي والأحمق الذي دمَّر البلاد وأهلك العباد، باستمرار، وللأسف الشديد.
وكم نحن بحاجة اليوم إلى من هو في مثل شخص أستاذنا الجليل عبد الباري طاهر، وإلى الاستجابة إلى عقله المستنير الذي لو تمَّ احترامه من لدن أهل السياسة والقرار، خاصة… لكنَّا نجونا مما نحن فيه من اقتتال تجاوز كل منطق ومعقول، ليس في اليمن وحسب، بل في كامل منطقتنا العربية التي تعجُّ بالحروب وبالتناحر وبالتمزق الذي أشعل فتيله حمقى السياسة، وهم يتخذون قراراتهم الانفعالية الأحادية الجانب من دون رويَّةٍ أو احترام أو إنصات لأهل العقول المستنيرة الذين بيدهم وحدهم ( كما أرى ) إنقاذ الشعوب من كل ما أوقعهم في شَرَكِه حمقى السياسة المتهورون، والذين لجهلهم يناصبون أصحاب العقول المستنيرة العداء المطلق باستمرار، إلى حدِّ مطاردتهم بل إلى حد تصفيتهم جسدياً، إن هم باحوا بالحلول السديدة التي من شأنها أن تحمي الجميع من براثن الفتن والقلاقل بمن فيهم القادة السياسيون أنفسهم ممن كانوا سيكفلون ( كما ينبغي لهم ) للشعوب العيش الآمن والمستقر، لو أنهم كانوا يعقلون.
الحب، كل الحب، لمفكرنا المستنير عبد الباري طاهر، حماه الله من كيد السياسة ومن شرور حمقاها التدميريين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ـــــــ

ألقيتْ هذه الكلمة في فعالية تكريم الأستاذ عبدالباري طاهر التي نظمها منتدى الحداثة والتنوير الثقافي يصباح اليوم .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: