26 سبتمبر، كرامة لم تأت أكلها!

 

26 سبتمبر، كرامة لم تأت أكلها!

محفوظ الشامي


محفوظ الشامي (8)
علمتني المعاناة نبذ الانتماءات الضيقة

في ستينيات القرن المنصرم 26 سبتمبر، 1962م، حقق الإنسان اليمني أبرز انتصاراته على شبح أعتى نظام رجعي عرفه تاريخ اليمن. سُطرت ملامح التطلع إلى إقامة جمهورية عادلة حيثُ كانت أحلام الثوار تتقدُ وتزمجرُ ضد ملكية وشمولية وديكتاتورية أحفاد القرن الثالث من الأئمة الكهنوتيين المتخلفين.

ينتصرُ الثوار وتلتهبُ شعلة الثورة ويبدأ العمل بتشكيل الجمهورية التي تؤطرها أهداف الثورة الستة. وحين نتحدث عن الأهداف الستة لثورة سبتمبر المجيدة، فنحن أمام مسودة وطنية عظيمة ودستور متصف بكل أشكال السيادة، لأن الثوار العظماء دققوا جيدًا في انتقاء وصياغة تلك الأهداف التي ستضمن إقامة جمهورية مُشرفة تلبي رغبات الشعب اليمني المظلوم سلفًا.

 

جدير بي هنا أن أُشيرُ إلى إن الدولة تنشأ لغرضين، غرض سيادي ويتمثل في توفير جيش وطني قوي وإيجاد جهاز قضائي عادل وتمثيل البلاد بصورة نموذجية من خلال السياسات الخارجية الناجحة والعلاقات الدولية الحقيقية والتي تمثل ثقلًا دوليًا واحترامًا بالنسبة للدولة ومواطنيها سواًء في الأقليم أو العالم الآخر، أما الغرض الثاني فهو الخدمي ويتمثل في مجانية التعليم والصحة والماء والكهرباء ورعاية الفئات المجتمعية الخاصة من معاقين ومسنين وذوي الاحتياجات الخاصة.

هذان الغرضان منعدمان تمامًا من خارطة الدولة اليمنية من حين قيام الجمهورية إلى الآن، لا أغراض سيادية شكلت هيبًة وعظمًة للدولة أو أغراض خدمية نالها المواطن كما باقي سائر شعوب العالم. لدي قناعة تامة بأنه لم تقام دولة حقيقية في اليمن إلى اللحظة، سوى فترة قصيرة بعد قيام الثورة كانت قد برزت فيها معالم الدولة آنذاك حين تولى رئاسة الجمهورية الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.

مشكلتنا نحن في اليمن إذا ما قورنا بأقطار عربية أخرى أننا نعاني من أزمة دولة وأزمة مجتمع، فدولة لبنان على سبيل المثال تعاني من أزمة دولة بينما المجتمع يتمتع بوعي كامل وانفتاح ايجابي يساهم في انطلاق عنان الدولة بشكل أو بآخر.

بالنسبة للمجتمع اليمني، فهو مخدر تحت تأثير الشعارات الموروثة وقيم الدين والأخلاق المغالى  بها وكذلك هيمنة وقرف القبيلة، وعلى هذا النحو تم تلقين المجتمع كل أساليب الكراهية والعداء، ليقف مناهضا لمشروع الدولة الحقيقية، بدقة عالية تمكن رجال الدين والقبيلة ومعهم الساسة من تلويث عقول الجماهير وجرهم إلى مستنقعات التخلف والفقر والتهميش، ولدينا دليل تاريخي على تورط رجال الدين والقبيلة في اغتيال كل المشاريع التنويرية المتحررة التي تفضي إلى إقامة الدولة، ويتصدر القائمة الضحية الشهيد الحمدي كما ذكرت سابقًا، إضافة إلى اغتيال اليساري الوطني صاحب المشروع والدولة جار الله عمر. والقائمة طويلة بهامات وطنية تم طمسها.!

أستطيع الجزم بأن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر لم تأت أكلها كما ينبغي، رغم تفاني الضباط الأحرار والثوار من عامة الشعب للتخلص من الظلم والقهر بكل أشكاله ولدحر الثالوث البغيض من فقر وجهل ومرض. وأنا هنا لا أقلل من عظمة وفائدة الثورة بالنسبة للشعب اليمني لكنني أتحدث عن مأساة تعطيلها وتمييعها حين تولت زمام نشوء الجمهورية مكونات إسلامية سياسية لم تترك للاستقرار مجالًا، وكذلك وجود القبيلة بشكل مباشر داخل هيئات ومكونات الدولة.

 

يعتبر فتوى استباحة دماء أبناء الجنوب في صيف 1994 م أحد أهم الأشكال المتطرفة التي أنتجتها مكونات الإسلام السياسي والقبيلة بحق الإنسان، وهذا قرار لا يمكن أن نتحدث عنه كونه صدر من دولة؛ لأنه لم توجد ولم تقام دولة حقيقية. لقد كانت فقط سمسرة يديرها أولئك المذكورين أعلاه.

أنظروا إلى واقع الحال المُسف الذي وصلنا إليه اليوم، بالمناسبة هو حاصل طبيعي لما تضمنته أخطاء الماضي. فالثورة المضادة التي أتت تحاول إعادة اليمن إلى ما قبل 26 سبتمبر نتاج مبرر له وغير مفاجئ وذلك لأن التسيب الكبير بحماية الثورة ومكاسبها أدى إلى هشاشة أهدافها والتي لم تطبق البتة. تنازع بين أطراف عديمة الضمير يكشف لنا حجم الوباء الايدلوجي الذي خلفته فئات الإسلام السياسي التي تدعي تمثيل الله والحكم باسمه سواًء جماعة أنصار الله أو فرع الإخوان المسلمين(الإصلاح) أو الوهابيين المتطرفين.

عذرًا يا علي عبدالمغني، عذرًا أيها الزبيري، فقد ماتت الكرامة معكم وأغتيلت معالم الجمهورية حين تلاشيتم.

لكننا ما زلنا نأمل بأن خياركم الثوري الأول هو طريقنا للمضي إلى الأمام وللولوج نحو تحقيق الجمهورية المنشودة والفاضلة.

 

ما زالت لدينا فرصة سانحة لاستعادة الجمهورية من براثين التخلف ومتاهات الصراعات التي لا تنتهي، حين ينتهي الاقتتال وتبدأ الجدية في الحديث عن إيجاد الحلول للخروج من الأزمة والخوض في شكل الدولة الجديد، يجب خلق الوعي لدى الشعب بمطالبة تحقيق الدولة المدنية العلمانية التي ستُحيد كل من يعيق وجود النظام والقانون، وستردع من يمثلون الله أيًا كانوا ليعلموا أن الله رب الجميع والدين والقبيلة حق شخصي، بينما الدولة للجميع والقانون سيد الكل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: