الصياد .. الأحمد الأمجد

ـ أنور العنسي
لندن

في كل مرةٍ حاولت فيها اقتفاء أثر أحمد الصياد ، المثقف العالمي ، الواسع الأفق ، المحمود الخُلقِ والسيرة ، في الثقافة والسياسة والموقف العام من الحياة ، أكتشف أنني بحاجة لإتقان أكثر من لغة.
أهم من تلك اللغات الثلاث الأهم التي أتقنها إبن الصياد ، العربية والفرنسية والإنجليزية ، كانت لغته الخاصة الممزوجة من ثقافة كل تلك اللغات ، بدبلوماسيته الاستثنائية التي اجترحها عالمياً في منظمة كاليونسكو وحيداً طوال أربعين عاماً بلا نفوذٍ غربي داعم أو بترودولار مساند بل وسط منافسة عالية من قبل آخرين طالما كانوا يستشعرون بالصغر أمامه ، وكان لشدة تواضعه مستعداً لإفساح المجال أمام أفضلهم.
لكلٍ حزنه الخاص على الصياد ، لكن حزني عليه مختلفٌ بكل المقاييس ، لا أدعِّي أنني عرفته أكثر من غيري ، ولكنه عرفني أكثر من سواه ، استنهضني من وهادي السحيقة في زمن الشباب، وكان لي بمثابة المنار لقاربٍ تائه ، الرافعة لفتى جامحٍ للنظر في المدى الأبعد ، ما بعد اليمن ، وما خلف باربس ، بل قادني إلى أهم المكتبات ، إلى أسهل وأقرب وأصعب العناوين نحو المعرفة الجادة والحقة.
كلما كنت أحاول استرجاع محادثاتي معه سواء تلك التي تمت بالسماع أو الكتابة أشعر بالإنهاك والألم معاً.
كيف لفتى فقيرٍ وضعيف الحال ، ومن عائلةً مكافحة في سبيل العيش الكريم ، ومن بيئة قبلية شرسة أن يخرج بكل هذا البهاء ، بكل هذه الهالة من الضوء ، وبهذه الموسوعة من الأسئلة نحو عالم آخر ، وإلى معترك يغص بأذكى مثقفي الأرض الساعيةُ دولُهم القويةُ أو الثرية لجعلهم في مواجهة (الصياد) المثقف الأعزل من أي دولة أو قوةٍ أو ثروة.
إتفق معي أحمد الصياد ذات يوم على أن باريس ربما تكون (مبتدأ) القول ، وأن بقية الدنيا (خبر ) .. تفاهمنا ، وتصادقنا ، وعندما التقينا ووضعت يدي في يده ، واخترنا أن نسير فوق هذا الجسر المشترك ، مضينا إلى غاية واحدة ، ولكن لم يسمح القدر لنا أن نصل إليها.
كان أحمد يسارياً واقعياً ، وكنت أنا تلميذه الليبرالي الأقرب إلى اليسار . ربما كانت هذه نقطة التماس الأكثر أهمية بيني وبينه لأكثر من ثلث قرن ، لكنه كان خلالها الأعمق تأثيراً عليَّ والأشد جذباً لي إليه.
كان دوماً يمسك بيدي للمضي معه في شوارع باريس دون هدىً ، وكنت أحاول يائساً مجاراته ، كان يسبقني بسنوات من الضوء ، لكنني كنت أعشق اللهاث بعده ، نحو ما يراه في الأفق من الأحلام وما لا يراه أحدٌ سواه!
عندما جاء إبن الصياد إلى باريس كان من البيَِن أنه بدأ أولى خطواته في مسار واضح المعالم تماماً ، خلاف ما كنا عليه نحن شباب الشرق الذين جئنا حينذاك ، نحمل رعونتنا ، نبحث عن الغوايات ، ونفتتن بالزوايا الغامضة في الحي اللاتيني ، ومونت برناس ، والطريق إلى قصر فرساي.
كلنا تقريباً أرهقه الترحال في أروقة الفردوس الثقافي الفرنسي إلا أحمد الصياد ، فقد إستهوته دهاليز المتاحف وردهات القصور الأثرية ، وتوقف طويلاً لقراءة اللوحات التي ربما أنفق من الوقت قدر أو بعضاً كثيراً مما أنفقه أصحابها عليها .
وحين التحق الصياد باليونسكو أدرك أنها جبهته الرئيسية المثلى لمكافحة التخلف إبتداءً من الجهل الأبجدي وليس انتهاءً بالأمية السياسية حول العالم ، إيمانًاً منه بأن البشرية عالمٌ واحدٌ يؤثر ويتأثر ببعضه.
لم يحدث أن تذمر أحمد الصياد يوماً من وضعه المعاشي ، وقلة ما بيده ، وضعف حيلته .. لم أكن أعلم أنه يستدين لإكرام ضيفه ، بل لم أكن أعلم أنه يفعل ذلك من أجل استمراره في أداء رسالته كمثقف نوعي في اليونسكو ، ولكن منذ عرفت ذلك وأخبرته به ، وعرضت عليه بتواضع السعي للتعاون في دعم تطلعاته حتى فرَّ كالزئبق من بين أصابعي.
فعل الصياد الأمر ذاته ليس فقط مع أشخاص مثلي مستعدين للتضحية من أجل ترسيخ مداميك مشروعه القيمي العالي بل مع دولٍ أدركت متأخرةً قيمته ، لكنه كان من ذلك النوع الذي لم يساوم طوال حياته على ضميره أو موقفه أو قلمه مقابل أي إغراء.
رفض أحمد صالح الصياد ذلك ليس لأنه كان في سنواته الأخيرة يرى الموت بل لأنه أدرك مبكراً أن ما بين الولادة والموت رحلةً قصيرة ، وأن ما يجعل للإنسان معنى ، هو أن يفعل لرحلته بينهما ما يسمح له أن يقول (كلمته) ليمضي مرتاحاً ومتخففاً من أي إثم .. ذلك ما فعله بإتقان شديد في اعتقادي.
بالتأكيد أن أحمد الصياد كان يتقدمنا بمسافة مقدرة ، موقفاً ومعرفةً وخُلقاً ونزاهة ، لكننا نحن من تأخر عنه ، ولهذا نشعر اليوم بفداحة فقده!
لإسمه المجد ، ولروحه الخلود.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: