أنا لستُ لأحد !

 

أنا لستُ لأحد !

ضياف البرّاق

 


ضياف البراق (6)
رجلٌ كامِل !

دخلتُ المدرسة في عمري السابعة، أنا الطفل المشاغب الرديء، وكنت حينها أدرك جيدًا أن هذا الوطن المثقوب ليس لي، ليس للطيبين، ولا يمكن أن تتحقق فيه الأحلام الجميلة مثل أحلام أبي التي انتهت بالفشل الذريع. بينما أمي العزيزة ظلت طوال دراستي تصلي لربها بجنون؛ تطلب منه أن يهدي ابنها الملعون هذا إلى الخير والنجاح ولم تكن تدري بأنني لا أريد أن أكون شيئًا من ذلك؛ بل لا أريد أن أكون جميلًا في مجتمع كله جميل! ظللتُ أقول لها “لن أكون، الفشل يليق بي، أرغب بأن أكون تافهًا على خلاف الجميع”. وكانت هي تحزن لأمري هذا كثيرًا، وتحاول بأسلوبها العظيم الحنون أن تجعلني ذلك الرجل الأسطوري، صاحب المستقبل الكبير “أنت ابني الجميل الذكي، تستطيع أن تتفوق في دراستك ولو لأجلي فقط، وسيكون مستقبلك بحجم هذا الوطن”. كانت تقصد الوطن أم المنفى؟ ها هو مستقبلي قد صار اليوم بحجم المنفى، فقد كانت أمي صادقة بالفعل! “أنا إنسان فاشل يا أمي” أكررها في وجهها أثناء ذهابي إلى المدرسة، أكررها بإصرار بين الحين والآخر، وأحيانًا أذكِّرها بها قبل النوم حتى لا تنتظر مِنِّي ما لا أستطيع على تحقيقه في وطنٍ لا يحترم الفقراء ولا يعبأ بالأنبياء. كنتُ صادقًا معها، وكانت هي صادقة معي أكثر، لكننا، هي وأنا، لم نكن ندري بأننا سنفترق فجأة قبل أن نبتسم مرة واحدة في العمر، قبل أن نلتقي خارج الوجع، لم نكن نتوقع بأننا لن ننجح معًا في رؤية الضوء يدخل حياتنا. أبي أيضًا رغم أنه لم ينجح في كل شيء إلا أنه لم ينحنِ إطلاقًا؛ لقد ظل يصلي لربه مثل أمي؛ لم ينحنِ لأجلي؛ وكان يجهل أنني لا أستحق كل ذلك الهراء الجميل؛ أنا كائن تافه بلا منازع؛ تافه يا أبي مثل كل الأنقياء في زمن أعمى، وأرفض كل القيود حتى تلك التي تصب في صالحي! في البداية رحل أبي، غادرني بلا قصد قبل تخرُّجي من المدرسة؛ وهكذا دخلت الحرب حياتي.. ثم رحلت أمي دونما إشعار، غادرتني بهدوءٍ كامل اليأس، حدث ذلك قبل دخولي الجامعة بأشهر قليلة، وهكذا أخذ الموتُ يصادقني من كل الجهات، وكم أنا اليوم محظوظ بهذا الضياع الطويل. دخلتُ الجامعة وحيدًا، أذهب إليها وحيدًا، أعود منها وحيدًا، وأعيش معي وحيدًا ولكنني لا أشعر بأي حزن، كما لا أشعر بأن لوجعي هذا ثمة نهاية. ما أسعدني الآن؛ أنا لستُ لأحد! .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: