“جِـــــــدار”

 


ياسمين الآنسي (1)
“جِـــــــدار”

القاصة/ ياسمين الآنسي

كُلُ شبرٍ في جسدي مُنهكٌ يَتَوجع, رفعتُ يدي أتلمسُ عينيَّ، أمفتوحتان أم مُغمضتان ؟

إنَّهما مفتوحتان ! لكن، لِمَ لا أرى شيئا ؟ أفقدتُ بصري ؟

أخذتُ أفركُ عينيّ بأطرافِ أصابعي، أُدقِقُ فيما حولي, بدأتْ عيناي تُميزان فُقاعاتٍ و خطوطٍ سوداء تسبحُ في اللا شيء . يبدو أنني في حُجرةٍ ظلماء .

بصيصٌ يتسربُ من ثقبٍ صغيرٍ جداً, كثغرٍ باسمٍ على الجِدار، سارعتُ إليه، ألصقتُ وجهي به، كما يُفعل عند حائط المبكى, أو جدار الكعبة, و أعمدة الكنيسة المعمورة بالرخامِ الأبيض, على شاكِلةِ الصليب .

لا أدري كيف لا زالتْ كُل هذهِ الأماكن تتزاحم في رأسي رغم ما حل بي من تفتيت ؟!

وازنتُ بؤبؤ عيني بالثقب، نورٌ ثاقب يضربُ بصري، أبعدتُ وجهي مِن على الحائِط، مسحتُ عينيَّ الدامعتين من قوةِ النور، أخذتُ وقتاً في التفكير, أأعودُ لمكاني الذي وجدتُني فيه أم عليّ أن أحتَمِل قوة النور ؟

عاودتُ إلصاق وجهي بتؤدة, أنظرُ في الثقب، وجدتُ ريشَ طائرٍ رمادي اللون يحجُبُ الرؤية، انتظرتُ كثيراً حتى أبتعد، أنطلقَ بصري في الأفق، أتعبني طول الوقوف و الالتصاق بالجِدار لمُراقبةِ أغصانِ شجرةٍ تهتزُ هلعاً.. فرحاً.. رياحياً, لا أدري ؟

جلستُ تحت الثقب أستريح، عاودتُ الوقوف و التلصُص من الثقب، لا أثر لأغصانِ الشجرة !

اَنتظرتُ بُرهة، رجلاً مجهول الملامح, لا أرى غير فأساً على ظهره, يجُرُ خلفه كومة الأغصان, استمر في السيرِ دونَ أن يلتَفِت, غابَ و أخفتِ الريحُ أثارَه .

تمددتُ لأخذِ قِسطاً من الراحة، وقفتُ بعدها أنظُرُ عبرَ الثقبِ مجدداً، عُمال يُشيدون بناء .

ترى ما الغرض منه وسطَ هذهِ الغابة ؟!

أبيتاً هو أم مستشفى, أم أنها مدرسة ؟ ربما سجناً آخر أشدُ ظلمة, سيتم نقلي إليه .

بلا طعامٍ و لا شراب ؟ بلا نورٍ.. بلا ذات، لماذا أُرزَح تحتَ كُل هذهِ اللاآت ؟ أميتٌ أنا أم هذه هي الحياة ؟

كم ليلاً مضى و أنا أتوقُ لأن ألمسَ بصيصَ النورِ بيدي ؟

كم شهراً.. كم عاماً و أبابيلُهم لا تُغادرُ سمائي ؟

ضرباتٌ متتاليةٌ لم  يسترِح منها جسدي، دفعتني لأُفكرَ في الموتِ على الموت، و الاِنتحار رُغم اِنتهائهم مِن الوَتر الأخيرِ مِن نحري .

أَكُلَ هذا النزيفِ و لا زالت في عروقي دماء ؟!

أُريدُ أن أنامَ ملئ جفنيّ . لكنني نائمٌ مُنذُ زمنٍ بعيد..

إذن… متى سأصحو ؟ بل كيف سأصحو ؟ و أين ؟

سيسألونني :

– لماذا تُريدَ أن تصحو ؟

بماذا سأُجيب ؟

ألرؤيةِ الشمس.. أم لأحيا قِصصاً من الحب.. أم لأُعيد دورةً أُخرى مِن الممات ؟

سأصرُخُ في وجوهِهِمُ المُكفهرة : (دعوني و شأني، لقد بح صوتي، لم أعُد أرغب في الاِستماعِ و الحديثِ إليكم) .

لا أدري أكان عليّ الصحو باكراً قبل أن أألف الظلام ؟

سأترُكُ لكُمُ الآن أمرَ الثُقبُ في الجِدار و أخلدُ للنوم؛

ملاذي الوحيد…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: