(الفنون اليمنية بعيون سورية)

 

ـ لقاء خاص مع/ الباحث والناقد الفني السوري

الأستاذ/ مصطفى محمد حنيف الحجو.

 

ـ حواره أ/ فهد علي أحمد القباطي ـ منتدى الحداثة والتنوير الثقافي

الأستاذ/ مصطفى الحجو                              الإعلامي/ فهد القباطي 

 

 

مقدمة:

 

المثقفون والمفكرون هم قرون استشعار لأي أمة من الأمم، وهم خط فكرها ولسان حالها وموجهي وعيها وصانعي نهضتها، وفي هذا اللقاء سنقف أمام واحدٍ من هؤلاء.. نموذج للمثقف العربي شخصية بالغة الثراء، متسلح بالعلم، موسوعي المعرفة، متسع الأحلام والرؤى، له رصيد من الخبرات والتجارب طاقة إنسانية خلاقة، أشبه ما يكون بمكتبة ثقافية فنية متحركة فاتحة أبوابها لمن يريد التزود بالمعرفة في مجال الفن والأدب، صاحب رؤية فنية عميقة يجمع في شخصه فكر مثقف وروح فنان وإحساس شاعر مرهف..

عشق الغناء والطرب والتاريخ والأدب.. منذ طفولته ينهل من مختلف الوسائل والسبل الممكنة، ويبذل جهدا في سبيل نشر الثقافة والمعرفة، ولا يبخل في تقديم كل العطاء دون كلل أو ملل، ولد في سوريا عام 1964م في مدينة إعزاز شمال محافظة حلب  أيقونة الغناء والطرب السوري عاشقا لليمن حضارة وإنسانا، يعرف عن فنها ربما أكثر مما يعرفه الكثيرون من أبنائها ممن خاضوا مجال الفن والأدب ، لا أستطيع إلا أن أصفه بالمثقف العربي اليمني السوري، تنحدر أصول عائلته من قبيلة يمنية أصيلة المنبع، سنعرف عنه وعن عشقه المجنون الكثير من التفاصيل وسنتعرف على جوانب من حياته الزاخرة بالعطاء وسنشاهد الفنون اليمنية بعيون سورية من خلال هذا اللقاء مع الأستاذ القدير الباحث والناقد الموسيقي الفني مصطفى محمد حنيف الحجو.

 

– أرحب بك أستاذي الكريم، وفي البداية اسمح لي أن أقلدك عقدا من الفل اليمني اللحجي، وأرسم على جبينك قبلا من كل محبيك وأصدقائك في اليمن، و باسمي وباسمهم جميعا يشرفني أن ألتقي بك، ويسعدني أن أنقل من خلال هذا اللقاء لكل يمني وعربي تجربتك الفريدة المميزة  كأخ كريم وأستاذ قدير عاشق للجمال، مولع بالفن والأدب العربي بشكل عام واليمني بشكل خاص، وفي مستهل هذا اللقاء أستاذي الكريم ما رأيك أن نبدأ من البواكير الصبية عندما تشكلتْ لديك براعم هذا العشق السرمدي للثقافة والفن والأدب ؟

عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري كنت أحب المطرب عبدالوهاب الدوكالي من المغرب، فكنت أضع كاسيت جاهز للتسجيل في حين سمعت أي أغنية له من الإذاعات أنسخها وظليت سنة أو سنتين، و كان اهتمامي ناتج عن القراءة فكنت أتابع العديد من المجلات العربية كمجلة الفيصل، أحتفظ بأعدادها كاملة حتى عام 2000 م، وكنت أقرأ المجلات اللبنانية بشكل خاص؛ كونها منتشرة بكثرة في سوريا، وكان هناك مجلة فنية فيها أصدقاء يحبون أن يتعرّفوا على بعض من خلال الرسائل، فخطرتْ لي فكرة التعرف على شخص من المغرب اسمه كرام أحمد، وهذا ما حصل بالفعل فكتبتُ له رسالة، وطلبت منه كاسيت لعبد الوهاب الدوكالي، وفعلا بعد فترة تلقيت منه الرد، وطلب مني كاسيت للفنان صباح فخري، وبحرارة عالية في نفس اليوم رحت أحضرت الكاسيت وأرسلته إليه، وفيما بعد هو أرسل لي الكاسيت الذي طلبته منه إضافة إلى أني كنت أحب دائما الاستماع للإذاعة خاصة في الليل .

 

 

 

 

–  ما هي الإذاعات التي كنت تستمع إليها حينها ؟

إذاعة دبي، وإذاعة صوت العرب من القاهرة، وإذاعتي صنعاءوعدن ، وراسلتُ برنامج في إذاعة عدن دون أن التقط صوت الإذاعة .

– ماذا كنت تستمع ؟

كل واحد له ذوقه الخاص في اختيار ما يستمع، وكنت غالبا ما أسمع إذاعة السعودية، وكانت تقدم أغنية للفنان أبو بكر سالم (يا دوب مرت عليّ)، و غالبا يصادفني سماعها كل عشرين يوم، أعجبتني هذه الأغنية فخطر على بالي أن أتعرف على شخص من اليمن، وأطلب منه الكاسيت فتعرفت على شخص من الشيخ عثمان بعدن أرسل لي الشريط فورا، فكنت دائما أستمع لأغنية (يا دوب مرت عليّ)، وكان لها وقع خاص في نفسي، وفيما بعد  استمعت أغنية (عاد قلبي معك أو رميته) في الكاسيت، وفعلا كانت أغنية جميلة تفوق جمال (يا دوب مرت عليّ)،  وهنا صارت المراسلة والتعرف على الأصدقاء هواية عندي فصرت من حينها  أراسل الإذاعات .

 

–  نحب نعرف اسم صديقك الذي تعرفت عليه من عدن ؟

اسمه محمد سالم الجداسي، وهو إعلامي كان يرسل لي كاسيتات ومقالات من الجرائد اليمنية حول فنون اليمن . وأيضا كان لدي هناك أصدقاء من أغلب المحافظات اليمنية .

 

– يا ترى كيف تولد هذا العشق اللامتناهي لليمن وفنونها، وما سر هذا الاهتمام بالغناء والأدب اليمني ودوافعه لديك ؟

والله لدي معرفة متواضعة بكل فنون الدول العربية، لكن بالنسبة للاهتمام الزائد باليمن خلال فترة الشباب كان عندي نية تأليف كتاب عن تراث اليمن، فكنت أتوخى الدقة في البحث، بحثت عن كتب حتى في حلب بالمكتبات في المكتبات العائدة لوزارة الثقافة المنتشرة في مراكز المدن  وغيرها،  ما كنت أجدها مثلا: كتاب (حديقة الأفراح في إزالة الأتراح) هذا الكتاب وجدته في المكنية الظاهرية بدمشق، ظليت أقرأه ليومين، وكتبت عدة قصائد منه بخط اليد، هذا الكتاب يمني طبع في الهند قديما، يمكن من مائة سنة أو أكثر، فيه قصائد صنعانية، وجدت فيه قصيدة أعجبتني، أتذكر أني أرسلتها لإذاعة صنعاء كان المذيع حينها محمد الشرفي معه برنامج  بريد المستمعين أو نادي المستمعين، كان عندي شغف كبير جدا وكانت معنوياتي مرتفعة وكنت فعلا مجنون باليمن، أتذكر في إحدى المرات تعرفت على صديق من السعودية فأحبني كثيرا وقال لي في أحد الأيام ماذا تريد أن أرسل لك من السعودية، فطلبت منه كاسيت للفنان أبو بكر سالم فأرسل لي عام 1981 م كاسيت اسمه يا سلوة الخاطر، وكانت آخر أغنية في الكاسيت موسيقاها جميلة أعجبتني كثيرا تقول كلماتها:

“يهون كيد العوازل وغدرهم والفتن

يهون صدك وبعدك عن قصد أو سوء ظن”

فيما بعد تقريبا عام 1985 – 1986م شاهدت بالصدفة مقابلة للفنان أبو بكر سالم، وكان يتحدث عن دوره في إبراز الفن الحضرمي خارج اليمن، وكذلك تحدث عن الأغنية الصنعانية وهو حضرمي، وعاش في عدن ويغني صنعاني إلى جانب غنائه للون الحضرمي، كان مزيجا من كل هذا، وتعرفتُ على أكبر عدد من أغانيه، بعد ذلك بدأت أطلب كاسيتات لفنانين آخرين من اليمن، فوصلتني أغاني للفنان أحمد فتحي، والفنان أحمد قاسم، وكان معي كاسيت لفنان من تعز اسمه (عبدالغفور الشميري)، يغني (يا وليد العم مع) فنانة أظن أنها نجيبة عبد الله، وتلقيت كاسيت للفنان أيوب طارش من تعز، كان فيه أغنية ساحرة اسمها (محلا هواك)، وكان شيء جميل جدا، وأول  مرة أسمع فيها أيوب طارش من خلال أغنية (محلا هواك) الساحرة بصوته، وبموسيقاها الجميلة، فتشكلت عندي فكرة أن هناك غناء صنعاني، وحضرمي، وهذا فنان من تعز يغنى طابع آخر؛ معنى ذلك أن هناك لون تعزي في اليمن إلى جانب الصنعاني،  وعادة ما كنت أتابع الجرائد والمجلات العربية واليم

نية، أجد فيها أحيانا مقابلات مع الفنانين أتذكر مجلة إماراتية بعد عام ستة وثمانين، كان اسمها (الرياضة والشباب)، وكان فيها مقابلات مع فنانين يمنيين أتذكر منهم الفنان عبد الباسط العبسي، والفنان أبو بكر سالم، والفنان أحمد فتحي، كنت أدون ما أبحث عنه بخط اليد، لا أدري هل لا زالت تلك الكتابات بخير أم لا، لأني تركتها بحلب .

 

– نستطيع أن نقول بداية الحب والعشق لغناء اليمن أغنيتي الفنان أبو بكر سالم( يا دوب مرت علي)، وأغنية( يا سلوة الخاطر)؟

نعم .

– هنا عرفنا بداية عشقك و تعرفك على الأغنية اليمنية وعن فنانيها، ماذا عن الأدب والشعر اليمني ؟

بعد عام 1990 م حاولت صقل هذه الهواية والمعرفة من خلال القراءة، فحصلت من خلال بعض الإخوة على ديوان (دموع العشاق) للمحضار، وديوان (الدموع الضاحكة) لعبد الله هادي سبيت، وديوان للشاعر أحمد سيف ثابت، وديوان للشاعر أحمد فضل القمندان، وكتاب عن الفنان خليل محمد خليل، وكان من أهم الكتب التي حصلت عليها (شعر الغناء الصنعاني) أطروحة دكتوراه للدكتور محمد عبده غانم، هذا الكتاب سألت عنه في اليمن قالوا لي بعض الأصدقاء غير موجود، وفي مصر قالوا غير موجود، وكذلك في لبنان، واستمريت يمكن لمدة عام أبحث عنه ما وجدته، وذات مرة كنت بدمشق في الليل بمكتبة ضخمة، وكانت على وشك الإغلاق دخلت أبحث عن الكتاب، فقلت له: أنا أبحث عن كتاب (شعر الغناء الصنعاني)، فقال لي: الكتاب موجود عندي، ولكنك تأخرت.. ممكن ترجع بكرة؛ لأنه في المستودع. وكان يوم أربعاء، فقلت له: ممكن أعود يوم الأحد، لأني مسافر حلب، فقال لي: أي يوم تتفضل أهلا وسهلا بك.

عدتُ يوم الأحد فعرفني، فقال لي: أنت بدك (شعر الغناء الصنعاني)؟، قلت له: نعم. نادى لشاب وقال له: خذه إلى المستودع، فسألني الشاب: بتحب اليمن؟ قلت له: نعم. دخلت المستودع فوجدت كتب للبردوني، وكتب لعبد العزيز المقالح، وكتاب (شعر الغناء الصنعاني) لمحمد عبده غانم .

 

– رحلة شاقة مع المعرفة، لكنها ممتعة.. هل تكونت لديك معرفة وصداقات بفنانين أو شعراء من اليمن ؟

نعم خلال هذه الفترة تعرفت على الشاعر أحمد علي النصري من لحج، وكان موظفا في وزارة الثقافة، أرسل لي كاسيتات للفنان فيصل علوي، مع الشاعر أحمد سيف ثابت، وكذلك تعرفت على الفنان طه فارع، والفنان محمد سعد عبد الله كان يرسل لي سلامه شفهيا مع صديق، أيضا كانتْ لدي علاقة مع كثير من الشخصيات في عدن، كان لدي أصدقاء من كل مديرية  في عدن، وجدتهم أكثر حميمية من غيرهم تتعامل مهم بكل سلاسة ،ولي أصدقاء كذلك من جميع المحافظات اليمنية من تعز والبيضاء والحديدة وصنعاء.

 

– أستاذي الكريم ذكريات جميله ورحلة بحث أثمرت بالتعرف على قامات إبداعية فنية، وخلق صداقات متعددة، وقصة عشق بدأت من خلال أغاني الفنان أبو بكر سالم. أذكر لنا فنانين آخرين شدوا انتباهك واهتمامك بالأغنية اليمنية ؟

يا أخي الكريم شاءت الصدف أن أقرأ مقال في مجلة (الحكمة) اليمنية عن محمد جمعة خان حياته وفنه، سبحان الله كانت تصلني أعداد منها بالصدفة، وهي مجلة غير موجودة ببلدنا، سبحان الله كان يختار القصائد العربية الفصحى، وله خاصية مميزة في التلحين، أنا لم أسمع صوته وإنما أعجبت به إعجابا باهرا، أقول بيني وبين نفسي الإعلام العربي السطحي الظاهر بالواجهة يتحدث عن سيد درويش أو الحامولي وآخرين، رغم أن هناك في كل دولة فطاحلة، للأسف الإعلام لم يتطرق إليهم أبدا، و كأنما حرام علينا أن نتعرف على قامات من هذه البلدان!

المهم أنا أحببت محمد جمعة خان قبل أن أسمعه، وكما يقال الأذن تعشق قبل العين أحيانا، و أنا تجاوزت هذا التعريف، لأني أحببت فنه قبل أن أسمعه، بعث لي صديق من المنصورة بعدن كاسيت للفنان محمد جمعة خان، ولكني لاقيت تسجيله سيئا جدا فقلت له: أني لم أتمكن من سماعه جيدا. وبعد ذلك بحث عن الكاسيت ونصحوه بعض الإخوة يروح على شارع الطويل في أستريو هناك تسجيله أفضل.

 

– تقصد أستريو ماريا ؟

نعم سمعت أنه صار محل أحذية مؤخرا! أخذ منه صديقي نسختين، و أرسلهما لي كانتا نسختان جيدتان، فقضيت فترة ممتعة جدا، أسمع محمد جمعة خان دون ملل، فيما بعد وصلتني ثمان كاسيتات لمحمد جمعة خان من المكلا، وهنا سمعت أغنية (عاد قلبي معك أو رميته) وأغاني أخرى سمعتها بصوت الفنان أبو بكر سالم و الفنان أيوب طارش.

 

– “عاد قلبي معك أو رميته” غناها أيضا الفنان أبو بكر سالم واشتهرت بصوته ؟

عمليا محمد جمعة خان سبق أبو بكر سالم بغناء هذه الأغاني، وهي اشتهرت بصوت أبو بكرسالم، لكن محمد جمعة خان كان له الفضل بخلق لون جديد فيه نكهة الهند؛ باعتبار أن والده من الهند ووالدته من سيئون فسبحان الله أثمر وجود هذا الإنسان باليمن من خلال مجيئه واصطحابه لفرقة عسكرية موسيقية إلى إحدى سلطنات حضرموت، واسمه جمعة خان وهو مسلم تزوج بيمنية وأنجب محمد جمعة خان ..

كان الفنان أبو بكر دائما ما يقول في مقابلاته أن الفنانين تغنوا بأعماله وأعماله

التي غنوها تقريبا لا تتجاوز عشرين أغنية وهو محق.

بالمقابل لو تبحث عن أغاني محمد جمعة خان، معظم أغانيه غنوها في الخليج، أنا عندي حوالي ثلاثين فنان تقديرا غنوا أغاني محمد جمعة خان، أحببت منهم ثلاثة، واحد اسمه حمد سنان، هذا تقريبا خمسين في المائة من أغانيه لمحمد جمعة خان ، والثاني جمعة الطراروة، والثالث راشد الحملي، وهؤلاء الفنانين هم من مدرسة محمد جمعة خان حتى في أغانيهم الخاصة يتبعون فيها أسلوب محمد جمعة خان .

 

 

– ارتباطك وإعجابك واهتمامك بالفنان الكبير محمد جمعة خان الذي قادك لعمل بحث عنه وعن فنه، الم تفكر في إصدار كتاب أو كتيب عنه ؟

جمعت الكثير من المعلومات عنه، وحفزني تأثر الفنانين في الخليج به وبفنه ومعلوماتي الجيدة عنه أن أعمل كتاب أو كتيب، إلى الآن عندما أسمع صوته لا أشعر إلا أني أمام عملاق وهرم، بل كوكب حالة فريدة فنان توفي عام 1963م أكثر من خمسين فنان غنوا أغانيه، و لحد اليوم أغانيه منتشرة في سهرات بعض الديوانيات بالكويت، وبدون أي فضل للإعلام في إبراز هذا الفنان.

 

– هذا العشق الكبير والشغف بالفن والأدب اليمني، هل يوازيه اهتمام وشغف بالفن والأدب في بلد عربي آخر، وما هي الألوان الغنائية العربية الأخرى التي تشدك لمتابعتها والاهتمام بها ؟

أنا لا يهمني الإعلام وما يقوله عن شهرة فن من الفنون أو فنان معين، كنت أحب أن أستقي معلوماتي من مصادر مختلفة، ومن خلال ذلك أعتبر اليمن والعراق فيهما قمة الفنون من حيث الجودة والتنوع في الألوان. عندك الأغنية الصنعانية عندما يسمعها غير اليمني يشعر أن لحنها واحد، لا يشعر أن هناك تنوع، ولكن عندما تتمعن فيها، وتسمع الأغنية من أكثر من فنان، تجد أن فيها تنوع وجمال كل أغنية لها لحن مميز، يمكن تصنيفها إلى عشرة قوالب تقديرا، والأغنية الواحدة لها أكثر من لحن، مثل أغنية محمد حمود الحارثي (أحبة ربا صنعا) جميلة وهي بلحن صنعاني، ولحنها الآخر الصنعاني الذي غناه الفنان أبو بكر سالم أيضا جميل.

هناك الأغنية العدنية الفنان خليل محمد خليل له بصمة في تاريخ اليمن بشكل عام، وعدن بشكل خاص، هو من مؤسسي الندوة العدنية عام 1948 م بالتعاون مع الدكتور محمد عبده غانم، فيما بعد فنانون آخرون انضموا للندوة فشكلوا لونا فنيا جديدا انتشر في الخليج بشكل غريب، هم تجاوزوا باقي فنون المنطقة، الأغنية التي أنتجها اليمنيون في عدن اكتسحت باقي الفنون الأخرى، فمروا بفترة ذهبية يحسدوا عليها ..

عندك القمندانيات في لحج، والأغنية اللحجية، والفنانون في لحج الفنان صلاح ناصر كرد وعبدا لله هادي سبيت، ومحمد سعد الصنعاني، وحسن عطا، والألوان اليمنية الأخرى.. هناك تنوع وثراء في الأغنية اليمنية غير عادي.

أيضا المغرب فيها  تنوع بشكل كبير في كل منطقة من مناطقها، عندك مدينة وجده فيها الراي وفيها الركاده ، وعندك مدينة فاس مختصة بالأندلسي، وبحسب الروايات الناس الذين خرجوا من الأندلس باتجاه أفريقيا يقال بنو مدينة فاس، وفي الجزائر مدينة تلمسان، وفي تونس مدينة سوسة، وهذه المدن الثلاث مختصة بالأندلسي رغم اختلاف التسميات، بالمغرب يسمى أندلسي، وله أنواع غرناطي اشبيلي، وهكذا بالجزائر يسموه حوزي وفي تونس يسمونه مالوف،  وكله متشابه، عندك جنوب المغرب مثل الصويرة، وأكادير فيها كناوه، وهذا الفن أشتهر حتى في أوربا، خاصة في العشر السنوات الأخيرة، كذلك الجزائر فيها تنوع لكنه مهمل نهائيا إعلاميا، هناك ثمانية وأربعون ولاية بكل ولاية فنانون، وكل فنان يشتهر في ولايته فقط، فالجزائر فيها ثراء يوجد فيها فن يسموه “الشاوية”، يغنون على القصبة، وفن الحوزي، و فن الطوارق في الجنوب، وهناك تشابه في فن الطوارق بين جنوب الجزائر والسنغال والنيجر، وفي الأمازيغ موسيقاه جميلة، وفي نوع يسموه كناوه بولاية بشار وفن الراي بالجزائر نلاحظ أنه انتشر إعلاميا عام 1980م، وأول فنان ظهر الشاب خالد، وفيما بعد الشاب حسني، وآخرون، وهذا الفن موجود في الجزائر من مئة عام، يعني هذا الفن تراجع من مائة سنة، وكان قديما يطلق على فنانيه شيوخ الراي، بينما فيما بعد يسمونهم شباب الراى يقال الشاب فلان، وهذا الفن مركزه بمدينة وجده في المغرب استمر دون شهرة، أظهره فنان مغربي قبل ما يظهر بالجزائر أسمه ميمون وجدي قبل الشاب خالد استخدم أغاني يسمونها الراي الريفي، كلامه جيد واشتهر بأوروبا، وسجل تسجيلات ولم يستطع الاستمرار، وحتى الآن لا يزال على قيد الحياة،  لكني أعتبر الغناء في اليمن والعراق في المقدمة لو في إنصاف العراق بالنسبة للفنون تكون بمقدمة الدول العربية، لكن الشهرة الإعلامية لمصر في المائة سنة الأخيرة ،وهي طبعا الريادة لمصر، و لكن كمراكز لتعليم الناس الموسيقى موجودة بالعراق عازفون مهرة موجودون بالعراق مدينة بغداد خاصة فترة من عام 1900 – 1960 م  وفيما بعد فيها مقاهي تختص بكل مقام مثلا عندك مطرب اسمه يوسف عمر له مقهى خاص يجتمعوا معجبينه يحكوا عن المقام وفي عندك ناظم الغزالي ..

مدينة بغداد فيها أعلى نسبة للمقاهي في الوطن العربي حسب الروايات أكثر من 400 مقهى،

الألوان العراقية متعددة عندك ألوان الموصل هي الأقرب لسوريا، وهناك اللون الريفي وأغاني تغنى بالربابة ولون البصرة، مثل الفن الزهيري وهو أقرب للخليج فهو على البحر فيه تشابه للبحرين وللكويت، وكذلك لإيران من حيث الموسيقى هناك امتداد أيضا.

 

– من وجهة نظرك ما الذي يميز الفن في اليمن، وما الذي لمسته من خلال بحثك وتذوقك للأغنية اليمنية ؟

الفن اليمني تراث إنساني فيه مشاعر إنسانية، وكذلك الفن العراقي.

اليمني فيه بلاغة أكثر في الكلمات خاصة الشعر الحميني .

 

– تحدثت عن الميزات التي تميز الأغنية اليمنية من حيث الكلمات، نريدك كمتذوق أن تحدثنا عنه من حيث الموسيقى والألحان ؟

بالنسبة لفنون اليمن جغرافيا فيها عدة ألوان غنائية، والشيء الجميل أن الفنانين يحبوا أن يحافظوا على اللون الغنائي في جغرافيتهم .

التجديد نلاحظ في القرن العشرين القمندان في لحج هناك أغاني لحجية قديمة هو أضاف شيء جعلها في مقدمة الأغاني لفترة من الزمن.

هناك رواد و شخصيات كان لها دور في ابراز الغناء الحضرمي منهم عبد الله باحسن جمل الليل و الحداد بن حسن الكاف متخصص في كتابة الدان الحضرمي، وفيما بعد ظهر حسين المحضار رائد الأغنية الحضرمية، ومن خلال تعاونه مع الفنان أبو بكرسالم أصبحت الأغنية الحضرمية الأغنية الذهبية لدى جمهور واسع في الجزيرة العربية، والبلاد العربية، وكذلك الأغنية الصنعانية انتشرت من مئة عام في الخليج العربي ..الأغنية في عدن الفنان خليل محمد خليل فنان رائع، وله بصمة في تاريخ الأغنية اليمنية بشكل عام والعدنية بشكل خاص.

اليمن أغزر إنتاجا بأغاني لكل منطقة، فالمشهور في أطراف عدن غير المشهور بأبين رغم تقارب المسافات.

هناك خصوصية لكل مكان جغرافي في اليمن لإنتاج الفنون والإيقاعات ..وهنا نقول أو نتمنى عمل ملحمة غنائية لليمن، لو في شاعر يجمع مقطع من أجمل الأغاني من كل مدينه مع ملحن مقتدر مثقف يستطيع أن يضع تعديلا في الألحان؛ لتقديمها بشكل جميل كما عمل الليبيون في (ملحمة رحلة نغم)، وهي ملحمة حوالي ثلاث ساعات تبدأ مقطوعة موسيقية عبارة عن تجميع للتراث الليبي خلال ربع ساعة الأولى، وبعد ذلك يدخل بالكلام يقول :

يا عارف بلاد الغير مش عارف بلادك

لو ينشدوك تحير عن الأرض من خيرها زادك

كذب من قال الصحراء ما تنبت البذرة

الصحراء تنبت قيم ومبادئ وأخلاق

وإحنا أمة لها شأن بين الأمم

الملحمة في ثلاث ساعات إنتاج عام 1979م، جمع الكلمات الشاعر فضل المبروك، أخذ أجمل أغنية شعبية من كل مدينة، عدل في الكلمات وهذبها بالتعاون مع فنان ليبي أسمه محمد حسن أيضا هذب الألحان، وأنتجوا كاسيت ثلاث ساعات لكل مناطق ليبيا، بالاشتراك مع ثمانية فنانين عندما سمعت هذه الملحمة عام 1988م، فكرت باليمن مباشرة لأنها أكثر غزارة وتنوع بالفنون .

 

 – فكرة رائعة أستاذ مصطفى نضعها من خلالك أمام المهتمين لعلها تلقى من يتلقفها، هناك  جهود في هذا الجانب كتجديد للتراث الشعبي، ولكنها محاولات وجهود فردية سيدي الكريم تحدثت عن الغناء في اليمن والعراق والمغرب والجزائر وليبيا، ماذا عن الغناء في سوريا ومصر ؟

بالنسبة لسوريا عندنا مجموعة من الفنون،  وان لم تكن منتشرة بشكل كبير باستثناء القدود الحلبية كان لفناني حلب والموشحات دور في انتشارها وشهرتها في كافة أنحاء العالم، والقدود بالنسبة لحمص شبه اختفت.. بقيت حلب في المقدمة في هذا الفن، وعندنا في دمشق توجد فرق أناشيد دينية تغني مثل القدود، ولكن باتجاه الطابع الدينيي غالبا.

عندنا في حلب هناك مختصون بالأناشيد الدينية، وفي أغاني الطرب المختصة بالشعر العربي، أو الشعر الحديث، وفي حلب أيضا من يحب الغناء بدون موسيقى، مثل حسن الحفار و أديب الدايخ ، ويوجد عندنا لون اسمه حوراني منتشر في محافظة الدرعا، وكذلك السويداء، وغالبا أغاني تكون على الشبابة، أو المجوز الحوراني خاصة بالأعراس، ويمتد هذا اللون إلى فلسطين، وعندنا في الساحل يسموه اللون الجبلي، و ألوان خاصة فيهم هناك عتابا جبلية وعتابة بدوية، وعندنا المنطقة الشرقية الرقة والحسكة ودير الزور، هذه المنطقة لها فنونها الخاصة، فدير الزور فنها قريب من الفن العراقي، بينما الحسكة كمدينة مجاورة لتركيا والعراق، وهذا المثلث فيه عرب وفيه أكراد، وفي الجهة المقابلة في أتراك تركيا، وضمن هؤلاء في سريان وأشوريين فتشاهد مزيجا من كل هذه الفنون بأغاني الحسكة موسيقى جميلة، ولكن كلمات بسيطة كلها للأعراس، أيضا توجد أغاني على الربابة بمنطقة السلمية وتدمر يوجد فنان أو اثنان لهم شهرة محلية كالفنان محمد صادق، هذا أشهر من يغني على الربابة .

 

– أستاذ مصطفى هل هناك علاقة تأثير أو تأثر متبادل بين الأغنية في اليمن والأغنية في سوريا ؟

علاقة فنون سوريا باليمن ليس فيها تشابه، هناك قصائد مشتركة نعم مثل قصيدة (عيني لغير جمالكم لا تنظر)، تُغنى بلحن آخر بسوريا، وقصيدة (على العقيق اجتمعنا)، تُغنى عندنا بحلب أيضا بلحن مختلف، مثلا عندك (أراك طروبا)، و (يا من هواه أعزه وأذلني)، تُغنى عندنا بسوريا على شكل موال، هذه الأغاني موجودة باليمن، لكن كتشابه بالموسيقى لا يوجد، وعندنا كثير من الفنانين السوريين يغنون الأغاني المصرية، كنجاة الصغيرة أصلها سوري من دمشق، وفائزة أحمد، وفريد، وأسمهان الأطرش، وفيما بعد ظهرت الفنانة ميادة الحناوي. معظم الفنانين عندهم طموح أن يغنوا في مصر أو لبنان، لأنهم يلقون انتشارا على نطاق واسع عربيا.

 

– ما هي العلاقة بين الموشح في اليمن والموشح في سوريا.. أوجه التشابه والاختلاف؟

الموشح عندنا في سوريا كله قصائد فصيحة، بينما في اليمن يتنوع ما بين قصائد حمينية وفصيحة.

 

– نستطيع أن نقول أن هناك نشابه في المضمون، واختلاف من حيث الشكل ؟

صحيح.

 

– حدثنا عن التأثير المتبادل (علاقة التأثير والتأثر) بين فنون البلدان العربية، وتحديدا بلاد الشام ؟

تأثير الفنون ببلاد الشام نلاحظ في تركيا اهتمام بعض الفنانين بالفن العربي، وأيضا تصل مدينة ينبع  في عموم سواحل البحر الأحمر يغنوا على السمسمبة بحضرموت كانت تستخدم فيها السمسمية، لكنها خفت مؤخرا، جهة مصر عندك السويس وسيناء، ولكن ليس فيها سمسمية كما في ينبع عموما، لو تتابع في ينبع ستجد فنونها أقرب لبلاد الشام،  وأيضا سيناء فيك تعتبرها جزء من بلاد الشام حتى بأزيائهم ولهجتهم يختلفون عن لهجة مصر، حتى بنسب القبائل هم أقرب لقبائل بالأردن أو لبلاد الشام، و بدون مبالغة قسم كبير منهم من اليمن عندك عائلات بسيناء أو بفلسطين يعود نسبهم لآل السقاف بحضرموت، وفي عندك بالنقب آل عتوم هؤلاء من مديرية عتمة بذمار صار لهم مائتين أو ثلاث مائة سنة مهاجرين لهذه المنطقة  بينما الهجرات إلى بلاد الشام كانت أقدم من ذلك .

 

– كيف تعمل على تسجيل وأرشفة كل ما تجمعه من مواد سمعية أو بصرية ؟

كنت أسجل يوميا تقريبا ما يقارب من خمسين ساعة في اليوم عندي ثلاثة أجهزة تسجيل واحد يسجل أربعة وعشرين ساعة، و أسجل من قنوات أخرى في أوقات مختلفة، عندي تسجيلات كثيرة نسختها على أقراص ليزرية.

 

– أستاذ مصطفى هذا المخزون، وهذا الجهد في البحث والجمع للأعمال الفنية ألا تفكر في عمل مشروع خاص من خلاله ؟

في الوقت الحالي لا أفكر بشي أبدا عندنا ما يكفينا من أمور، وما فينا نتجاوز هذه الحياة التي نعيشها.. الأحداث التي تعصف ببلادنا  كل هذه لها انعكاسات على نفسية الإنسان.. صادفوني ناس ولاحظوا اهتماماتي فنصحوني بالذهاب للمعهد العالي للموسيقى ألقي محاضرات في ألوان الغناء العربي، ولا تزال الفكرة قائمة من زمان، كنت أتمنى أن أعمل صالون أدبي في بلدتي شمال حلب يكون مطلا على الشارع يجتمع فيه الأصدقاء المهتمون بالثقافة والفن، سواء كنت موجودا أو غائبا أضع فيه جميع أدواتي ومقتنياتي من أشرطة وكتب وغيرها، وعندما غادرت البلد أجلت الفكرة، ولكني حاليا بنيت منزلا واسعا هنا في دمشق بفضل رب العالمين، وخصصت مساحة منه للصالون حاليا عملت الصالون والحمد لله.

 

– من وجهة نظرك أستاذ مصطفى ما هو الدور الذي تعكسه البيئة على الغناء عموما، و ما دلالات التأثير البيئي على اللون الغنائي ؟

كل منطقة عربية لها لون يميزها، وهذا شيء طبيعي.. الإنسان يعيش في تضاريس متنوعة صحراوية ساحلية جبلية، وهذا يخلق ألوانا وتنوعا وثراءً، هذا موجود في اليمن، موجود في سوريا في العراق، فكل بيئة جغرافية أو منطقة لها لون غنائي، مثلا كم هي المسافة بين لحج وعدن، لازم يكون اللون واحد، ولكن باعتبار ظهر ناس كان لهم تأثيرهم في الفن فصنعوا لونا جديدا، ولكن يبقى هناك تشابه.

 

– جميل تريد أن تقول أن للإنسان دوره في تشكيل هذا اللون  ؟

نعم الإنسان يعيش في بيئة معينه يتأقلم مع فنونها، وأحيانا يحب أن يعرف عن بيئات أخرى. تظل الرغبة عند الإنسان للحصول على المعرفة والتعرف على فنون أخرى كالرحالة مثلا برغم أن المعرفة الآن أصبحت سهلة، لكن المعرفة من خلال الملامسة بمعنى لمس الأشياء يترك أثرا نحن نسمع ونقرأ، لكن تظل المعرفة باللمس هي الأدق بمعنى أن تكون في المكان نفسه .

 

– هل زرت اليمن في يوم من الأيام، وما هي المناطق أو المدن التي تحب زيارتها ؟

والله كان في ذهني أني أزور اليمن بعد عام 2011م بعد التقاعد، والذي حصل أن تقاعدي تأخر إلى 2016م، والأحداث التي حصلت لا تسمح أبدا لا عندنا ولا في اليمن. أعرف عن اليمن الكثير تقريبا جميع محافظاتها وخمسين في المائة من مديرياتها، أنا حاولت أعرف عن المدن اليمنية شوارعها حتى أسماء محلاتها وخاصة عدن، والحديدة فيها لهجة جميلة خاصة بها، كذلك المهرة لها لغتها الخاصة والمدينة البدوية مأرب، وحضرموت التي كان لها تأثيرها في حياة اليمن خاصة الهجرات التي حصلت إلى أندونيسيا والهند.

في أندونيسيا لا يزالون حتى الآن عائشين الجو العربي اليمني في الثقافة واللبس وكل شيء.

أنا تعرفت على كثيرين من خلال الفيس، وأغلبهم من سيئون وتريم والطويلة وشبام، والغالبية من عائلة الكثيري، وعبدات، هما عائلة من فرعين كانت سلطنة وهاجروا إلى المهاجر الأندونيسية .. إن شاء الله أزور اليمن كذلك أحب أزور السودان فيها أيضا تنوع وهي جميلة كأنها قارة متنوعة في التضاريس و الثقافات و الفنون.

 

– ذكرت لنا تقاعدك ما هي طبيعة عملك أستاذي العزيز ؟

أنا أعمل في الخرائط، وعمل مصطلحات لكل صنف من الخرائط سواء تعليمية أو سياحية أو إدارية الخ…

 

– أستاذي العزيز هناك قبائل يمنية كثيرة هاجرت من اليمن ومنها هاجرت إلى سوريا ؟

نحن أصلا قبائل رغم عدم اهتمام المجتمع حاليا بأمور النسب والقبائل، عندما أحببت التعرف على اليمن  قرأت كتابين لمؤرخ عراقي اسمه الدكتور جواد علي، عنده كتاب اسمه (تاريخ العرب قبل الإسلام)، من ثمانية أجزاء تقريبا مجرد أن تقول تاريخ العرب قبل الإسلام فهي اليمن بالتحديد، حتى اليمن الآخر الذي كان يمتد قديما إلى عمان إلى الجزيرة العربية إلى الأردن إلى بلاد الشام، ويمكن أبعد من ذلك في بعض العصور.. و قرأت كتاب لنفس المؤلف اسمه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، تقريبا من عشرة مجلدات، يتكلم عن القبائل العربية وقصائد قديمة، فأنا توصلت إلى أن قبيلتنا هاجرت من اليمن على أثر انهيار سد مأرب قبائل مضرية، بعد ذلك قرأت كتاب لمؤلف عراقي أيضا، وبحسب رواية هذا المؤلف العراقي أن قبيلتنا من زبيد، وهاجرت مع الفاتحين في فترة الفتح الإسلامي الأول بقيادة فاتح الجزيرة السورية، التي تمتد إلى العراق واسم هذا القائد عياض  بن غنم سنة 18 هجرية 626 م .. كان العرب يسمون ما بين النهرين دجلة والفرات بالجزيرة العليا، وتعرف الجزيرة تاريخيا أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: ديار ربيعة، وديار مضر، وديار بكر. وهي نسبة إلى القبائل العربية مضر بن نزار بن معد بن عدنان وبكر وتغلب و وائل بن ربيعة بن معد بن عدنان التي نزلت الجزيرة قبل الإسلام، فعرف كل من بهذه الديار باسم قبيلة، وكانت مدينة الموصل على نهر دجلة أجمل مدن ديار ربيعة، وكانت مدينة الرقة على الفرات قاعدة ديار مضر.

وأما في الشمال  أكبر المدن  ديار بكر، وهي الآن تقع ضمن تركيا.

 

– على ذكر الهجرات اليمنية أستاذي الكريم، نحب أن نتعرف من خلالك تأثير الأغنية اليمنية في دول المهجر، ماذا تعرف عنها خاصة في الهند وانتقالها إلى دول أخرى ؟

هناك عدة كتب ومقالات كتبت عن فنان يمني، كان  في بومبي اسمه عبد الرحيم اليمني، وشاهدت أفلام وثائقية إنتاج البحرين، لا يوجد تطرق لهذا الموضوع نهائيا عن دور عبد الرحيم اليمني، بينما هناك فنان من البحرين يذكر في مقابلة أن هناك في الهند مطرب اسمه عبدالرحيم اليمني، وكان  يغني في مقاهي على سواحل الهند، وهي استراحات  للبحارة العرب، هذا الفنان البحريني اسمه محمد فارس يحكي أنه ذهب إلى سواحل بومبي لتعلم الغناء، فتعلم  من عبدا لرحيم اليمني عدة قصائد، وكان يذهب ويتعلم، ثم يعود إلى البحرين، و فيما بعد شاب بحريني اسمه محمد زويد، أيضا أحب تعلم الغناء اليمني، فذهب إلى سواحل الهند والتقي بالمطرب عبد الرحيم اليمني، فقال له عبد الرحيم أنت جئت تتعلم و محمد فارس جاء يتعلم فسبقني ولو يرجع الهند سيتفوق عليّ.

لكني سأعلمك وسأزيدك على ما علمته لمحمد فارس، فقال محمد زويد علمني عبد الرحيم اليمني الغناء وأعطاني كتاب بخط يده فيه قصائد يمنية هذا كان عام 1928 – 1929 م تقريبا، فكان معه قصائد أكثر من محمد فارس، وهذه هي نشأة جديدة لأغنية الصوت في البحرين أولا، وثم  انتشرت في الكويت، وكان محمد زويد يذهب إلى العراق لتسجيل الاسطوانات توفي عام 1982م، صادفني أن شاهدت مقابلة تلفزيونية، وسجلتها يومها يذكر الفنان محمد زويد أنه راح على الهند وتعلم عند عبد الرحيم، فالمذيع يقول له عبد الرحيم العسيري وأن نشأة الصوت نشأ في الخليج والفنان محمد زويد يقول له عبد الرحيم اليمني، أنا لاحظت من القصائد التي تُغنى قصيدة اسمها (لك البشارة ملكت القلب ظاهر وباطن فاحكم على ما تريد) هذه قصيدة لشاعر من “الشحر” اسمه عبد الله باحسن جمال الليل، كان هذا بداية القرن العشرين، هذه الأغنية يغنوها بالبحرين، فيمكن هذه الأغنية انتقلت من الشحر عن طريق الناس الذين ركبوا البحر، وأريد أعطيك معلومة عن عبد الله الفرج والده من حضرموت، كان يعيش في الكويت وذهب إلى الهند، وهو رجل غني جدا لديه أعمال كثيرة، وابنه عبد الله يحب الفن، وهو شاعر متمكن في الشعر النبطي توفي بالبصرة.

 

– نريد منك أستاذنا الكريم تعطينا فكرة عن فن الصوت ؟

– فن الصوت بدأ في البحرين وفي الكويت وبعموم الخليج، ومركزها في البحرين وانتشر في الكويت إعلاميا أكثر، عندما يقدموا المطرب في الخليج يقولون سنسمع الصوت كذا و لا يقولون سنسمع أغنية في رأيهم أن اسم أغنية لا تليق بفن الصوت، فكلمة الصوت أسمى وأرفع من اسم الأغنية، هذا الفن فن الصوت بدايتها قصائد صنعانية، مثلما قلت لك في كان شخص اسمه عبد الرحيم اليمني، و في قصيدة صنعانية يغنيها الفنان فيصل علوي على لحن الصوت هذه القصيدة هي حمينية صنعانية، تقول كلماتها:

“يا جزيل العطا نسألك حسن الختامْ

فرج الهم وأكشف مضيقه

واجعل المصطفى شافعي يوم الزحامْ

يوم يفر الشقيق من شقيقه

المعني يقول في هوى سامي القوامْ

قد تحملت ما لا أطيقه”

محمد بن فارس، والضاحي بن وليد، ومحمد زويد، هؤلاء الأسماء الثلاثة يعتبروا أساطين الغناء في فن الصوت في النصف الأول من القرن العشرين، فيما بعد جاء عوض الدوخي له دور قدم قصائد جديدة، أيضا عبد الحميد السيد قدم أغنية لعبد الحليم حافظ (يا هلي يا هلي)، عندما زار عبد الحليم الكويت عام 1967م، فأقترح عليه عبد الحميد السيد تقديم أغنية من أغاني الكويت (يا هلي يا هلي)، وهي من أغاني الصوت و فن الصوت في آخره تقفيلة تكون من قصيدة أخرى، وبدايته إيقاع ثقيل طربي أصلي، و في لون صوت شامي وعربي وصوت يماني و صنعاني، الذي يتعمق بالفن يميز بينهم، هناك ثلاثة أو أربعة أنواع من أغاني الصوت، و الذي يسمع أغاني الصوت والدان الحضرمي والغناء الصنعاني يصير عنده متعة ونشوة بالسمع ممكن ما عاد يعجبه أي غناء آخر.

 

– هناك أغاني يمنية انتشرت خارج اليمن، لكن للأسف الشديد لم يذكر أصحابها وبعضها نسبوها لبلدان أخرى على سبيل المثال لا الحصر مثلا (وا ساري سرى الليل) لعوض أحمد ؟

أنا شاهدت برنامج تلفزيوني بالأردن من فترة قريبة كانوا يتحدثون عن أغنية (وا ساري) الشخص الأردني بيعطي معلومات لفنان شاب مصري أسمه حمزة أن هذه الأغنية أردنية، وكانوا يغنوها النور بتشديد النون، وبعدين اشتهرت عالميا نسبوها للأردن، وهناك أغاني يمنية مؤخرا استخدموا ألحانها في كنيسة مصرية وأضافوا كلمات تناسبهم وغنوها باللهجة اليمنية .

– نعم نحن نعتز أن نسمع أغانينا تغني بأصوات أشقاء عرب، لكن ما نتمناه الإشارة إلى البلد أو الفنان الذي لحن أو الكاتب الذي ألف من باب الإنصاف أستاذي الكريم هذا الشغف والعشق اللامتناهي بالتأكيد قادك للتعرف على شخصيات يمنية بشكل مباشر، هل التقيت ببعض الأسماء اليمنية من الأدباء أو الفنانين ؟

 

بالصدفة قرأت قصيدة للشاعر على بن علي صبرة، ومكتوب أنه زار مدينة معلولا فذهبت إلى السفارة اليمنية أسأل عنه، فقالوا لي أنه من أعضاء السفارة، فدخلت سلمت عليه وما أستغرق اللقاء إلا دقائق، وهذا صار عام 1993م، وفي عام 1994م كان هناك أمسية شعرية له ولثلاثة من الشعراء انتظرت حتى انتهت الأمسية، فذهبت وسلمت عليه وسلم عليّ بحرارة الرجل، فقلت له أحتاج كتاب (ترجيع الأطيار بمرقص الأشعار) للأنسي، قال لي أتوقع موجود عندنا،  قلت له لو في كتب من اليمن ممكن أستعيرهم أصورهم أو أكتبهم بخط اليد وأرجعهم، فقال لي هذه الأيام نحن مشغولون بالطلاب، تعال لي بعد عشرين يوم، فيما بعد ما عاد زرته، وذات يوم وأنا راكب الحافلة تعرفت على شخص يمني، عرفته من ملامحه فتحدثت معه فعرفني بنفسه، وقال أنا الملحق الثقافي في السفارة اليمنية، انتهت فترتي فقط منتظر أولادي يكملوا العام الدراسي وأعود لليمن، وكان ذاهب إلى حلب، وصلنا المغرب وكان الجو ممطر في شهر نيسان، فقلت له أخي الكريم تحدثنا في الطريق وأخذت فكرة  تحب تروح معي إلى البيت، قال لي والله مشغول جئت زيارة لطالب قلت له تحب تجلس عندي تبقى ساعة ساعتين أو تجيب عائلتك تزورونا،  وتناموا عندي نحن بعيدين عن عادات المدنية.. ألمهم  أخذته إلى البيت الله يرحمها والدتي رحبت به ترحيبا حارا، لأنها تعرف أني أحب اليمن، وهذا ضيف يمني جلس  الرجل عندنا حوالي ساعة أو أكثر جهزنا له عشاء بسيطا جدا  على السريع، وشاف اهتماماتي على الواقع، فقال أنا ما أتوقع أن ألقي واحدا في سوريا مثلك نهائيا، لا أتخيل هذا أنت بسوريا، وعندك هذه الأشرطة، وشاهد المسودات التي أكتبها وبعض الكتب فخرج مسرورا جدا، وطلب مني أن أزوره في دمشق فزرته فيما بعد وتغديت عنده، فقال لي أريد أن أعرفك بشخص، فقلت له علي صبرة، فقال نعم ،قلت له لقد قابلته من قبل وكنت محتاجا لكتاب لم يؤمن لي إياه فقال لي أنا با جيب لك أي كتاب تحتاجه حتى سأرسل لك من اليمن أي شيء تحتاجه أنت إنسان تستحق الكثير فشكرته .

 

– نحب نعرف اسم الملحق الثقافي اليمني الذي تعرفت عليه ؟

اسمه عبد الغني العمراني، وأتذكر مرة أخرى قرأت في جريدة مقابلة للشاعر عبد الله غدوة الله يرحمه، ذهبت سألت عنه في مركز الجريدة، فقالوا لي أن اللقاء من فترة وهو جاء إلى سوريا للعلاج، وعملنا معه هذا الحوار ، وما كان لي نصيب أن أشوف عبدا لله غدوة الله يرحمه .. فترة ما قبل عام ألفين تعرفت على طلاب يمنيين أزورهم ويزوروني، أظل على تواصل مع اليمن بشكل أو بآخر، وصديقي الشاعر أحمد علي النصري صاحب أغنية (دق القاع) أرسل لي أشرطة لفيصل علوي، والذي أرسلهم من دمشق إلى حلب الشاعر أحمد سيف ثابت، فذهبت إلى الفندق للقائه وللأسف وجدته غادر، وذهبت إلى السفارة أسأل عنه فقالوا لي جاء لمعالجة زوجته ثم سافر، بالنسبة للفنانين للأسف لم ألتقِ بهم وجها لوجه سوى سلامات وتحيات من الفنان محمد سعد، والفنان طه فارع،  وأتذكر عام 1991 م بالصدفة كان هناك لقاء مع إذاعة دمشق مع الأستاذ نزار غانم، وخلال الحديث ذكر أنه في جامعة صنعاء، أنا أعرف أن نزار ابن الدكتور محمد عبده غانم، و أيضا أسماء باقي أبناءه،  من خلال قصائد  في الديوان لأبنائه  فأرسلت له رسالة وتفضل هو بالرد وأرسل لي صورته وعند انضمامه حاليا لمنتدى شبكة تاج النهار ذكرته بذلك.

 

– أستاذي الكريم أجزم بأنك تحمل قلب شاعر وإحساس فنان مرهف، هل يا ترى تمارس الغناء أو تكتب الشعر ؟

كان عندي أصدقاء يحبوا الثقافة والفنون، فكنت أكتب أحيانا بعض القصائد، وكانت تعجبهم الصور الشعرية التي تخطر على خاطري  كانوا يصححوا لي الوزن، وأرسل بعض القصائد القصيرة للإذاعات، للأسف ما احتفظت بهذه الأشعار، بعد ذلك انتقلت إلى دمشق، وما فيها صحبة ثقافية كما في حلب حاليا رح أقرأ لك قصائد من نهاية عام 1999 م كتبتها أيام الخطوبة:

قد سعدت برؤياك يا ملاك

ونسيت كل جميلة سواك

بشراك قد اخزت مني كل صفوتي

و ارضاني منك بسمة فاك

لم أستطع اخفاء حر اللهيب

حتى كأني لم أر سواك

هي نظرة منك ولا مثلها

قد اغنتني سيدتي فما أغناك

يا لك من حلو الحديث سيدتي

قد أصم لساني حين رآك

وأصبح القلب أسير يداك

ترفقي به بيمناك و يسراك

 

هذا نماذج آخر كتبته عام 1999م:

نلتقي وما أجمل اللقاء

ساعة لنا كلها هناء

قد جئتك وهذه أشواقي

لأميرة عشقت اللقاء

كيف أنسى بسمتك

وهي لذاكرتي الضياء

الليلة ألقاك أميرة

تحلت بأحلى رداء

أمد ليديك يدي

و أخفي خجلي و الحياء

آه كم كنت نائية

قبل أن يطيب اللقاء

ما أجملك و أنت كالبدر

وأين منك بدر السماء

لحظة تمناها منك قلبي

و بقربك استطاب البقاء

يا حلوة الوصل واصلي

مشتاقا وقد عناه الجفاء

أميرة وما أحلى الأميرة

أن كان نونا بدل الراء

 

– جميل أستاذ مصطفى.. يبدو أن  هذه الكتابات نابعة من تجربة حية ؟

نعم كتبتها لأم الأولاد.

– ربنا يديم المحبة بينكما، هل ستسمعني كتابات أخرى؟

هناك قصيدة أخرى  قلت فيها:

يصغي القلب لصوتها الفتان

و الهمس منها عذب المعاني

هي وحدها تسرق صمتي

وتأخذني بعيدا عن أشجاني

كم سقتني من هواها

وصال عذب قد أفناني

كأن الروح حين تدنو مني

كأنها في حالة الطيران

وانظر إلى عيناها حائراً

يا لها من نظرة بلا ترجمان

فيها عذب المعاني تناديني

ومن نداها القلب هاني

يا ساقية المحب شهد الحب

أسألك الحب ولا شيء ثاني

كم شعرت بالنشوة تسري

بدمي حين لامست البنان

هدأت مني كل نسمة

ومال القلب كميل الأغصان

 

وقصيدة أخرى اسمها لقاء قلت فيها:

 

تلاقينا بلا وعد الثلاثاء

ألقينا لقاء الداء بالدواء

ورأيتك كما كنت أتمنى

أن تبعث للنفس الضياء

ابرأت مهجتي من العيون

التي ناديتي رد النداء

ونسجت على خديك قبلاتي

مشتاقاً لدرر تحت الرداء

و شامة سال العسل منها

وسال مني صفة العقلاء

قد أذابني حلاوة العسل

و افناني وفعل بي ما يشاء

 

–  الله ما أجمل هذه الكلمات والمشاعر الصادقة، لقد أخذتني إلى عالمك الجميل عالم الحب والجمال انعكاسات هذا الحب على حياتك أستاذي الكريم ؟

انعكاسات هذا الحب وهذه العلاقة كتبنها في هذه الكلمات بعنوان باهي المحيا، قلت فيها:

 

باهي المحيا روحي و ريحاني

طيفك حاضرا اسالي اجفاني

فداك قلب قد هوى فيك

خير الهوى يا أمة الرحمان

قد كنت لوحدي تائها

بين تلك الأمواج و الشطان

حتى سمعت صوتك مناديا

في لحظة طابت لها الاماني

طويت كل السنين السود

و طويت الاسى وكل الاشجاني

وددت لو أنني لو أنني

أمنحك الروح و صدق إيماني

جمعنا جل اسمه وتبارك

وإلى الفضائل فيك أهداني

 

– محصلة هذا الحب أستاذي عائلة كريمة يسودها المحبة والتفاهم كما يتجلى ذلك في حديثك وكلماتك كم لديك أولاد ؟

عائلتي تتكون من أربعة أفراد ثلاث بنات وولد. البنات إسراء في سنة ثانية معهد متوسط،  وسبأ سنة أولى رياضيات، أبها في صف تاسع، وسيل العرم صف سادس .

 

– حتى مسميات الأولاد فيها دلالات لتسميات يمنية ؟

نعم عندي سبأ وسيل العرم و أبها .

 – هل انعكس اهتمامك بالفنون على محيطك الاجتماعي الصغير ( الأسرة والأولاد) ؟

بنتي اسراء كانت في الصف السادس طلبت عود، فرحت فورا اشتريت عودا، وكان عندي صديق دربها لمدة ثلاث سنوات، معدل درسين في الأسبوع ، هي ما تأثرت بالفنون التي أحبها ظلت عائشة في جو سوريا ولبنان، ولكنها ظلت متعلمة فقط، عندي أيضا بنتي سبأ كانت تهوى الأورج، فذهبت واشتريت واحدا جيدا وغاليا،  وآخر زهيد الثمن، قلت لها تعلمي على هذا والآخر اتركيه حتى تجيدين العزف، بدأت تهتم ثم أهملت.. أنا أحب أن يتعلموا ثقافة الفن وأن يختاروا الجودة، لأن الفن يسموا أو يفسد الأخلاق، وهذا الجيل يتأثر به عندك فنان يظهر في ثلاثة أشهر ويسمونه فنان عالمي، من خلال الإعلام، وهو لا شيء، وفنان له خمسين سنة يغني مش معروف.. مرة زارني أحد الأشخاص وشاهد شريطا للسنيدار مكتوب عليه رقم 41 فسألني هذا الشريط رقم 41 لهذا الفنان، من هو يا ترى  قلت له لن تعرفه، فهذا شيء مؤلم حقيقة، وهذا كله بسبب الإعلام.

الفن في الخليج فترة الثمانينيات كان فنا راقيا جدا، عوض الدوخي حصلت له على مجموعة كاسيتات أيضا، عبد الكريم عبد القادر، و حصلت على شريط واحد لحسين الجاسم وعبد الحميد السيد، ما قدرت أحصل على أشرطة له، تصور هذا الجيل القديم الذي كان يقدم فنا راقيا ما اشتهروا على نطاق واسع أوبريت مذكرات بحار لشادي الخليج حصل على الميدالية الذهبية في اليابان، ربما الآن من يعرف هذا الأوبريت مثلا، و طلعوا فنانون جدد فنهم أقل قيمة اشتهروا وأهتم بهم الإعلام، هذا هو دور الإعلام الذي لم يهتم بالسابقين، الأمر لم يأتِ صدفة.

 

– تقصد أن المسألة ممنهجة أم هناك قصور ؟

الإعلام سطحي خاصة القنوات البارزة ما في تقدير للمعرفة يقدمون الترفيه، وكل ما يقدمونه  يعتبر النموذج الأفضل عند الشباب لتلقي المعرفة.

– ما هي هواياتك الأخرى أستاذ مصطفى؟

عندي هواية الخط والرسم، وكذلك الاحتفاظ بكل المقتنيات أو الأشياء التي تصلني كالبطاقات البريدية والطوابع والأشرطة، ربما يصل مجموع الفنانين عندي إلى خمسة ألاف فنان، كذلك الأفلام الوثائقية ومكتبة متنوعة .

 

– تقييمك لمستوى الأغنية اليمنية اليوم مقارنة بما كانت عليه في الفترات السابقة ؟

حاليا توجد أصوات شابة متميزة تستطيع أن نقول الفنان فؤاد الكبسي آخرهم ،اعتبره فنان جيد سجل أغانيه بالموسيقى، ويوجد فنانون شباب كثر، لكن الإعلام لا يظهرهم.

معظم الفنانين الشباب أنا سجلت أعمالهم ومقابلاتهم لكني لم أهتم كثيرا كما كنت أهتم من سابق مثلا عندما كنت أسمع فيصل علوي أحب أعرف المزيد .

– هل تعني أن هناك تراجع وانحدار في مستوى الأغنية ؟

من الطبيعي في هذه الظروف أن ينحدر الفن عموما.. في فنانين جيدين بإمكانهم تجاوز حدود اليمن، أقصد أي فنان يقدم شيئا جيدا، ويهتم بتسجيلاته مع اهتمام إعلامي في بلده سيجد نصيبا من الشهرة خارج نطاق بلده، الإعلام بده حرفية مثل الإعلام اللبناني أو المصري .

 

–  أسعد اللحظات متى تعيشها ؟

أسعد اللحظات هي السعادة و المودة بين أفراد العائلة والأصدقاء المقربين، وتقديم المساعدة لمن يعايش الضيق أو يعاني من أزمة ما، و أيضا أسعد اللحظات زيارتي لبعض الأصدقاء في المحافظات البعيدة سنويا فترة الصيف خلال أسبوع كنت أتنقل من خمس إلى ست محافظات.

 

– متى تحزن ؟

إن المتفائلين و المتشائمين ينظرون للحياة من خلال الأحداث التي مرت على بلادنا من سيء إلى اسوأ، و جيلنا و الجيل السابق كانوا جيل متفائل، لكن نحن الآن أهل التشاؤم جيل التشاؤم جيل المصائب و النكبات و الهزائم و الكوارث.. رغم نضوج عقولنا واستعمالها بشكل سليم في تفسير الأحداث، و عجز هذا العقل في زحزحة ذرة تراب من مكانه في النتيجة الحزن يسيطر علينا في أغلب المجتمعات العربية، نسأل الله سبحانه و تعالى أن يستبدل حزننا سرورا .

ـ ماذا تعني لك هذه الكلمات( الحب) ؟

الحب و ما الحب ما أصغرها من كلمة و ما أشدها تأثيرا على الإنسان، الحب وعاء واسع مملوء بالسرور و الحبور، أو الحزن و الخيبات التي تلازم الانسان، بعد نتيجة امتحان الحب الإنسان لا يستطيع أن يعيش الحب الصحيح ما لم يعلم ما الحب، و ما قيمة الحب، و نلاحظ في عمر المراهقة الحب من أول نظرة أو أول كلمة،  ثم بعد المراهقة يختار الحب أن يكون في القلب، وفيما يسمو الحب بالانتقال إلى العقل لينضج في صناعة لغة الحب ولغة صاحب العقل في تقدير هذا الدفء الإنساني و المشاعر النبيلة في حياته.

 

–  الأصدقاء ؟

الصداقة كنز من الكنوز و مشاعر تغمر القلوب بالسعادة، حين يتذكر صديق أو يتذكره صديق في أيام العسرة مثلا طوال حياتي لدي أصدقاء من أجيال مختلفة، و حين كنت طفلا بعمر 6 إلى 10 سنوات أتذكر تلك الأيام كنت أحب إمام وخطيب المسجد في القرية، وكنت أزوره في البيت و ألقى منه كل الترحيب و التقدير و أنا طفل صغير.

و أيضا هناك صديق كان يزورنا و أزوره ومعروف بلقب الشمري و الشمري هو طريف في أحاديثه عموما،  خلاف الخطيب الذي كان مجلسه رزين و أحاديثه في الغالب قصص و أمثال و عبر، وكل من ذكرتهم أكبر من والدي في السن.

أتذكر قصيدة للشمري في وصف الفقر:

إلى الورا  إلى الورا

إلى الفطور شوربا

و للغداء مجدرة

العدسات سرقة

و البرغل شحادة

والزيت نشترة

= = =

البنطلون قد اهترى

من قدام و من ورا

قومي خيطيها يا مرا

هذا شغل الفقرا

 

– ماذا تغني لك الزوجة ؟

الزوج كلمة مفردة تحمل معنى الاثنان

يعني جزء مكمل للآخر، أو ولادة جديدة للإنسان في محطة من محطات الحياة، والإنسان بدون زواج كما الذي يسجن نفسه في عالم من المرايا لا يرى إلا صورته في كافة الاتجاهات.

إن من سعادة الإنسان بناء أسرة تبدأ بالزوجة ثم الأبناء، و أهم شيء في هذا البناء حب الواحد للآخر و بث روح الإيثار في الحياة الزوجية، و تنازل كل طرف بأشياء من آثار البيئة أو العادات التي اعتاد عليها لتكوين بيئة جديدة و بالتأكيد من يملك الحب يزرع الحب ليجني الحب، و كما قال البردوني رحمه الله: “الأرض تتشقق أفواها تعب مياه المطر ثم تتعارك في داخلها لكي تضج بالخضرة”.

فالحياة مسيْرة دائمة و الإنسان أروع نماذج الحياة و أجر أسرارها.

 

– الطرب ؟

الطرب أو الفنون عموما جزء من حياة الإنسان أفكار البشرية عبر الأجيال تنسخ من جيل إلى آخر و يمتد بعضها من بعض لقيام بناء جديد بشكل دائم، و تربة خصبة تجمع مؤثرات الأفكار البشرية في كل الفنون، ولو تناقضت هذه الأفكار، و دائما الانسان الفنان معتاد على التفكير و تواق لمعرفة أفكار الآخرين، و شغوف بتلقي هذه الأفكار التي تجعله في حالة تأمل لتقديم تجربته أو استبدال الجميل بالأجمل، سواء في الأدب و الرسم و الشعر و الغناء و المسرح إلخ .. في مجال الغناء اليمني أو العراقي أو السوداني ودول أخرى بنسبة أقل نجد قصائد غنائية كثيرة تحكي مشاعر الناس، أو وصف حالة أو حادثة في حياة المجتمع أو الفرد، و من لديه الرغبة في معرفة هذه الأشياء المتعلقة ببعض القصائد يجعلك في حالة الانبهار في معرفة المزيد من ثقافة هذه المجتمعات.

 

– من هو الفنان الذي لا يفارقك صوته ؟

أول فنان أحببت سماعه من خارج بيئتي هو الفنان عبدالوهاب الدكالي، و لحد اليوم هو فنان مميز له أسلوب في التلحين و الأداء، و حتى حركة الجسد لا يستطيع ضبطها أثناء شعوره بنشوة الغناء أو نتيجة نشوة المتلقي للغناء، إنه فيلسوف في اختيار ما يختار من لحن أو شعر. أيضا أبو بكر سالم ومحمد جمعة خان و صلاح بن البادية و محمد الأمين من السودان ومحمد عبده و محمد زويد هؤلاء أحب سماع النسبة الأعلى من أغانيهم، و أيضا فناني الجيل السابق من العراق و أغاني لا تحصى لأكثر من ألف فنان أتذكر أغانيهم في أغلب الأحيان، وهم الأغلبية من فناني اليمن و بلدان أخرى كانت تصلني كاسيتاتهم لفترة حوالي عشرين سنة من أصدقاء أيام زمان .

 

– في نهاية هذا اللقاء كلمة أخيرة تقولها أو رسالة حب تهديها لمن تحب ؟

أتمنى أن نستعيد الثقة التي كانت مغروسة بداخلنا و أن لا نترك العجز و الضعف يعشعش في عقولنا أو يسيطر علينا.

يجب أن نفهم الحياة هذه الأيام كما هي لا كما نريد؛ حتى تطمئن عقولنا وأن لا ننسى ذاك العربي الذي في قبره و مازال صوته قويا في مسامعنا يتغنى بالفضائل و القيم النبيلة التي ضحى في سبيلها النفس و النفيس.

ختاما لا يسعني إلا أن أتقدم لك أستاذي العزبز مصطفى الحجو بعظيم شكري وامتناني لشخصك الكريم على اتاحتك لي هذه الفرصة الغالية على قلبي، وأخذ هذا الحيز الثمين من وفتك وسعة صدرك وأتمنى أن ألتقيك في أقرب فرصة يا رب في بلدك الثاني اليمن محبتي لك ولكل أفراد عائلتك الكريمة.

 

الفنان محمد بن فارس و الفنان محمد زويد ذهبا إلى بومبي لزيارة الفنان عبدالرحيم اليمني وحصلا منه  على قصائد صنعانية

  بالترتيب: حمد سنان   و راشد الحملي    و جمعة الطروارة

ثلاثة من بين مجموعة فنانين من مدرسة محمد جمعة خان

هؤلاء الثلاثة إضافة لحبهم لفن محمد جمعة خان كان لهم جهد

طيب في تسجيل النسبة الأعلى لأغاني محمد جمعة خان في الاستديوهات، وممكن أن تجدوا هذه التسجيلات في موقع شركة النظائر.

و للإسف لم يجدوا أي دعم أو اهتمام من الإعلام في الخليج أو اليمن، و انحصرت أنشطة أغلبية محبي محمد

جمعة خان سهرات في الديوانيات المنتشرة في الكويت.

صورة للأستاذ/ مصطفى الحجو مع أسرته الكريمة

الابنة الكبرى اسراء ثم المتوسطة سبأ، و على اليسار الصغرى أبها ،في الأمام نجله سيل العرم و زوجته الكريمة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: