جدران شذى!

 

*محمد البكري

(34)
جسدي زنزانة مغلقة الأبواب

حتى آخر قطرة في علبة الرسم

ترسم في كل مكان؛

حتى على بيجامة نومي!

شذى ابنتي الصغرى

ترسم الجدران في كل مكانٍ،

وفي كل اتجاه.

ودائما ترسم الجدران بالأحمر،

وتلونها بما يشبه الدموع.

وكلما قلنا لها: هل هذا جدار مشروخ؟!

تقول: لا، هذا وطن.

أو شبه وطن.

شذى آخر أحلامي جميعا لا أظنها ترسم الجدران لتمنع الريح التي في خيالها من الدخول إلى اللون!

ولا أظنها تريد أن تضع مسافة بينها وبين أحد.

شذى التي ولدتها أمها قبل الأوان في لحظة قصف،

لم تخرج مذعورة أو صماء.

كبر ظل شذى؛ لكنها لم تسأل ولو لمرةٍ واحدة: لماذا ولدت!

ولا نظنها يوما ستسألنا بحقد: لماذا جئتما بي إلى هذا الخراب؟!

شذى ترسم كل شيء جريحا وخائفا

حتى الذبابة التي على حافة النافذة.

شذى رسمت بالأمس طفلةً مبتورة الساق خلف جدارٍ ينهار،

لم تكن تقصد الوطن!

ورسمت قبل الأمس جدارا عاليا يحجب الشمس الحزينة.

ولم تكن تقصد الوطن أيضا.

واليوم صباحاً رسمت جدارا واثقاً من نفسه جدا.

وأخفت وراءه ألعابها،

و صورتي و دموع أمها!

شذى لا ترسم الملاجئ ولا تخاف من الطائرات،

ولا تعرف شيئا عن حائط المبكى.

أحيانا فقط،

ترسم صورةً بلا رأس وتكتب عليها: الشهيد التالي بابا.

وأحيانا ترسم سيدةً جميلةً وتجعلها بلا عيون حتى لا تبكي على أبنائها القتلى.

ابنتي شذى تظنني لن أكبر مطلقا.

وأظنها كبرت قبل الأوان.

هي لا تعرف فارق التوقيت بين آلامنا.

شذى التي أظنها صغيرةً على فكرة الاستسلام.

صارت كل يوم ترسم العشرات من البشر، وتوقفهم بأيادي مرفوعة إلى الأعلى.

ووجوههم تتحدث إلى الجدران،

قلت في نفسي:لعلها تريد أن ترفع السماء قليلا ،

خطر ببال عفاف أنها تدربهم على الاستسلام،

خطر ببال شهد أنها تعاقبهم على الإزعاج في الفصل.

خطر ببال إيناس أنها تعلمهم فن التخلي عن كل شيء،

قالت أمها لعلها تريد أن تعلّم بعض الزواحف فن الطيران،

قالت ذكرى لعلها تريد أن تعلمهم كيف يديرون ظهورهم للمجهول.

لكن شذى قالت بكل حياد:دعوهم يرفعوا أيديهم إلى أعلى.

دعوني أعلمهم كيف لايصبحون أعداء.

هكذا سأتركهم واقفين حتى نهاية العمر؛

حتى لا تمتد أيديهم إلى قتل أحد.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: