إبراهيم الجرادي: الشاعر الذي استحم بامرأة. أو الشاعر الذي عاش شاعرا.

 

*محمد فائد البكري

(28)
أحبُّ اسمي مُضافاً إليك!

بقوة العادة صار الاحتفاء مديحا خالصا للموتى، ومناسبة لتذكر أيام عابرة، و حكايات يأكلها الصدأ.

ولأن الشاعر لايموت ولا تدركه شيخوخة الكلمات، تصبح كل قصيدة حياة، ويغدو كل حرف ملتقى دروب. وكل استعادة احتفاء.

عاش إبراهيم الجرادي بعيدا عن لهاث الصحافة رغم أنه عمل بها، وبعيدا عن مزاد العلاقات العامة وبورصة السياسة رغم أنه كان واسع العلاقات ويمارس سخطا دائما على السياسة.

وكان يستدير للفراغ بين وقت وآخر ليكتب قصيدة أو يطلق تنهيدة أو شتيمة عابرة للوالدين، أو يترجم نصا، أو يطلق لعنة ساخطة على زمن مضى، أو صديق من الخزف، مدركا أن قصيدته جزء من ذاته أو كما قال:

” لو عجزت لغتي لاستعرت من النار أثوابها ”

” أيها النائمون بقلبي، أفيقوا ..”

وكما ظل يواجه القصيدة خائفا، ظلت يومياته منقوعة بالكسل واللامبالاة تقطر مرحا فوضويا وصداقات غير مكتملة ولقاءات مبتورة، وأحاديث غائبة عن ادعاء الحكمة.

وغالبا ما تأخذ شكل النميمة الفنية والضحك الشامت بالنظريات.

وقد وثق ذلك الموقف شعرا:

” وثمة نقاد شعر هناك

ينامون في عرض موهبة

في إطار التعفف والزهد ( بالنقد) والمصطلحات “.

” كنا نكمل جولتنا في اللغة ولا نتوقف طويلا عند مقابر أفعالها، ولا نتلعثم إلا أمام الله أو القصيدة”

ويسأل الشعر مشدوها:

” لماذا أراك وحيدا على باب بيتي؟ ”

بمخزون وافر المرارة كان الجرادي غريبا ومغتربا يتحامل على وحدته ويهتك ستر الوحشة مستمتعا بقراءة الشعر وصداقة الشعراء الغرباء.

يعيش بفرح مذعور كما تقول إحدى قصائده، ويرسم بورتريهات لأصدقائه:

” منهم من لم يبتسم له الرب،

ولم تبتسم له الحكومة.

منهم من أوقف خموله وخرج من القصيدة إلى الحياة.

منهم من يصطاد الذباب، ومنهم من يصطاد الناس.

هؤلاء هم أصدقائي!

لا ستائر على نوافذ غرائزهم “.

وبما تيسر له من كلمات تعيش الحياة كان يهزأ ببروتكولات الفصاحة، ويسخر من كل عبيد المعنى ومن زبائنهم ومتعهدي حفلاتهم،  ويعيش مواكبا لرؤيا الشعر كما يتخيله ابن الحياة استجابة حميمة لمعاناتها كما قال عنه الشاعر الدكتور عبد الوهاب المقالح.

بتلك الرؤية بقي يتعاطى  همومه ويعبر عنها، فكان في قرارة نصه كما قال على لسان نجيب سرور:

” أنا من رماد البيوت القديمة “.

لا تحاول القصيدة التي يكتبها أن ترفع نبرة حزنها ولا أن تستمد من الصخب ما تغطي به فقر الخيال وهشاشة الرؤيا، لم يتردد ولم يأنف من أن يأخذ إحساسه بالشعر من أقرب فكرة، فمثلا يقول في إحدى قصائده وهو يرثي أحدهم:

” كان رحمه الله يعتبر ذكورتنا أبشع ما فينا”.

أو يقول في قصيدة أخرى:

“دائما تحمل جدارين،

جدارا بنيته،

وجدارا سيقع عليك”.

أو يقول :

“أنثى تنام على شخير عشيقها

يا رب ما هذا الحداد؟ ”

أو يقول:

“وضعت القبيلة طفلها في المدينة ولم تعثر عليه حتى الآن ! “.

أو يقول:

“قال لي صديقي الحكومي: لتهدأ على الأقل، وقال لي:

إنه حزين، دائما يقول إنه حزين .قادته العادة القديمة ليقول ذلك”.

منذ أصبح يعرّف نفسه أمام نفسه بالشاعر، أدرك أن مرآته لا تتسع لليأس والقلق والشتات و أحقاد الإرشيف، وكانت الرصاصة التي قتلت أخاه قد قتلت فيه كل أسف على الأمس وكل أمل في تحدي العدم، وكل خشية من اليوم التالي، وكل رغبة في إنتهاء صلاحية الليل.

وفي ذلك يقول من قصيدة متاريس للشغب التي أهداها لمحمود الجرادي:

” وانصرف كهواء الغابة بعد أن سلمني جريرة الموت وعبء احتمال النقيض

وعبثا…عبثا كنت أحاول أن أصل دمي بجراثيمه ويدي براياته؛

ارتديت عقله سلاحا وصرت، بعد ذلك، لا أعرف القصيدة إلا كذلك” .

منذ تلك اللحظة التي امتدت عمرا حاول إبراهيم الجرادي أن يهرب من الذاكرة فوقع أسير الشعر، وتمددت الأيام وجعلت منه شاعرا يكتب قصيدة مشاغبة ويجمع شمل الكلمات بمواجهة شتات الأحلام.

ويقول:

” اترك أحزانك تلعب بين الأطفال،

فإنهم إن عرفوك يقتلوك

ويدخلوك ثقب الإشاعة “.

 

كثيرا ما ظلت مخيلته محايدة مع الإيقاع، تكسره حينا وتنتصر له حينا، مخيلة جريئة في تدمير التوقع.

ودائما ظلت مستنفرة ومهيأة للمباغتة وفضح المجاز، وتعرية المعجم من سلطة الإحالة، وسطوة السياق. فمثلا يستخدم الإسناد على غير المألوف فيقول: امرأة كثيرات، كما في قصيدته المسماة ” امرأة كثيرات يا إلهي”.

ويستخدم التعبير نفسه في قصيدة “هذه الأوقات السعيدة” فيقول:

” معي الظلمة والشمعة وسر الكون.

ثمة رجل مجنون ينام في داخلي،

يمنع الأنبياء من الاستيقاظ

ثمة امرأة كثيرة لاتنام،

الاثنان يتشابهان

يعيشان داخلي، ولا يعرف أحدهما الآخر! “.

ويقول في قصيدة ” صورة جليل بن حيدر بالأبيض والأسود”:

“لكن في القلب ما يوجع الله

وحدنا رمل هذي البلاد، هزائمها، ربما

بعض حكامها، ربما، ”

كنت أعرف إبراهيم الجرادي من سنوات بعيدة معرفة فوتوغرافية وأكثر من مرة قرأت مجموعته المعروفة: رجل يستحم بامرأة ” . ونادرا ما تحدثنا في لقاء عابر تيسره الدروب.

لكن مرات قليلة تيسر فيها اللقاء به بعد ذلك جعلتني أعرف جيدا كما كان رجلا كثيرا، وكم كانت معرفته بالشعر وأهله تجعل كل لقاء مليئا بالحكايا والرؤى.

 

وبسبب تلك البشاشة المكتنزة بالهوامش كان اللقاء به دائما موصولا بما قبله حتى وإن كان اللقاء الأول، فهو ممن يشعرونك بأن زمنا سابقا قد جمعكما بصيغة ما.

وربما لكل ذلك لم يكن خبر موته عرضيا أو عاديا، فقد وضع سؤالا هائلا عن معنى الحياة. وما يبقى من معناها بعد مغادرة الجسد.

وفي الأيام القليلة قبل النهاية كانت تلك اللقاءات بإبراهيم الجرادي لقاءات بشخصه ونصه تأخذ منحى التعالق النصي بزمنه وحنينه وتعبه.

أو كما قال في قصيدة “مملكة الشكوك القديمة”:

“لقد حملوك الخطايا لأنك بعض الذي يكرهون

وأنت الذي كنت فيهم تحارب عصرا من الذل فد كرسته خطايا الحشود! “.

كما قال عن أحدهم “عاشق مزمن”. ظل يكبر شيء بأعبائه وتسافر في اللغة العربية أخطاؤها”. وكما كان في قصيدته كان في حياته مزيجا من الحياة والكتابة. يصرخ عاليا:

” أرسم، اليوم، بعض العذاب الجميل

ثم أعطيك شيئا له طعم قلبي

وأعطيك من ساعدي ولها وغيوما

فاجعلي من ظنوني كتابا “.

وكثيرا ما كان كأنه لم يكن، وقد كان السلام عليه يدفعه للحديث معك عن نفسك وعن اليمن، وقد كانت اليمن قوسين كبيرين لا ينفك يفتح أحدهما ولا يغلق الآخر.

كان عروبيا بمعنى ما، وشاعرا يؤمن بمأساة أن تكون عربيا، ويساريا بدرجة ما، وشاعرا يحشر في جهنم اللعنات أهل اليمين وأهل الشمال على السواء.

ورغم تعدد ما كتبه الجرادي وما ترجمه وما اختاره وقدمه من أشعار الآخرين فإن الدراسات التي اعتادت الجري وراء الإعلام وتفضيلاته لم تنتبه لمنجزه ولم تعنَ بلامبالاته.

لاجدال في أن إبراهيم الجرادي كانت قصيدته كونشرتو التعب.

ولقد عاش موهوباً في تربية الأحلام وتدجينها، ولكن جانبا من شخصيته ينجح دائما في ترجيح كفة صداقته وكسب رهان حبه، فالرجل الذي نسي كثيرا أنه شاعر لم ينس أن أصدقاءه شعراء وكثيرا ما أشاد بهم، وأظهر حماسا نبيلا في تنقية كلماتهم من غصص الغربة، و هجير اليأس.:

” أؤثث هذي القصيدة بالحزن،

أغلق باب التفاؤل في وجه أصحابه، وأسلم

آي الظنون إلى لغة النائمين”.

وأهمية قراءة الجرادي شاعراً بقدر أهمية معرفة ما تعانيه قصيدته التي ظلت مسيجة بالألم والسخط  واليأس الذي قال في تعريفه:” اليأس: أمل يستنسخ أوصافه”.

وفي قلب تلك القصيدة كان يحطم الحدود بين الأجناس ويؤاخي بين الأشكال غير عابئ بمراسيم النقد، وسدنة التقاليد. وبعزوف واضح عن الصفات العابرة ورنين الأوصاف عموما، ظل خارج الوصايا يكتب ويسمي نصوصه ريبورتاجات شعرية، نصوص تشكيلية، قصائد وهموم، كتابات…الخ.

وأي قراءة لكتاباته تجبر القارئ على أن يتخلى عن أناه، ويصغي لصوت القصيدة في ذاتها، مما يتطلب فك اشتباك نقدي، يعيد إلى القصائد ما لها ويعيد لشاعرها ما له وما عليه.

وبعيدا عن الاختزال أو الوصاية على النص، وفي قلب تلك القصيدة لاشك أن الفوضى هي أبرز ما يتجلى من  توصيف للشاعر الجرادي.

ونعني بكونه شاعرا فوضويا أنه غير معني بالتزام اتجاه محدد أو مراعاة قواعد معينة للسير، فهو كثير الخروج على تقاليد الكتابة السائدة.

وبإصرار وعناد ظل يجرب ويحاول النظر من زاوية الحياة وينجو بنفسه مرارا من لهاث الخيال، وإحداثيات المعجم.

ولا يوارب أنه متوفر على قدر فائض من اللاثقة بما يكتب وما يتمنى ومن اللارهان على ما يحاول، ومهموم بالبكاء على الذين يدعون أن الحقيقة ملك يديهم، يرى كل نصر هزيمة مؤجلة!:

“استعذبت رحلة يبقى فيها الحنين إلى الوطن يتيما “.

نصوصه تنزع للتمرد على نمط بعينه وتشتد في اقتفاء اللحظة، ولم تفلح الاكاديمية التي حمل منها لقب الدكتوراه في أن تضبط عنفوانه أو تكسب حرفه رطانة النقاد، كما لم تفلح الصحافة في تحويله إلى ترزي كلمات.:

” ودخلت باب الشعب سرا

مثلما دخل المهرج في الحكاية.

ورأيت أن الأسود الدؤلي مخصي بأفعال المديح

ورأيت مبتسما على الشاشات وجه مذيعة

تتعثر الألقاب عند حدود سرتها

ويصبح فاعل الأشياء مفعولا ” .

كان في حديثه مع الشعراء الشباب يشير إلى أن الشعر ينبغي أن ينسى كل أجداده ويواجه قدره أعزلا من النظريات، ونافرا من كل المقولات.

كان جرحه عميقا وينزف كلما سمع شاعرا هنا أو شاعرا هناك من شعراء الكذب الرسمي يتحدث عن الوطن أو يرسم خارطة الشعر على هامش جرحه. ويقول:

” السلام: بلاد

ستأخذنا لبلاد سنكرهها

ونخوط كلاما لها

لآلهة من طغاة

نظيفين

شبه نيام

نبادلهم وطنا بجحيم

وندعو لهم بالبقاء إلى آخر الحاكمين” .

وعلى ذرى يأسه كانت سوريا بما أصابها من دمار وحاصرها من حروب قد أجهزت على ما بقي له من ذكريات الصبا، وحنين المرافئ القديمة:

” أنا، الآن، شيخوخة الوقت، أرمي

توابيته بالبكاء، وأعلن أن البلاد التي لا تسمى بلادا،

تعادي القصيدة “.

بشهوة الضد ظل يقارع المتكافئات والنقائض، وكلما صادف أرضا للضد وأخرى للنسيان، كان يبحث عن الموت الديموقراطي كما هو الحال في مرثيته لغسان كنفاني ويعلنها:

” وطني المصنوع من شمسي/ هات الوعد/ شاخت عزة النسر

وضاعت في البيانات الدماء ”

” وهذا هو الشعر

يغزل شعبي حبلا، لأشنق هذي القصيدة،

أنثر روحي حيث الخراب ”

وكما اعترف في قصيدة آخر أخبار البرابرة أنه:

” روح مدلهم بالرضوص”

عاد بكامل غصته ليقول في قصيدته” محطة التعب الأخيرة:

” يا نخيل الشط والصمت ويا موسم حزني

هل تعرفت على العاشق

والمنفي

والمقتول

والباكي أنا ؟ ”

وبلا توقيت خرج و أغلق باب الحياة وراءه، هو الآن في حضرة نفسه، على موكب من رذاذ المودة والشبهات نجا من زمن النصوص الفاقعة، وطنين القصائد الخشبية، ولكنه بالتأكيد لم ينجُ من غصته بسوريا.

وفي قصيدته مأساة الرجل رقم “صفر” كان يوجز معاناته قائلا :

“غريب وبيني وبين الشآم غرابة دهر ”

ولشدة احتفائه بشهوة الضد ظلت علاقته بالحياة تستدعي مفردة الموت وتقحمها على جرحه، حتى غدت من أخص خصائص نصه المتشظي. وهو يجمع أجزاء إبراهيم الجرادي المبعثرة ويرعى الذئاب في بادية النعاس.

وبالسجال مع الذاكرة ومع المستقبل كان يحجز لخياله بين الذات والحياة منهمكا في رصد تماساتها وحراسة حدود الوقت الضائع. ويصرخ:

” جسدي يأخذ شكل الموت

والأرض توزع

وأنا ايضا، موزع

بين آلاف البيانات وأسماء المراثي العربية.

وأنا المدرج في قائمة الآتين

في غير الأوان.”

لم يهتم بإكمال شيء لأن الجدوى ليست على جدول آماله، وبإهمال بالغ كان يسرف في تحدي اشتراطات الشهرة وفنون تسويق الذات، وهو عين ما قاله عن سليمان العيسى: شاعر لا يتعثر بالألقاب.

وكما كان يرى إن الشعر ليس كلمات تقال ولا لعبا على حبال البلاغة، وانما فيض شعور، عاش شاعرا، وغادر جسده على نحو مفاجئ لأصدقائه ومحبيه ليترك معنى الأنا شاغرا، وينام خارج الحدود وجغرافيا اللغة.

ليس للكلمات في تأبين الجرادي أن تقول: إنه كان وكان وكان…

فقد كان كما قال:

” حين يبصر خوفا قديما يطارده

يرتضي بالنعاس؛

ثم تأتي إليه اللقاءات

أو تتنزل في بيته كالإشاعة “

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: