ضرورة الفنون والآداب

 

ضرورة الفنون والآداب

(3)
(عن متاهات الصداقة)

ـ محمد مرشد محمد الكميم

تعرضت كثير من الفنون والآداب في مراحل مختلفة من التاريخ، وما زالت إلى اليوم، لحملات منع أو تحريم من قبل أنظمة دكتاتورية مختلفة يمينية كانت أم يسارية أم أصولية أم غيرها؛ ذاك لأن الفنون والآداب تعد حاجة إنسانية ضرورية للتعبير عن الذات وعن الجماعة، خاصة حينما يفقد الفرد أو الجماعة صورة ما من صور الحرية التي تنتهكها دوما سلطة اجتماعية أو سياسية أو دينية أو غيرها. ولأن السلط هذه تدرك ما للفنون والآداب من دور كبير في فضح قمعها وطغيانها وفي توعية الناس والتخفيف من معاناتهم بطرق غير مباشرة في الغالب، يصبح الفن والفنانون والأدب والأدباء خطرا على هذه السلط يجب منعه أو حظره أو تحريمه أو مراقبته أو الحد منه أو توجيه مساره وفق الغايات التي تريدها هذه السلط منه ومنها، ولكن السلط حين تفعل ذلك تحاول أن تتخفى وراء ذرائع أخلاقية أو دينية أو ثقافية أو أيديولوجية ما؛ لكي لا يصل إلى البسطاء والعامة السر الخفي الواقف وراء معاداة تلك السلط لها ولهم. وبما أن الفنون والآداب تحتفي بالحياة أكثر من احتفائها بالموت، فهذا يقلق السلط؛ لأنها ستطالب بما يحقق للأفراد والجماعات والشعوب حياة أفضل، وهذا الأمر سيجعل هذه السلط تخسر الكثير ممن تحتاج أن يموتوا في سبيلها وسبيل بقائها وبقاء مصالحها. من هذا المنطلق تجدها تعادي الفنون والآداب ومن يشتغل بهما على أساس أنها تفرغ طاقات الناس، والشباب على رأسهم، فيما يشعر بالحياة، ولكن الأجدى، من وجهة نظر تلك السلط، أن تفرغ هذه الطاقات فيما يؤدي إلى الموت من أجل حياتها. وبالرغم من محاولات السلط الدكتاتورية تطبيق المنع بالقوة أو بالحيلة التي بها يتم استلاب العقول بالذرائع، فإنها لم تستطع القضاء على ما يشكل خطرا عليها من الفنون والآداب مطلقا؛ لأن احتياج الإنسان الضروري لها، يجعلها تتخذ صورا وأشكالا وإبدالات تستطيع التهرب والتفلت من رقابة السلط وتحريماتها. هذا هو ما حاول “داي سيجي” وصفه في روايته: “بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة” التي ترجمت إلى العربية عدة ترجمات منها ترجمة الأديب اليمني “محمد أحمد عثمان” التي راجعها يمني آخر هو الأستاذ: “جساس أنعم”، وكأن المترجم كان يقرأ في صفحة غيب اليمن ما ستأتي به الأيام من سلط تستلب من الناس أدوات تعبيرهم وعلى رأسها الغناء الذي يتداول أنه تم منعه في الأعراس هذه الأيام. هذه الرواية صورت وضع الفنون والآداب في زمن الزعيم الصيني “ماو تسي تونغ” الذي أقام ما أسماه ب”الثورة الثقافية” ومنع بمبادئها وقيمها الصينيين من مشاهدة الأفلام والروايات الغربية تحت ذريعة أنها رفه لا قيمة له وأنها تعمل على تعطيل ثورته الثقافية التي يأتي العمل في الحقول الزراعية على رأس مبادئها، كما أنه كان يراها نتاجا للرأسمالية ومروجة لها. ولكن الرواية صورت، أيضا، ما في قرار السلطة من خطإ فادح في حق الإنسان كإنسان؛ إذ حاولت أن تثبت أن الحاجة لفنون الحكي وأشكاله المختلفة، جعلت الصينيين، بالرغم من الرقابة المشددة عليهم، يختلقون بدائل للحكي يستطيعون من خلالها سرد ما يريدون حكايته فيما بينهم دون أن يلتفت إليهم كلاب السلطة أو يتداولون في الخفاء روايات غربية كروايات “بلزاك” التي غيرت من رؤية من قرأها للعالم وأحدثت فيهم وفي الخياطة الصينية الصغيرة تغييرا في فهم ما هم عليه ورفضه، كما أثبتت أن الحكي ضرورة إنسانية يحتاجه الإنسان؛ لكي يأنس ويتأنسن كما يحتاج للعمل الذي لم ير “ماو” سواه ضرورة للإنسان؛ لكي يعيش ويحيا. لعل فيما تقدم صورة مصغرة تكشف عما تفعله السلط بحاجات الإنسان التي تبدو له ثانوية وغير ضرورية، بل محظورة أو محرمة، ولكنها في الحقيقة ضرورية ومهمة جدا جدا في إنقاذ وجوده الفردي والإنساني من براثن من يعمل على إلغائهما وإهدارهما. ملاحظة: عهدي بالرواية قديم؛ لذا أرجو ألا يؤاخذني القارئ على ما قد أقع فيه من أخطاء في بعض التفاصيل التي أشرت إليها، ولكن المهم أن يركز على الرؤية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: