(محمد عبدالله المُحَلْوِي) .. الأبُ الرُّوحي للثورة اليمنية

 

(محمد عبدالله المُحَلْوِي) .. الأبُ الرُّوحي للثورة اليمنية

 

هو أحد روّاد الحركة الوطنية الأوائل، ولد في صنعاء في ستينيات القرن التاسع عشر، وكانت أسرتُهُ تكسب رزقَها مِن صناعة الحلوى، وعندما بلغ السابعةَ من عمره بدأ تعليمه الأولي في الكُتَّاب قبل أن يلتحق بإحدى المدارس التركية، إلا أنه تعرض لمضايقاتٍ بسبب الصراع الدائر مع الدولة العثمانية، وهو ما دفعه إلى الاستجابة لرغبة أسرته، وتَركِ التعليم، واتجه بعدها للعمل في ذاتِ مِهنةِ أُسرتِه “صناعة الحلوى”.

تَكيَّف “المُحَلْوِي” مع وضعه الجديد، وكان لا يتوقف عن المُطالعة في الصحف والكتب التركية وغيرها، معوضًا بذلك انقطاعَه عن التعليم، ثم بعد ذلك كان يتردد على المجالس، وفيها كان يلتقي بمعارضي حكم السلطان عبدالحميد -من الأتراك- ولا سيّما مجلس مدير البرق، وهو عبارة عن منتدى يدور فيه الحديث في كل فن، حتى أن المعارضين كانوا يتحدثون عن حكم عبد الحميد والدولة العثمانية والظلم والمحسوبيات وغيرها.

بعد ذلك تعرف “المُحَلْوِي” على تاجر إيطاليّ قدِم إلى صنعاء للتجارة، وكان من الإيطاليين النوادر الذين يَعتبرون الأرضَ وطنَ الانسانية جمعاء، وكان يَعتقد أن على الإنسان أن ينشر المعرفة أينما وجد، وهذا ما جعل “المُحَلْوِي”، يتردد على دكان التاجر الإيطالي، وهناك كان يسمع الكثير من المعارك في العلوم والفلسفة، وعن تاريخ أوروبا، وقصص عن الحرية، ومنها أنه اطلع على سيرة العديد من المُصلِحين في العالم العربي، منهم جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، وغيرهم.

من هنا بدأ “المُحَلْوِي”، مشروعَ التنوير بإمكاناته البسيطة، وقد لاقَى سُخريةً مِن قِبل العامة، حتى أنهم كانوا يلقبونه بـ”الأكسجين”، نسبة لأحد أحاديثه التي تكلم بها وأشار إلى مكونات الهواء، وهو ما جعله محل تندر الجميع حينها،
وبالرغم من السخرية إلا أنّ ذلك لم يُثنِهِ عن مواصلة مشروعه.

وعقب تَسلّم الإمام يحيى حميد الدين السلطة، بعد هزيمة الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى أدرك أن حكم الأئمة لا يختلف عن حكم العثمانيين، حينها واصل معارضته لهذا النظام جهارًا، من خلال كشف المظالم وإبراز المساوئ، وانضم إليه جماعةٌ من الثوار المناهضين لحكم الإمام (يحيى) أمثال: (محمد صالح السنيدار), و(حسين السياغي), و(أحمد المطاع), و(حسن الدعيس), و(عبدالله العزب), و(عبدالله سنين), وغيرهم, وكانوا يَعقِدون اجتماعاتهم في منزل (محمد صالح السنيدار).

وحين علم الإمام (يحيى) بمعارضتهم له واجتماعاتهم؛ بدأ يُطلق حولهم الشائعات, ثم اعتقلهم في مدينة صنعاء تحت مبررات دينية؛ منها اختصار القرآن الكريم, وسَبُّ آل البيت, والعمالة مع الإنجليز والنصارى, وغير ذلك من التهم, إلا أن جماعةً من حاشية الإمام الذين يميلون إلى أفكار “المُحَلْوِي” وأصحابه بدؤوا يسعون لدى الإمام في إطلاق سراحهم حتى اقتنع الإمام بإطلاق سراحهم, لكنه استثنى “المُحَلْوِي”، حيث أقسم يَمينًا أنه لن يُطلق سراحَه إلا إذا وافق على الخروج من مدينة صنعاء، فرفض “المُحَلْوِي” هذا الشرط وظل سجينًا, وتدهورت صحته فتراجع الإمام عن قسمه, وخرج “المُحَلْوِي” من سجنه مريضًا معلولاً, فلم يلبث أن مات عن عمر ناهز السبعين عاما.

وبحسب المصادر التاريخية، فقد كان “المُحَلْوِي”، شُجاعًا, جَسورًا, لديه قدرةٌ فائقةٌ على المُناظرات العلمية, لَبِقًا, جذابًا, استمال الكثير من رجال اليمن في عصره إلى معارضة الإمامة, مما جعل كثيرًا من أدبيات الثورة اليمنية تعده النواة الأولى للثورة على الحكم الإمامي في اليمن.
…… ..
المَراجع:
مذكرات العزي صالح السنيدار (الطريق إلى الحرية).
كتاب “نحو النور” القاضي محمد الفسيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: