سلطة الفائدة  ووسيلة الخداع!

 

سلطة الفائدة  ووسيلة الخداع!

محفوظ الشامي

 


محفوظ الشامي (8)
علمتني المعاناة نبذ الانتماءات الضيقة

ليس ثمة أبشع من سلطةِ الدين حين تقوضُ أهلها للتسلطِ على كافةِ سبلِ الحياة، بطرقٍ تتلاءم مع عقلياتٍ نمطيةٍ وضيقة تخدم مصالحها الشخصية، فهي دومًا تستفيدُ من هذه الثغرة و تعززُ من بثِ هيبةِ الولاءِ الأعمى و الانقياد المطلق لكل تبعياتها! كلنا نعلمُ ماذا صنعت هذه السلطةُ بحقِ المجتمع الأوروبي سابقًا، و كيف هيمنت الكنيسةُ على حياة الناس و ألحقت بهم وبالًا و فرقت بين الأجناس و الأعراق، إلى أن وعت شعوبهم خطورة الأمر، ثم بعدها تخلصوا من ديكتاتورية القساوسة و ارستقراطية الرهبان، و أعلنوا عن بدءِ حياةٍ مختلفةٍ بنظامِ عقدٍ اجتماعيٍ من نوعٍ إنسانيٍ عام، لا تمييز فيه و لا أفضلية لأحد! تصلُ المجتمعات الأوروبية اليوم، إلى أرقى و أبهى حياة عرفتها الأجيال، حيث تنتشرُ في أوساطهم كل قيم العدل والمحبة، يعيشون وفق دستورٍ أخلاقيٍ و قانونيٍ ساد كل شيء، تتخللهم كل الصفات الإنسانية رغم تعدد معتقداتهم و مذاهبهم الذي كانوا من أجلها يتناحرون. أعتقدُ بأننا سنفشلُ دومًا عندما تحكمنا الأديان، الإنسانيةُ فقط هي المعيار الحقيقي للبقاء، ناهيك عن حقيقة أن كل الأديان، أكانت سماويةً أو وضعية لم تأتي إلا لتعزز مبدأ الإنسانية. مما لا شك فيه، أن ديننا الإسلامي من أعدل و أسمح الأديان على الإطلاق، منح الإنسان كل العوامل التي تساعده على الاستخلاف الأمثل في الأرض، و جنبه كل الشوائب التي لا حاجة له بها، وهذا أمرٌ مسلمٌ به. لكنني اليوم لا أتحدث بصددِ هذا المعتقدِ كتشريعٍ أو كأصل، إنما أتحدثُ عن كيفيةِ استغلال هذا الدين السمح من قبل السلطة العاتية التي تتلبس فيه، و التي تتمثلُ في الحكام و أنصارهم الفجار من الواعظين و المرشدين، و أصحاب القلوب التي تخشى الله أحيانًا قليلة! أستطاعَ الحكامُ في الأقطارِ العربيةِ و بكلِ كفاءةٍ فرض هيمنةً فكريةً و ثقافيةً و وصايا تتعلقُ بعدمِ المساسِ بقداسةِ أبراجهم و عدم الاقتراب من قولِ الحق في وجوههم. فقد حشدوا الوعاظ، ليخبروا العامة من الناس بفضلِ طاعة ولي الأمر، حتى و إن أخذ مالك أو جلدك و و و. أيمكنُ أن يتوافق هذا الأمرُ مع العقلِ و المنطق، هل كان نبينا الكريم و قائد ديننا المنصور محمد يأخذُ مال أحد، هل ضرب أحد!؟ يُقال أنه بمعركةِ بدر يوم أن ساوى صفوف المسلمين، وخزَ أحد الصحابة دون قصد، فصعدَ بعدها إلى المنبرِ و أجهر لمن وخزه أن يأخذ بالقصاص! هذا هو العدل. هذا هو الإسلام يا سادة. أما شعاراتكم الزائفة واتخاذكم الدين مجرد وسيلة لضربنا و اختلاسنا، لعمري أنه أمر بات مكشوفًا، و قد شاع صيته، ثم أننا لكم بالمرصاد. حين يكونُ الحاكمُ أكثرنا سرقةً و أعظمنا تناولًا للنبيذ كم هو أمرٌ سخيفٌ أن تُقطع أيدية السرق، أو تقامُ الحدود بحقِ شاربي الخمور، في مثلِ هكذا حالة، و من أجلِ ضمانِ بقاءٍ مستقرٍ و مثمرٍ يجبُ على المجتمعاتِ تحديث و تجديد و سن قوانين تتلاءم مع الجميع، لا يجوز أن نمنح الدينيون الباهتون كل خيارات الهيمنة على المجتمع. لابد أن نشيع العلمانية بمفهومها الذي لا يتعارض مع مصلحة ديننا الكريم. لن نتقدمَ و نكونُ كسائرِ شعوبِ الأرض و نحنَ وعاء مفصل لهيمنةِ فتاوى الفقهاء و الوعاظ، قد أُصبنا بالتخلفِ و الرجعيةِ إثر تصوراتهم الفقهية التي لا تتناسب مع تقدم التاريخ! و هم بالمناسبة يعملون وفق مصالح الحكام غالبًا، و الدليل الواضح هو “التلكع” الذي أصيب به علماء سلطة آل سعود حاليًا. نحنُ مهمشون و فقراء و متخلفون و متصارعون و متنازعون على كل شيء و سرق، و لم نعد نتذوق حلاوة عبادة الله! لماذا!؟ لأننا محكومين في ظل الإسلام حسب زعمهم! والله أعلم! أخيرًا: بصراحة لم أرى أسخف من الكتاب الذي بيعت منه أكثر من مليوني نسخة في العالم العربي “لا تحزن لعائض القرني”. أهم ما جاء في الكتاب، أن هذا الواعظُ يخاطبُ الفرد المسلم، بأن لا يحزن و أن يعبد الله بحق و لا يسرق و لا يحسد و لا يزني… هو لا يعلم ذلك المحاط بهالةِ الترفِ و رغدِ العيش أننا كلنا حزن و بؤس. أنى له أن يدري، وقيمة ردائه الذي يسد رمق عشرات الأسر من المسلمين يعتليه، ناهيك عن قيمة سيارته و نوعية العسل و البخور و سفريات السياحة… سنعودُ أقوياء أيها الجلاوزة، و ستنتصرُ مواثيق الإنسان و تسودُ قيم الحداثة و التنوير، و ستموتُ فقاعة سلطتكم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: