مهندس الثورة وأول شهدائها: الشهيد/ علي عبد المغني 1935_1962م

 

مهندس الثورة, وأول شهدائها: الشهيد/ علي عبد المغني 1935_1962م

كتب / يحيى الحمادي

 


يحيى الحمادي (68)
(مَزاد سِري، لجداريّةٍ لم تكتمل..)

تُرى بماذا كان يُحدّث نفسَهُ الفتى ذُو السابعة, وهو يسير على الحصان من (نيعان) إلى مسقط رأسه (بيت الرداعي) محافظة إبّ, محفوفًا بالزفّة الراجلة حولَه احتفاءً بإتمامه حفظ المصحف الشريف!
وما الذي دارَ في خَلَدِهِ والعيونُ تَرمقه من جنبات الطرق, ومن وراءِ نوافذ البيوت المحيطة, وكأنها ترى مِن خلاله فجرَها الصاعدَ ومستقبلَها الواعد!
لعل في السطور القادمة ما يجيب عن ذلك:

بعد أربعة أعوام من هذه الزفة كان قد انتقل إلى صنعاء, لكي يتلقى تعليمه بها, وهناك ذهب إلى منزل الشهيد حسين محمد الكبسي طالبًا منه المساعدة بدخوله مكتب الأيتام, وكان الكبسي من ضِمن مَن احتفلوا به قبل أربعة أعوام حيث صادَفَت وُجودَه في (نيعان) تلك الزفة فحضرها وكان يعمل آنئذ وزيرًا للخارجية, لقد رحّب به وضمّه في منزله كأحد أبنائه, وبعدها ذهب به إلى مكتب الأيتام, وهناك قرّرت لجنة الاختبارات أن يبدأ الطالب (علي بن محمد حسين أحمد عبدالمغني) دراسته من الصف الرابع, حسب مستواه, ثم واصل الدراسة هناك بنجاح مستمر.

بعد أربعة أعوام أخرى كان علي عبدالمغني _وفي منزل الشهيد الكبسي_ وجهًا لوجهٍ مع الرئيس جمال جميل _الرئيس: رتبة عسكرية توازي رتبة العميد_ وكان الكبسي قد حدّث الرئيس عن توقد ذكائه ونبوغه, حيث رحب به وأجلسه بجواره سائلًا إياه: بما تكون السعادة؟ فأجابه علي عبدالمغني وبلا تردد: السعادة تكون في الحرية, فضمه الرئيس وهو يبتسم ويقول للكبسي: لو فشلت ثورتنا _لا سمح الله_ فهذا الشبل هو الذي سيكمل ما بدأنا به, ثم أعطاه ألف ريال فرانص من العملة الفضية “ماري تريزا” _ظل يقتاتها طوال فترة تعليمه في مكتب الأيتام_ وقال له: هذا المبلغ جائزة لك, وعليك أن تهتم بتعليمك دون أن يشغلك شاغل عنه.

بعد فشل ثورة 48 واعتلاء الإمام أحمد عرش الإمامة خلفًا لوالده كان الشهيد جمال جميل يقول للإمام ولِلحاضرين في ساحة الإعدام وهو مرفوع الرأس: “لقد حَبّلناها.. وسَتَلِد” !

أكمَلَ علي عبدالمغني دراسته في مكتب الأيتام, وانتقل إلى المدرسة المتوسطة التي درس فيها ثلاث سنوات بامتياز, وانتقل بعدها إلى الثانوية حيث كانت في وقتها أربع سنوات, في السنة الرابعة ثانوي كان قد أحرز المركز الأول بامتياز كشأنه في كل مراحل تعليمه, وفي العام 1958 التحق بالكلية الحربية, وقد تخرج منها بترتيب الأول بامتياز, وأقامت الكلية حفل التخرج وألقى علي عبدالمغني كلمة الخريجين, وكان من بين الحاضرين ولي العهد “البدر” حيث قام بتسليمه الجائزة والشهادة, وأعطاه قلمه الخاص _من الذهب الخالص_ وهو لا يدري أن هذا القلم سيكتب بعد أربعة أعوام “أهداف الثورة اليمنية”.

بعدها التحق بمدرسة الأسلحة, والتحق معه بهذه الدفعة مجموعة من خيرة الضباط من خريجي الحربية والطيران والشرطة, كان من بينهم: زميله ورفيق دربه محمد مطهر زيد, وناجي الأشول, وحمود بيدر, وعبدالله عبدالسلام صبرة, وأحمد الرحومي, وصالح الأشول, وعلي الحيمي, وعبده قائد الكهالي, وأحمد بن أحمد الكبسي, وغيرهم.
ثم ها هو بعد ثلاثة أعوام يؤسس تنظيم الضباط الأحرار, ويتولى مسؤولية إحدى خلاياه السرية وكانت تضم حينها عشرة أعضاء.

عاش علي عبدالمغني حاملًا هَمَّ وطنه, باحثًا عن حريته واستقلاله, كان يلتقي بالمثقفين والمشائخ والعلماء والطلبة ويحدثهم عن عظماء الرجال في العالم وكيف صنعوا المعجزات وحرروا أوطانهم وشعوبهم, وكان أولَ مَن نظّم مظاهرةً طلابيةً في اليمن إبّان العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956, وبسببها سُجن مع مجموعة من زملائه في سجن “الرادع” .

في يوليو من العام 1962 التقى بالزعيم جمال عبدالناصر على متن باخرة مصرية بشرم الشيخ, حيث حصل على وعود منه بدعم الثورة ومناصرتها حال قيامها, وفي أغسطس من العام نفسه, وبعد عودته من مصر قام بتنظيم مظاهرات طلابية في كلٍّ من صنعاء, وتعز, والحديدة, لأنه أدرك أن المظاهرات هي الجرس الذي من خلاله سيُفيق الشعب من سُباته ليتكفل بحماية وحراسة ثورته, وأنّ هؤلاء الطلاب هم طليعة المجتمع وهم كذلك من جميع مناطقه ومحافظاته.

ثم استمر بعقد اللقاءات والتنسيقات في تعز, والحديدة, وقام بإعداد البيان الأول للثورة, وأعد الأهداف والمبادئ الستة, وفي عشية السادس والعشرين من سبتمبر 1962 تحرك الملازم علي عبدالمغني يرافقه زميله ناجي محسن المسبلي إلى إدارة الهاتف, وقام بإعطاء البطل (حسين القوّاس) كَشفًا يحدّد أسماءَ مَن يجب قطع تلفوناتهم وفي المقدمة تحويلة قصر البشائر المقر الرئيسي للإمام “البدر”.

عاد الملازم علي عبدالمغني إلى الكلية الحربية, وتحرك في الساعة الحادية عشرة والنصف, قبل منتصف الليل, مع زميله الملازم محمد مطهر, والملازم يحيى الفقيه, والملازم يحيى الثلايا, ومعهم مدفع ميدان, واختار موقع الضرب في (خزيمة) وقام بقصف دار الشكر, ودار البشائر, وشكَّل مجموعات الاقتحام, وفي صبيحة اليوم الأول للثورة تحرك على دَبّابة إلى عُرضي المدفعية, والدماء تسيل من أذنيه, حيث قام بفتح البوابة وإطلاق سراح الملازم حمود بيدر, وألقى كلمةً بعُرضِي المدفعية قائلًا: إن الثورةَ ثورةُ شعبٍ يساندها أبناءُ الشعب وفي مقدمتهم القوات المسلحة وقوات الأمن والقوات البحرية.
بعد اشتداد المعارك بين الجمهوريين والملكيين في صعدة والجوف وحريب وقعطبة ومأرب نهض الشهيد علي عبدالمغني من على كرسيّه في مجلس قيادة الثورة وتحرك على رأس حملة عسكرية نظامية لإنقاذ مدينة مأرب, لما لها من أهمية في نظره لأن “الشريف الهبيلي” كان يحيك المؤامرات لاقتطاع السهول الشرقيه مأرب_الجوبة_حريب, إلى إمارة (بَيحان), في ظل الحماية البريطانية لِمَدّ العمق الاستراتيجي للدفاع عن الوجود البريطاني في عدن.

قام الشهيد علي عبدالمغني بتجهيز الحملة العسكرية المؤلفة من: 56 فردًا من طلاب مدرسة المدفعية جناح م/ط الذين كانوا يتدربون على يديه, 4 سرايا من الجيش الوطني, 4 عربات مصفحة 4×4, 4 سيارات نقل فرجو, مدفع ميدان عيار 76م, كما استصحب معه كلًا من الملازم: محمد فايع, والملازم محمد عبدالخالق, والملازم محمد غالب الساقي, والملازم محمد حسن العمري, تحركت الحملة في الساعة الرابعة عصر يوم الـ 7 من أكتوبر 1962, وعند وصولها مدينة (جحانة) في الساعة السادسة مساءً أمَرَ بالتوقف, وقام بجمع المسؤولين العسكريين والمدنيين في مدينة جحانة وتدارَسَ معهم الموقف لفترة لا تزيد عن ساعة واحدة, ثم أمَرَ بمواصلة السير ليلًا عبر نقيل (العرقوب) ومنطقة (الأعروش) فنقيل (الوتدة), وفي الساعة العاشرة صباحًا وصلت الحملة إلى مركز (صرواح) حيث كان في استقبالها مدير الناحية القاضي حسين العرشي, وقائد السرية العسكرية من الجيش الدفاعي وأفراد السرية, وجمعٌ غفيرٌ من مشائخ وعقال وأفراد منطقة (جهم), وكلهم فرحون ومبتهجون بالثورة, ثم أقام المسؤولون الحكوميون والمشائخ والأعيان مأدُبة غداء كبرى للملازم علي عبدالمغني والضباط والأفراد وبعد تناول الغداء طلب منهم الملازم علي عبدالمغني ترك الحملة تُكمل سيرها, لكي لا يعطي العدو فرصة لتخريب الطريق أو نصب الكمائن, وقد انضمَّ إلى الحملة حوالى عشرة أفراد من أبناء صرواح بناءً على رغبة الملازم علي عبدالمغني استُشهد منهم اثنان في معركة (باب الضيقة) .

كانت المعلومات التي جمعها الشهيد تشير إلى احتمال وقوع كمين يعترض الحملة في منعطف يقع بين صرواح وباب الضيقة وعند مرور الحملة بهذا المنعطف رشقتها بعض العيارات النارية وحينها اتخذت الحملة وضعية الاستعداد للقتال, وأَطلَقت بعض نيرانها على مصادر النيران المعادية, غير أن تلك النيران اختفت فجأةً, فعادت الحملة إلى وضعها السابق, وواصلت التقدم نحو (مأرب) وعند وصولها باب الضيقة حوالى الساعة الخامسة والنصف من يوم 8 أكتوبر وقعت في الكمين المُعد إعدادًا فنيًّا وتكتيكيًا وبخبرةٍ عسكريةٍ فائقة حيث سقطت المصفحة الأولى في الحفرة المموّهة بغصون الأشجار, ثم تلتها المصفحة الثانية, _وكان الملازم علي عبدالمغني في المصفحة الثانية_ وهذا حسب رواية شاهد العيان وبطل من أبطال الحملة الرائد صالح الضنيني أحد الأفراد الذين كانوا يَدرسون في مدرسة المدفعية جناح م/ط على يد الشهيد علي عبدالمغني .
وفعلًا اشتبكت القوات مع أفراد الكمين واستمرت الاشتباكات لمدة ساعتين, تكبد المهاجمون خلالها خسائر كبيرة في الأرواح, وكان الشهيد علي عبدالمغني قد حاول أن يهجم على موقع قريب منه بالقنابل اليدوية
وعندما فتح باب المصفحة وقفز منها تحالفت عليه عدد من الطلقات, فاضت على إثرها روحه الطاهرة, وانتقل إلى جوار ربه شهيدًا طاهرا.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: