المناضل عبده علي عثمان  – ترجل في زحمة الصراعات التي جعلته أستاذاً وكان يخشى تحول مظاهرها بما يفقد الطبقة الوسطى بوصلتها والغدر بالثورة  

 

ـ كتب: أحمد محمد الحربي ـ خاص منتدى الحداثة والتنوير الثقافي

ماذا يمكن لرفاق المناضل، الأستاذ الدكتور/ عبده علي عثان أحد طلائع النضال القومي المشغوف بحب الوطن أن يقولون عن نضاله الطويل وكفاحه المتواصل من أجل يمن متحرر يساهم في تحرير الإنسان العربي – ويحقق رسالته الخالدة؟

لا شك أن رفاق الأستاذ الدكتور عبده علي عثمان سيقولون الكثير عن حياته وما ربطتْ كلا منهم به من أفكار وقيم ، وأحداث نضالية شكلت أهم عناصر التاريخ الحديث للنضال الشعبي اليمني، سيقلون عن المناضل الراحل كان من طلائع النخبة القومية التي حملت راية النضال القومي العربي – لتحرير شعوب الأمة العربية من الاستعمار بشكليه القديم والجديد، وإنه من المناضلين الذي لم تتعبهم قساوة الأحداث وشدتها في مراحل الصراع التي تعددت مظاهرها، العرضية منها والموضوعية، فقد كان الرجل متميزاً بنضاله. وهو يشارك رفاقه، دروب النضال المتجاوز للغربة والاغتراب. مناضلا في الحركة العمالية التي حصلت في عهده كرئيس لمصلحة الشؤون الاجتماعية والعمل، على أول قانون ينظم العلاقة بين النواة الأولى للطبقة العاملة وأصحاب العمل وهو القانون الذي اعترف بحقوق العمال، عبر نقاباتهم ومنح النقابات أسلحة متعددة، تواجه بها كل من يحاول قهر العمال والاستحواذ على فائض قيمة على فائض قيمة عملهم وإن كان قانون العمل في حين صدوره لم يكن بالكافي لإشباع جوع العمال ـ لكنه كان البداية لتنظيم غير رسمي في السياسات العامة للإدارة ـ الإدارة العامة وإدارة الأعمال، وكان له من المعارضين ما دفع به  إلى خارج الإدارة العامة للدولة بدون وظيفة، لم ينهار الرجل فيتحول من مناضل يعرف ماذا يريد لأبناء وطنه إلى مستجدي وظيفة من الدولة منزوع منه صفة المناضل بلى قرار في جهاز إداري كانت حاجته الماسة إلى رجال يتميزون بأنهم صناع قرارات. عمل سائقاً لسيارة نقل الركاب تاكسي ووضع أمام الركاب صحيفة تعريفية لهم من يكون هذا السائق من بينها مؤهله الدراسي خريج جامعة، وعين رئيسا لمصلحة الشؤون الاجتماعية بدرجة وكيل وزارة، صعد إلى تاكسي عبده عثمان أحد المواطنين لينقله إلى حيثما يريد، كان هذا الراكب من العاملين في جهاز المخابرات لفتت انتباه اللوحة التعريفية بالسائق، شغف الرجل بالموضع واعتبره تقريرا سيكون عوائده المالية من الجهاز الذي يعمل به مجزية، بكونه اكتشف طريقة جديدة يستخدمها أحد المناضلين الحزبيين لنشر ثقافة العداء للدولة، ففي تلك الفترة كان المخبرين الأمنيين يتقاضون حوافز مالية عن تقاريرهم التي يرفعونها لأجهزتهم عن نشاط الحزبيين، فأخذ من صحيفة عثمان التعريفية موضوعا لتقريره يكشف به أسلوبا جديدا للتحريض على الدولة، يقوم به الحزبيون. فتناولت دوائر الاستخبارات التقرير باهتمام كوظيفتها المستمرة، مضيفة إليه ما أرادت إضافته من اظهار المخاطر هكذا أسلوب ليصل الأمر إلى رئيس مجلس الرئاسة القاضي عبدالرحمن الارياني الذي كان على علم بحجم التواجد الحزبي المتعدد في الجهاز الإداري فتجاوز اجتهادات دوائر الاستخبارات المتعددة وطلب عبده علي عثمان والبحث له عن عمل أو منحة دراسية عليا في أي بلد.

كانت سنوات عهد القاضي الإرياني في الحكم من أخصب سنوات النضال الشعبي التقدمي/ الذي عرفته اليمن حرب السبعين يوما حصار السبعين يوما للعاصمة، وانتصار النظام الجمهوري بقلة امكانياته على العدوان السعودي وحلفائه على النظام الجمهوري، وكانت المقاومة الشعبية الخلفية الحامية لجيش النظام الجمهوري وما قدمته كتائب هذه المقاومة من جهد وعطاء في الدفاع عن النظام الجمهوري. فأحداث أغسطس1968م الدامية بمناسبة مرور الذكرى الثالثة لاتفاقية جدة الموقعة بين الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل في أغسطس 21-25 1965م، والتي أرادت السعودية إعادة اعتبارها بما لحقها من هزائم في حرب السبعين يوما وتسجيل أولى انتصاراتها في اليمن بإخراج ثورا 26 سبتمبر 1962م من اليمن والقوات المصرية وإقامة نظام الدولة الإسلامية، وتحت لافتة الصراع الطائفي تمكن من اضعاف الصف الجمهوري والوصل إلى اتفاقية المصالحة عام 1970م، وما تلى تلك الفترة من صراعات يمنية يمنية لم تتمكن معها السعودية من تحقيق أية أهداف لسياساتها على الأرض اليمني التي انتقلت من حرب 1972م بين الشمال والجنوب إلى العمل لتحقيق اتفاقية القاهرة للوحدة اليمنية وماذا كان يعني النضال اليمني من تحقيق للوحدة اليمنية في مواجهة الاطماع الاستعمارية وأنظمة الحكم الوراثية التي تقودها السعودية بحماية الولايات المتحدة الامريكية في اليمن في جبهة النضال التحريري الوطني واستغلالية القرار السياسي الاقتصادي لليمن. بدأت عملية الفرز النضالي بين قوى التحرير والتقدم الاقتصادي والاجتماعي من جهة وقوى الثورة المضادة والتبعية من جهة أخرى.

فكانت التنظيمات السياسية في اليمن التي تشكلت كفروع لأحزاب القومية في اليمن، والتي شاركت بفاعلية مع القوى الثورة لتغيير حكم بيت حميد الدين على أرضية المنافسة الواضحة مع قوى الاستعمار والأنظمة الوراثية التي تسابقت فيما بينها وفيما بينها وبين قوى التحرير والتقدم لتغيير نظام الحكم في اليمن، وكان السبق لقوى التغيير والتقدم وقيام نظام الحكم الجمهوري سبتمبر عام 1962م الذي فتح بابا واسعاً لثورة التحير والتقدم ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب وقيام ثورة 14 أكتوبر 1963م المسلحة بقيادة الجبة القومية  لتحير جنوب اليمن المحتل.

في اطار الجبة النضالية لقوى التحرير جنوبا ولقوى التغيير والتقدم شمالاً، والتي شهدت كل منها عمليات استقطاب وإسناد في مواجهة قوى الثورة المضادة التي أبرزت ملامح المواجهة الكبرى على الصعيد الداخلي في اليمن، والاقليمي والعالمي، وكادت قوى الثورة المضادة في تحالفاتها الواسعة على كل الأصعدة وقيام حكومة مؤتمر خمر عام 1965م أن تكسب الموقف لولا أن قوى التحرير والتغيير شمالًا وجنوبا في نضالاتها  الثورية التي لعبت فيها طلائع النضال السياسي للأحزاب ودورها في قيادة حركة النضال الشعبي الذي أسقط أهداف الثورة المضادة وقادت ثورة التحرير إلى النصر في 30 نوفمبر 1967م.

لم يكن المناضل عبده علي عثمان خارج دائرة الصراع بانتصاراته واحباطاته والتي بدأت أكثر وضوحاً وتكتلاً في عام 1967م على أثر هزيمة 5 يونيو العربية أمام إسرائيل وحلفائها، حيث كشفت تلك الهزيمة الكثير من عيوب حركة النضال القومي وتأثيراتها على فروع تنظيماتها في البلدان العربية ومثلت انتقالاً نوعيا في فكرة النضال القومي وأولوياته وفي إطاره بدأت طلائع فروع الأحزاب القومية في الوطن العربي تعيد النظر في معتقداتها الفكرية وأساليب نضالاتها التنظيمية وتحديد أولويات نضالاتها.

وعلى مدى عام كامل بدأ بانقلاب قادة الفريق حسن العمري ـ رئيس حكومة صنعاء والقائد العام للقوات المسلحة في تاريخ 20 مارس1968م ضد المقاومة الشعبية بإلغاء كياناتها المستقلة ونشاطها ودك مقراتها واعتقال قياداتها في مدينة الحديدة تبعه ، وفي اليوم التالي 21 مارس 1968م انقلاب قيادة الجيش والأمن الاتحادي في عدن على سلطة الجبهة القومية في عدن بتدبير من الحكومة البريطانية والإدارة الامريكية اللتين أدارت عملية الانقلاب وقامت بعمليات اعتقالات للجناح اليساري لتنظيم الجبة القومية الذي رفض مشروع رئاسة الجمهورية في مؤتمر زنجبار مقدما مشروع تغيير ينحاز إلى جماهير الشعب في الإصلاح السياسي والاقتصادي ورفضه رئاسة الجمهورية ليشهد تنظيم الجبهة القومية أول انشقاق في صفوفه معبرا عنه باليمين واليسار، وحقيقة الأمر خلاف بين قيادة الداخل للثورة المسلحة وقيادة الخارج للثورة فكان لهذه الانقلابات تداعيات خطيرة على مسيرة الثورة والنضال السياسي والاقتصادي للشعب اليمني دفعت خطورتها الواضحة بقيادات التنظيمات السياسية المكونة في اليمن على أساس قومي وبالذات حركة القوميين العرب التي كانت الجبهة القومية واجهته الرئيسة ودفعت به الأحداث إلى إعلان تجميد علاقته التنظيمية بالحركة مركزيا في بيروت عام 1965م على إثر إعلان القيادة المركزية عام 1965م بأن حركة القوميين الرعب يشكل أحد روافد الحركة الناصرية، وهو موقف أتاح لأجهزة الاستخبارات المصرية العاملة في اليمن بحماية القوات المصرية التدخل في شؤون الثورة المسلحة بقيادة الجبهة القومية وفرض الوصاية على خطها النضالي والسياسي لإفراغها من محتواها، ليدخل تنظيم حركة القوميين العرب فرع اليمن في صراع مكشوف مع الجانب المصري الموجود في اليمن لمساندة الثورة والنظام الجمهوري، ومنذ تجميد تنظيم الحركة فرع اليمن علاقاته التنظيمية بالقيادة المركزية في بيروت تمكن من الاسهام في استعادة الثورة المسلحة لقرار ها المستقبل عن بيمنة المخابرات المصرية وصولاً إلى تحقيق الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م وانخراطه بكامل قواه في جبهة الدفاع عن النظام الجمهوري مع القوى الوطنية لمواجهة الحصار الذي ضربته القوات السعودية وحلفائها على العاصمة صنعاء لأسقاط النظام الجمهوري وإقامة الدولة الإسلامية وهو الحصار الذي فرضته السعودية وحلفائها على العاصمة صنعاء بعد خروج القوات المصرية في 30 نوفمبر 1967م من اليمن دام سبعين يوماً كسرته قوات الثورة والجمهورية من سلاح الصاعقة والمظلات والمشاة والمدرعات والشرطة العسكرية وقوات الأمن وكتائب المقاومة والطلاب والفلاحين والمثقفين الثوريين في 11 فبراير 1968م.

كانت انقلابات 20 و 21 مارس 1968م على انتصارات ثورتي التحرير الوطني جنوبا والتغيير شمالاً بمثابة انقلابات موجهة لتنظيم حركة القوميين العرب فرع اليمن وإلغاء مشروعه الثوري التقدمي الذي لم ينتكس طوال سبع سنوات من النضال وكن على قيادة هذا التنظيم الوقوف بجدية امام مستجدات الاحداث السياسية وإعادة النظر في خطها النضالي والسياسي بما يقلب التوازن المختل لصالح قوى الثورة، وذلك بالدعوة الصريحة والمفتوحة لوحدة قوى الثورة اليمنية لمواجهة قوى الثورة المضادة.

أوكلت مهمة استراتيجية قلب التوازن المختل لصالح قوى الثورة اليمنية لا ضدها إلى المناضل عبدالقادر سعيد أحمد طاهر الشخصية الوطنية التي تجاوزت في تفكيرها الواعي كل أسباب الإعاقة لتوحيد حركة النضال الثوري وقواه في مشروع جامع لا يستثني أي فصيل وطني يناضل من أجل حرية اليمن وسيادته واستقلاله.

باشر الرجل مهامه باقتدار وأزاح ستار العزلة بين قيادات مكونات التنظيمات السياسية ولم يجد في مهمته ما يعيق أهدافه إلا ما يقوم به الحبل السري من أدوار بين مكونات التنظيمات السياسية و مناضليها في الوطن وما يربط بعض قياداته مع القيادات المركزية لها في كل من العراق، وسوريا، ومصر مع عدم القبول بقراراتها المتخذة في الشأن اليمني في اوساط قياداتها، وما بقي أن قيادات ووسط التنظيمات السياسية المتواجهة على التراب الوطني عليها أن تغادر مواقع المواجهة فيما بينها، والعمل على تحقيق وحدتها النضالية لمواجهة قوى الثورة المضادة التي وجدتْ في خلافاتها العرضية أرضية صالحة لتحركها.

كان المناضل اليساري عمر الجاوي المتحرك في كل الاتجاهات والذي استطاع أن يفتح نافذة مقبولة في تنظيمات حزب البعث يخرج بحصيلة إيجابية منها بانضمام سيف أحمد حيدر، و عبدالحافظ هزاع، و عبدالله العلفي مشكلين حالة نهوض لواقع سياسي تحاصره الأعداء من كل جانب، يجب أن لا يحقق أهدافه. من أوائل المتحمسين لما يحمله عبدالقادر سعيد إليهم من فكرة، ولم يكن فيلسوف اليمن اليساري الكبير أبو بكر السقاف خارج دائرة الاهتمام لما يجري على الأرض اليمني، فكان العقل المنير الذي التقت المبادرة فكرة وعقيدة ومنهج عمل إلى حد القيام بتحليل ما طرح وما جرى وكلف من المتحاورين بوضع رؤية تحليلية علمية للواقع ومراكز القوة والضعف لقواه الحية، وتحرير أولويات المواجهة. قام بنشرها فيما بعد في كتاب باسم مستعار ( النظام الجمهوري والسلطة القبلية).

أعاد نشر الكتاب باسمه عام 2020 م المناضل أمين أحمد قاسم بموافقته، وكان الأديب المميز زين السقاف أستاذ طلائع اليسار في حزب البعث العربي الاشتراكي  قطر اليمن السند القوي لفكرة المبادرة مع الأخذ في الاعتبار ظهور حالات من الممانعة، ليس لأسباب موضوعية وإنما عرضية في طريقها إلى الزوال.

أكدت مباردة المناضل عبدالقادر سعيد، ومن ساندها من طلائع النخب السياسية على جملة من الحقائق الواجب استيعابها لانضاج الشروط الموضوعية المحقق لها ومنها على جميع التنظيمات الحزبية أن تعالج أوضاع بنيتها الفكرية والتنظيمية الداخلية لها وتحديد موقفها السياسي من المؤثرات الخارجية، وإعلان هويتها الوطنية، وانتماءها السياسي وايديولوجيتها العلمية بما لا يخل بانتمائها الإنساني. ويترك أمرا كهذا لكل تنظيم، وإعلانه في الوقت الذي يراه مناسبا وليبدأ تنظيم حركة القوميين العرب إعلان موقفه وخطه النضالي والسياسي،  مادام وهو يعد نفسه لعقد مؤتمره العام لإعلان ذلك.

أين كان المناضل عبده عثمان، وما موقفه مما كان يعتمل سياسياً على مستوى الأحزاب وأنظمة الحكم؟.. كان المناضل عبده عثمان يخوض تجربة نضالية هي من منظور قادات التنظيمات الحزبية أهم قضية سياسية في واقع الصراع السياسي اليمني إذا أمكن حسمها داخل فرع حزب البعث العربي الاشتراكي قطر اليمن ستساعد بقية الفروع الحزبية الأخرى على التحرر من قيودها.

أظهرت وقائع الأحداث أن عبده علي عثمان كان في الطليعة مع كوكبة من رفاقه يناضلون  بجدية وجسارة للخروج من الحلقة المفرغة والانصهار بقوى الثورة التحررية التقدمية .

عبده علي عثمان كان مع رفاق له في المسعى الكبير للمشروع الثوري التقدمي الذي تنتظره اليمن، وأهمهم عبدالرحمن عبدالحميد (أبو عوف)، عبدالجليل سلمان، عبدالله الواسعي، ويحيى الشامي، وسلطان أمين، واخرين، ثم يصعد عبده علي عثمان، وعبدالله الواسعي، واخرين إلى مركز قيادة حزب البعث قطر اليمن لتصبح أغلبية قيادة الحزب  ومركز بنائه الوسطى مع عملية التحول إلى حزب يمني في الشمال والجنوب، وقد كان بغض النظر عن الدور الذي لعبته سلطة الجبهة القومية بعد القضاء على انقلاب قيادة الجيش والأمن على سلطة الجبهة القومية، إلا أن عودة سلطة الجبهة القومية إلى الحكم في اليمن الجنوبية الشعبية ورفض قيادة السلطة قبول الجناح اليساري ومشاركة في الحكم عقد المشهد السياسي اليمني برمته وساعد المملكة السعودية على تنفيذ مخططاتها للهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي للجمهورية العربية اليمنية، ووضع جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية أمام تهديد حقيقي لوجودها المستقل، الأمر الذي جعل قيادة تنظيم حركة القوميين العرب فرع اليمن شمالاً يعد العدة لعقد مؤتمره العام الذي أقر قطيعة التنظيمية والسياسية والفكرية مع القيادة المركزية للحركة، وبتبني قضية الانشقاق الذي شهدته الجبهة القومية وسعيه النضالي لتجاوز حالة الانشقاق تلك، إلا أن قيادة سلطة الجبهة القومية رغم الارتياح الكامل الذي لاقته مبادرة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في أوساط الجبهة القومية، وكل التنظيمات السياسية اليمنية، إلا أن ذلك الترحيب اعتبرته سلطة حكومة الجبهة القومية اعتداءً لسياستها قرارها، وكان لهكذا موقف تداعيات خطيرة على قوى الثورة اليمنية كلها، فسلطة صنعاء التي رحبت بموقف سلطة عدن ساعدت السعودية على شن حرب على جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عام 1969م فاحتلت الشرورة والوديعة وضمتها لنفسها، ودفعت بسلطة صنعاء لفتح الطريق أمام المناهضين لحكومة عدن وتصعيد عمليات التخريب في عمق أراضيها، وإعلان عداء سلطة صنعاء لسلطة عدن واعتبرت الجبهة القومية عدوة عقدت صفقة مع بريطانيا لتسليمها الحكم وهو ما لا تعترف به صنعاء.

التي تتجه نحو الحكم الديمقراطي وإقامة مجلس يمثل الشعب اليمني حددت فيه 45 مقعد لتمثيل الجنوب بدلاً عن الاعتراف بحكومة الجبهة القومية، وشجعت رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الإرياني الشخصية المتوازنة يعلن في خطاب افتتاح المجلس الوطني يتهم حكومة الجنوب الجبهة القومية والأحزاب السياسية قائلا: إن الحزبية خطر تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة. وأطلقت أجهزة الاستخبارات بعدها المضايقة العمل السياسي والجماهيري وتجفيف منابع تأثير النضال الشعبي لتستقبل عدن المئات من مناضلي الأحزاب والتنظيمات السياسية الذين تم توجيه بعضهم لمواجهة جماعات التخريب السعودية.

كان الأمر مقلقا إلى أبعد مدى لقيادة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، والتي يجب عليها القيام بمسؤولية عالية من شأنها اقناع سلطة الجبهة القومية بأن من مسؤولية الحزب ومناضليه كما هي مسئولية قوى الثورة اليمنية في الشمال حماية النظام الديمقراطي التقدمي للجبهة القومية، وليست مسؤوليتها وحدها هذه الحماية وعلى سلطة الجبهة القومية أن تقبل بمعالجة حالة الانقسام لصفوفها على قاعدة الحوار الصريح والمفتوح ورأب الصدع الذي حدث .

عقدت الأمانة العامة للجنة المركزية للحزب الديمقراطي الثوري اليمني اجتماعا لها في أكتوبر 1968م، تناولت فيه كافة الأوضاع السياسية والتنظيمية والفكرية للحزب وعلاقات الحزب بالجبهة القومية صاحبة السلطة، وأوضاع الرفاق في كلى التنظيمين ومسؤولية حكومة عدن تجاه الجميع من الرفاق يسار الجبهة القومية، الذين أخذوا من الجبال مواقع لهم ورفاق الحزب الفارين من الشمال إلى عدن ومخاطر استمرار هذه الأحوال على الحزب والجبهة القومية ـ واقتراح معالجات للموقف، بما في ذلك أن على الجبهة القومية السماح بفتح مكتب القيادة اتحاد عمال اليمن للعلاقات الخارجية، وكذا مكتب للتواصل  الخارجي لاتحاد طلاب اليمن، وغيرها من المسائل التي أقر بشأنها كتابة رسالة للمناضل فيصل عبداللطيف رئيس الوزراء ووزير الخارجية والمسؤول التنظيمي للجبهة القومية أعد الرسالة المناضل عبدالقادر سعيد، وحملتها بنفسي إلى المناضل فيصل مع رسالة أخرى بالسماح لي بالتواصل بالرفاق في عدن والتعرف على أحوالهم، واعتباري ممثلاً للحزب لدى الجبهة القومية قطعاً لادعاءات أخرى. حملت الرسالة إلى عدن وحدد فيصل عبداللطيف الذي رحب بمبادرة الحزب مؤكداً أنه كان ينتظر من عبدالقادر سعيد والرفاق مثل هذه الخطوة عدد من القضايا التي يراها هامة، وأكدت عليها الرسالة، وفي اجتماعات عدة بوزارة الخارجية تم تبادل وجهات النضر وجاء موعد العودة والرد على موضوعات الرسالة، وتفهم الرفاق لوجهة  نظر الحزب التي لا يمثل تكوينه بديلاً عن الجبهة القومية، كون الحزب والجبهة أبناء تنظيم واحد، سائلين الرفيق فيصل هل لدى الحزب موقف جاد للدفاع عن النظام التقدمي، وهو يملك من القدرات ما يحقق القيام به، فأجبت تفصيلا بموقف الحزب مع الأحزاب الأخرى ، والتي تتشكل مسؤولية الجميع في حماية النظام، بادلني بالقول بصراحة لدينا مشروع على الحزب دراسته والرد علينا، فقلت ماذا؟ قال لن ننتظر رد الحزب على مشروعنا الذي يقوم بعد تواصلنا مع المشير السلال، وقادة سبتمبر المتواجدين في القاهرة ، توصلنا إلى العمل على إقامة جبهة وطنية عريضة نناضل لإسقاط نظام صنعاء، يقوم هذا المشروع على خطة الإعلان قيام الجبهة وتهيئة الظروف العامة لقيادة المشير السلال لعمل عسكري يبدأ من محافظة البيضاء، حيث يكون الشيخ أحمد عبدربه العواضي على رأس قوات تزحف باتجاه صنعاء وإعادة المشير السلال، وموافقين على ذلك واتفقنا على استقبال وفد يمثلهم هنا للتشاور حول تفاصيل ذلك عرضنا الموضوع هنا على الأخوة عبدالله صالح عبده مساوى أحمد، وأيدوها بحماس كبير..

هذا العمل سري، ويجب القيام به، بصورة خاطفة لا تحتاج لرسالة، لذلك قدك أنت الرسالة…

نقلت الرسالة إلى المناضل عبد القادر سعيد مع تفاصيل ما دار، فاستدعينا الأمانة العامة للجنة المركزية، إلى اجتماع في شهر نوفمبر 1968م، وعم الاجتماع ارتياح كبير، لتفهم اللجنة التنفيذية للجبهة القومية موقف الحزب الديمقراطي – وعن المشروع الخاص خارج الرسالة – اعتبره البعض مغامرة كبيرة غير محسوبة النتائج – يجب عدم الخوض فيه، ولم يرَ المناضل عبد القادر سعيد ذلك مغامرة يجب عدم الخوض فيها بل رحب بها- وعدد أسباب الاهتمام بها من ثلاثة جوانب – الأول صرف نظر السلطة في عدن – عن الرفاق المتواجدين في عدن وزج بهم في معارك هي المغامرة التي يجب عدم الوقوع بها، ثانيا: إشراك كافة القوى السياسية والاجتماعية في التحضير والإعداد لهذا العمل حتى ولو لم يتم – يمثل خطوة هامة في جمع جميع الأطراف السياسية في الشمال في دائرة حوار، يخفف من سياسات استهتار النظام بالقوى السياسية ومراجعة حساباته، ثالثاً: يشجع هذا المشروع، وجهة نظر الحزب في رأب الصدع لتنظيم الجبهة القومية والعمل لتقريب وجهات النظر بين الرفاق جميعاً، والشرط الذي طرحه الرفيق فيصل الخاص بقبول الرفيق عبد الفتاح، و رفض ما جاء في كتاب نائف حواتمة واستعداده لتكوين لجنة لتقييم تجربة ثورة 14 أكتوبر من الجانبين لا يعقد المشكلة، وإنما يفتح باباً واسعاً للمراجعة النقدية العلمية، وتصحيح المسار.

انتهى الاجتماع بعد ثلاثة أيام من اللقاءات المكثفة بالنقاش ووجهات النظر باتفاق كامل:

  • الانخراط في التحضير والإعداد لتكوين الجبهة الوطنية الشعبية الواسعة ويتولى الرفاق القيادات العمالية والطلابية والعسكرية والحزبية المدنية مسؤولية هذا العمل الذي لا يخرج عن الهدف الاستراتيجي النضالي للحزب ممارسة كافة أشكال النضال السياسي المشروع، للجبهة الوطنية الشعبية وعلى جميع قيادات قطاعات العمل الحزبي المتواجدة في عدن الالتزام بخط الحزب والعودة إليه في كل نشاطاتهم مع مختلف القوى – عبر الرفيق أحمد الحربي.
  • تتولى الأمانة العامة مهمة التواصل المكثف مع الرفاق الموقعين على بيان الجبهة القومية وتحقيق إجماع لديهم بالقبول بجمع الطرفين، ويمثلهم لدى جانب السلطة الرفيق عبد الفتاح إسماعيل، ويتولى قيادة هذا العمل وتفعيل خطواته الرفيق عبد القادر سعيد.
  • تطمين الرفاق في الجبهة القومية بأن أعضاء الحزب في عدن لن يمارسوا أي عمل تنظيمي مضاد لهم وإنما يحصر نشاطهم فيما بينهم ومع ممثلي القوى السياسية في عدن من الشمال، واستدعى الرفيق سلطان أحمد عمر من بيروت إلى عدن للمشاركة في أعمال تكوين الجبهة الوطنية الواسعة.

انغمس الجميع في تحقيق هذه المهام وأولها إعادة الثقة بين قيادتي الجبهة القومية والحزب الديمقراطي الثوري اليمني التي شكلت ركائز العمل من أجل رأب الصدع في الجبهة القومية وتشكيل لجنة مشتركة مكونة من فيصل عبد اللطيف – عبد الفتاح إسماعيل – عبد الله عبد العليم – لوضع دراسة تقييمية لتجربة ثورة 14 أكتوبر 1963م ومنها دحض ما جاء في كتاب نائف حواتمة، واعتباره رأيه الخاص لا علاقة له بالجبهة القومية، مثل ذلك انطلاقة نحو القوى السياسية الأخرى في الجنوب، ماكنوا يسمون بجماعات عبد الله باذيب (جماعة أنيس حسن يحيى)، وما تم الاتفاق معهم من علاقات نضالية مشتركة كانت هي مقدمات حركة 22 يونيه التصحيحية 1969م، وفي الجانب الآخر شكل العمل المشترك بين قيادتي الجبهة القومية والحزب الديمقراطي الثوري اليمني دافعاً قوياً لجميع أطراف القوى اليمنية بتحديد خريطة لمختلف القوى السياسية التي من مصلحتها إقامة الجبهة الوطنية الشعبية الواسعة، وصولاً إلى المشروع السري الذي تتبناه عدن، ولم يفصح عنه وفي تحديد خارطة القوى السياسية والثورية لإقامة الجبهة الوطنية، استبعد حزب البعث العربي الاشتراكي من قوائم هذه الجبهة مع الإقرار بمشاركته إذا ما أدان مشاركته في انقلاب خمسة نوفمبر 1967م.

في استراحة الحكومة بمنطقة مكيراس، تجمع ممثلي القوى السياسية والحزبية والجماهيرية، والعسكرية والمقاومة الشعبية يعدون عمليات التحضير المطلوبة، لإقامة الجبهة الوطنية الواسعة وإعلان قواها، وبرنامجها السياسي، وخطها النضالي، وكان من الحضور علي عبد الله السلال، يمثل والده المشير السلال وجماعته والدكتور محمد علي الشهاري، يمثل الدكتور عبد الغني علي  أحمد وجماعته.

على مدى تزيد أيامه عن 25 يوماً وممثلين لمختلف القوى السياسية والوطنية الثورية، يزيد عددهم عن خمسين شخصية سياسية وعسكرية وعمالية، ومقاومة شعبية، وتجار، ومشايخ، توزعوا إلى لجان عمل لإعداد الوثائق ومناقشتها، في اجتماعات عامة في اليوم ثلاث اجتماعات صباحية، وبعد الظهر، وفي المساء، لا يغادر أحدهم منطقة العمل، كانت الحوارات والدراسات والاتصالات بمن وقع عليهم الاختيار من ممثلي الفئات داخل المحافظات الشمالية، تجري بفاعلية عالية، ونتائج فوق المتوقع وتم إقرار كل ما يتعلق بمهام العمل الذي أعدته، ولم يبق سوى بيان الإشهار، الذي قطع الإعلان عنه بيان حركة 22 يونيه التصحيحية، التي لم تكن متوقعة الحدوث من جميع الحضور وكانت مفاجئة للجميع وبين مرحب، ومتخوف… وكان أكثر الحضور قلقاً ليس يوم إعلان الحركة التصحيحية وحده، وإنما لأيام سابقة، إذ كانوا يرون أن مهمتهم وصلت نهايتها، ويستعجلون إعلان ما تم التوصل إليه، ولكنهم يجدون من يفتح قضايا لا يساعد على الحسم، ويتساءلون ما الذي تبقى بعد؟ ولم يجدوا جواباً يوم الإعلان عن حركة 22 يونيه كان ثلاثتهم أكثر بروزاً يتسألون ولم يجدوا جواباً، فجلست مع كل منهم على انفراد وقلت ما الذي يقلقكم ؟ فقالوا: أليس هذا ما يقلق؟ قلت لا تخشون شيئاً، نعمل على رفع الاجتماع، ونحدد لجنة للتواصل مع الوضع الجديد، ونتعرف على الموقف وأنا على استعداد إيصالكم بالذات الدكتور محمد علي الشهاري إلى الرفاق وعبد الفتاح بالذات، ولا يكون إلا كل الخير… وحصل ذلك.

فتحت حركة 22 يونيه 1969م التصحيحية أفقاً جديداً لحركة النضال التحريري التقدمي ليس على المستوى اليمني بل وما هو أوسع من ذلك، ودعت قيادة 22 يونيه 1969م ممثلي الأحزاب اليمنية المتواجدين في عدن، وكان أول لقاء رأسه رئيس مجلس الرئاسة والأمين العام المساعد للجبهة القومية سالم ربيع علي لعقد اجتماع في منزل النقيب محمد عبده ناشر في كريتر عدن، حضره عدد غير قليل من ممثلي الأحزاب شمالاً وجنوباً، بما فيهم ممثلي حزب البعث العربي الاشتراكي الذين ظهروا غير ممثلين لحزب البعث، إلا عبد الرحمن مهيوب، أما يحيى الشامي، وأنيس حسن يحيى، فقد كانوا يمثلون حزب الطليعة الشعبية، كحزب يمني – ماركسي، كما كان عبد الله صالح عبده، ومساوى أحمد، يعتبرون أنفسهم ممثلين عن حزب اتحاد القوى الشعبية فرع الشمال، تناول الجميع أوضاع اليمن السياسية وما يحاط باليمن من مؤامرات وما يجب تصحيحه في مسار الثورة أمام تحقيق مهمة وحدة أداة الثورة اليمنية، وإعداد برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية والذي أصبح بمثابة استراتيجية نضالية للتنظيم السياسي – الجبهة القومية.

حالة الانتعاش الثوري الذي أحدثته حركة 22 يونيه 1969م التصحيحية أزعج مختلف الدوائر لقوى الثورة المضادة، التي بدأت تضيق ذرعاً بما أصبح لعدن من دور نضالي، غير محدود، وحولها إلى كوبا، في المنطقة العربية يجب عدم السماح لها بالقيام بذلك، وكان على التنظيم السياسي للجبهة القومية أن يرتقي بأشكال نضالات الثورة الوطنية الديمقراطية، وإنضاج شروطها السياسية والفكرية والتنظيمية، وإحداث نهوض تعليمي له من القدرة على مواجهة تحديات الثورة الوطنية الديمقراطية.

كان المناضل عبده علي عثمان، واحداً من عشرات ومئات المناضلين، الذين تقع عليهم مهمات الارتقاء بأشكال وأساليب النضال الأكثر وعياً، لمواجهة تحديات الثورة الوطنية الديمقراطية، وأن يكون هؤلاء في المقدمة من الجميع، الأكثر علماً ومعرفة، وكفاءة واقتداراً، ذهب للارتقاء بعلمه ومعرفته وعاد ليكون من أوائل المنخرطين في جامعة صنعاء، علم الاجتماع وهو المكان والموقع الذي عشقه وانتمى إليه، مدرساً وعالماً وباحثاً في شتى فروع علم الاجتماع السياسي، والاقتصادي ومؤسساً لقسم علوم الاجتماع في جامعة صنعاء.

كانت جامعة صنعاء في طور البناء كما كان المعهد القومي للعلوم الإدارية هو الآخر، كان عبده علي عثمان، لا يكتفي مع رفيقه محمد عبد الله العمراني، بما يقومون به من أدوار لتثبيت علم الاجتماع في جامعة صنعاء، كأحد العلوم الأساسية التي يعول عليها أن تحدث التغييرات، في إطار من المعرفة والوعي، وهناك من يحاول أن يلغي من مقررات التعليم في المدارس والجامعات – علم الاجتماع- كان عبده علي عثمان الأستاذ والدكتور في جامعة صنعاء، لا يكتفي بما يقوم به من دور من خلال موقعه في الجامعة، بل كثير الحركة والحضور في مواقع أخرى لتدعيم دوره ورسالته، كان دائم الحضور، إلى وزارة التخطيط والتنمية، ويعرف ما يقوم به كادر الوزارة من دور في تحديث اليمن، كما كان دائم الحضور إلى المعهد القومي للعلوم الإدارية، كثير التواصل مع قيادة المعهد وكادره التعليمي،- أمثال- الأستاذ محمد أنعم غالب عميد المعهد القومي، وأحد علما الاجتماع الأكثر حيوية وعطاء في علم الاجتماع وفروعه، والأستاذ الراحل عبد الرحمن عبد الحميد “أبو عوف” كنتُ أسمع لما يقوله، أثناء زيارته المتكررة للمعهد القومي للعلوم الإدارية، الذي تشرفت بالالتحاق بقوامه الوظيفي عام 1976م وأحاول أن أفتح معه حواراً حول القضايا التي كان يطرحها وتشكل محوراً أساسياً في اهتمامي، الثقافي، ونشاطه، حتى جمعتني به أعمال مشتركة في دراسة وتقييم أهم تجربة عمل تعاوني في بلادنا، وهي تجربة هيئات التعاون الأهلي للتطوير، التي شكلت ظاهرة حيوية، في مجال التنمية المحلية ومحاربة التخلف، والتي أعدها البعض ثالث ظاهرة عمل ثوري تعيشه اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، والدفاع عن النظام الجمهوري.

كانت أهم مشاركتي معه في أعمال الدراسة والبحث والتقويم، هي تقييم التجربة التعاونية في الخطة الخمسية الأولى للتنمية 1975-1980م ومكانة الحركة التعاونية في الخطة الخمسية الثانية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، إلا أن أهم ما جمعني به هو لحظات الاصطفاء الزمني، ونحن نتجاذب بعض المواقف النضالية في تاريخ اليمن السياسي، حيث كان له بعض الآراء، بشأن بعض القضايا الهامة في هذا السياق، مثل الانتقال بالحركة التعاونية من مجال الخدمات إلى مجال العمل الانتاجي، إذ شغلت هذه الفكرة كثيرا من الباحثين والدراسين، وعقدت ندوات وحلقات نقاشية حول الموضوع شارك فيها الأستاذ الدكتور حمود العودي، وهو من علماء الاجتماع كذلك الدكتور عبد الولي هزاع مقبل، أستاذ المعهد الزراعي في عدن والدكتور محمد عبد الله العمراني عالم الاجتماع، جامعة صنعاء، والمهندس الزراعي عبد الرحمن العلفي والأستاذ الدكتور عبده علي عثمان، وأحمد محمد الحربي، المعهد القومي للعلوم الإدارية، ومشاركات أخرى عديدة، في أتون تلك الندوات والحلقات كان بعض معدي ومقدمي أوراق العمل، كأنهم يبشرون بنظام العولمة، الذي يطالبون به الآخرون التسليم به، وكنا نلتقي لتفنيد بعض تلك الأوراق، وما يريد أصحابها، فيقول لا تتعب نفسك يا بني، هؤلاء البشر أصبحوا لا يرون في واقعهم شيء، إلا أمريكا، يتحدثون عن أمريكا، وكأنهما قادة العالم المعاصر، وعلى الجميع أن يوافقهم الرأي، انظر ماذا يقول “زيداً” العالم في زمن الثورة المعرفية، ثورة الاتصالات، أصبح قرية واحدة، ونحن لا نمثل شيئاً فيها، أي عقل يمكن أن يقبل بذلك ؟  صحيح ثورة الاتصالات والتكنولوجيا فتحت آفاقا واسعة للمعرفة، وقربت بين البشر، لكنها في المفهوم الأمريكي، هو استعباد الشعوب، ولعلمك، الولايات المتحدة الأمريكية بلى شعب، ولا ثقافة، ولا تاريخ، وتريد من خلال ثورة الاتصالات، أن تعزز وجودها، بسرقة حضارات الشعوب، وإيهامها بأنها هي صاحبة الحضارة وحاميتها، بينما هي تدمر ذلك، لا يهمها في علاقاتها بالشعوب الأخرى، إلا مصلحتها.

انظر إلى هذه الأوراق المرتبطة بموضوعنا الانتقال بالحركة التعاونية، من المجال الخدمي، إلى المجال الانتاجي ألا تجد عدم ترابط وانسجام بين ما يقال، وما يعمل له ؟ قد نتفق معاً من حيث الهدف العام لهذا النشاط، وهو الجمع بين مجالي العمل التعاوني الخدمي القائم، المبهر في إنجازاته، والعمل التعاوني الانتاجي الذي لا يلغي هذا التعاون القائم، وإنما يرتبط به ويعزز وجوده في ظل استراتيجية تتجه نحو الداخل، ألا ترى معي أن البعض يهرف بكلام، عند الفحص الدقيق يمثل خطورة على مستقبل الأجيال القادمة، ألا توافقني الرأي، بالقول إن المطالبة بالتنمية الاقتصادية دون ربطها المتوازي بالتنمية السياسية، – وعد كاذب.

وكما جمعتني به دراسات وتقييمات ذات طابع اجتماعي مهني جمعتني به، أفكار، ونضالات ذات طابع سياسي، فكلانا في الحزب الاشتراكي اليمني، ونلتقي كثيراً في أطر حزبية، أو فعاليات أخرى، لم أختلف معه فيما يراه من قصور في الرؤية السياسية، والمواقف جراء القصور في الوعي والمعرفة، قالها مرة وبنبرة حادة: شوف أيها الرفيق العمل السياسي اليمني، قاصر ومع ذلك يحاول أعداء اليمن تضييع هذا العمل السياسي بالتركيز على فئة المثقفين في الأحزاب السياسية، الطبقة الوسطى من أبناء الشعب وهم يراهنون على أولئك المثقفين كثيري الكلام، قليلي التفكير وقد خدمتهم تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات، التي جعلت من المثقفين أكثر انبهاراً بالغرب وأمريكا وكأن هؤلاء هم من يصنعون قائداً لا الشعب.  لقد غيب المثقفون أدوارهم في تربية، وبناء شعوبهم تربية صحيحة وواعية، إلى حد أنهم أصبحوا يتهمون أحزابهم بأنها ليست ضحايا المؤامرات الأمريكية، والاستعمارية، إذ لا يرون هناك مؤامرات وهذه عملية تمهيد لما يحاولن الوصول إليه . اعلم يا بني  أن موت الأحزاب الحقيقية، هو في مثقفيها الملتحقين بها، وهم بلا ولاء لها، ولا انتماء للشعب، ألا ترى في دراسات الأحزاب الاجتماعية والاقتصادية، هروباً واضحاً لحقيقة بنيات هذه الأحزاب ومجتمعاتها فإذا سقط حزب من الأحزاب في براثن المنفعة وغاب وعيه بمجتمعه فأذكرني، بأن السبب يعود إلى المثقفين فيه، الذين أصبحوا بلى أعداد ويقفزون إلى المراكز القيادية قفزاً دون عناء شهيتهم مفتوحة لكل شيء، إلا العلم والمعرفة، دراسة، وتحليلا وموقفاً.

رحمك الله وطيب مثواك أيها الأستاذ القائد الدكتور عبده علي عثمان، رحلت في زمن الاحتياج لك ولأمثالك وما كنت تخشاه أن يصيب الأحزاب السياسية في هويتها وعقيدتها، ومواقفها تتسع مساحته ويصيبها بالعجز وهو عجز لن يستمر ما دام في عروق رفاقك دماء وعلى أجسادهم أدمغة تتعاطى بوعي مع ما يجري ويحدث…..

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: