اللواء حاتم أبو حاتم، مسيرةُ إنسان و غدر الزمان

 

ـ كتب: ياسر أبو الغيث

(6)
اللواء حاتم أبو حاتم، مسيرةُ إنسان و غدر الزمان

كثيراً ما أتردد في الكتابة عن أية شخصية ثورية، وطنية، إنسانية.. متوهج و مشرق حضورها في ذاكرة ووجدان هذا الوطن، أتردد خشية أن يرى الآخرون ما أقوم به نوع من المحاباة والتزلف والتودد المصطنع لتلك الشخصية بشكل خاص، حينما لا تزال تلك الشخصية على قيد الحياة، وأتردد أحياناً خشية عدم إعطاء تلك الشخصية حقها بعيداً عن النفخ والتضخيم أو الانتقاص والتقزيم، لكن من شخصية إلى أخرى تتفاوت هي القيم والمبادئ والتضحيات وهو ما أدى إلى أن يتلاشى هذا التردد بداخلي للمرة الأولى.

اللواء حاتم، الثائر الحق والقيادي السياسي المخضرم، والمناضل الجَسور، والمثقف الفذ الصادق والصريح مع زمانه ومكانه وطرائق عيشهما سياسياً، اجتماعياً، و ثقافياً بعيداً عن منطق القوة والغلبة، منطق القمع والقهر، متعظاً في صدق وصراحة موقفه هذا من تجارب العنف و إخفاقاته المتكررة في بناء وطن للجميع، نَعم اللواء حاتم الثائر الحق والحقيقي، إذ إن من يرفض التخلف والظلم والاستبداد والفساد ويرفض السلالية والجهوية والطائفية والمذهبية ويسعى دوماً وأبداً إلى إشاعة وتكريس المُثل العليا للإنسانية من عدالة اجتماعية ومساواة ومواطنة وديمقراطية إنما هو ثائر حقيقي بلا شك هذا ما تقوله فلسفة الثورة في كل زمان ومكان، وهو ما يتجسد في محطاته الكفاحية و مواقفه النضالية، و آرائه الجريئة التي أدلى بها في مقابلاته الصحفية والتي لا حصر لها في أكثر من صحيفة ومجلة!

ولد اللواء حاتم علي هادي أبوحاتم في 1946م

في قرية “تاجر” منطقة “نهم”–صنعاء، لأسرة شبه بدوية كما يصفها هو نفسه، تُعنى بالزراعة، أمّا في صغره فمارس رعي الأغنام، ونظراً لتواجد والده في فرقة الخيالة، أو ما كان يُعرف آنذاك (بالقوة الضاربة في جيش الإمام ) أتيح له التنقل بين القرية والمحافظة وهو ما ساعده في تعليمه المبكر، في طفولته كان متوقد بالذكاء والفطنة، بدأ تعليمه في “الكتاب” وهو مكان للتعليم التقليدي، ثم ألتحق بالتعليم الرسمي في 1959،فوراً انتقل إلى الصف السادس بناءً على اختبار المستوى، من ثم انتقل إلى المدرسة المتوسطة “الإعدادية” وهناك لم يحُل منصب والده في خيالة الإمام دون اشتراك التلميذ الشاب في مظاهرة طلابية بتاريخ 4 يونيو 62، هتف فيها: “تسقط الملكية، تحيا الجمهورية، عاش جمال عبدالناصر..”، وفي بواكير شبابه ونضوجه الفكري قرأ للبردوني وتأثر به كثيراً ومما قرأ له: “لماذا لي الجوع والقصف لك، يناشدني الحرف أن أسألك..”. ثم سرت حمى ثورية هذا البيت الشعري في عروقه مما دفع به إلى كتابته مائة مرة بخط يده وتوزيعه على زملائه في تعبير ناقم منه على الأوضاع حينها، تشبع مبكراً بمفاهيم الثورة وغاياتها الإنسانية النبيلة؛ إذ كان مستمعاً متلهفاً لأحاديث الشهيد محمود الزبيري، والتي كانت تذاع عبر إذاعة صوت العرب الشهيرة يومها.

ويوم قيام الثورة المجيدة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر (62 م)، تمكن من دخول قصر البشائر، وهناك وجد كيسًا كبيرًا بداخله ألف ريال “ماريا تريزا”، وأثناء الخروج به رآه أحد المواطنين وقام بطعن ذلك الكيس مما أدى إلى خرقه وتناثر تلك الريالات، هرول ذلك المواطن إلى جوار آخرين لالتقاط ما أمكن التقاطه من الريالات المتناثرة لم يتركوه إلا وبحوزته عشرين ريالاً لا أكثر، لكن ذلك لم يحزنه، إذ إن أحلام الثورة وتطلعاتها كانت أكبر بكثير من مجرد ريالات.

 

في اليوم الثاني للثورة، و دون علم والده ألتحق بالحرس الوطني، مكث هو وزملائه أسبوعاً يتدربون على استخدام المعدات الحربية، خلال ذلك الأسبوع تقاسم مع رفاق السلاح الجدد مشاعر الأخوة الثورية، والأحلام التطلعية، وتذوقوا معاً للمرة الأولى معاني الحرية والكرامة، بعد ذلك وعلى متن عربات متهالكة توجهوا إلى منطقة “حوث” ثم “العمشية” “فصعدة” دون أية مقاومة حيث هرب الملكيون، وأول عمل قاموا به، تحرير المسجونين من سجن “السنارة “حيث وأن أغلب أولئك المسجونين كانوا من المناهضين للإمام وسياساته، ظل في مدينة صعدة ثمانية أشهر ، اُصيب في إحدى المعارك، إصابته تلك جعلته يقابل المشير السلال رئيس مجلس قيادة الثورة رئيس الجمهورية والذي قام بترقيته إلى ملازم، يصف اللواء حاتم تجربته في مدينة “صعدة” قائلاً عنها: لقد تعلمت من خلال ثمانية أشهر جندية أهمية التخطيط واليقظة والحماسة والإقدام كعناصر رئيسية تصون حياة الفرد وكرامته.

بعد ذلك عاد إلى صنعاء و توجه إلى منزلهم في صنعاء القديمة، وبعد مراسيم الاستقبال والعناق، جرى بينه وبين والده ناقش حاد، حاول والده بمشاعر الأبوة العطوفة، منع ابنه عن التوجه إلى جبهات القتال، لكن كان رد الأبن الثائر على غير ذلك، إذ قال لأبيه: هي جمهورية إن انتصرت فهي حياة الحرية والكرامة لي ولك، وإن هزمت فالأفضل لنا أن نموت، بعد ذلك عاد إلى إحدى الجبهات، لكن فكرة والده في سحب ابنه من خطوط التماس كانت لا تزال قائمة، تواصل والده مع أحد القادة الميدانيين طالباً عودة ابنه، بدوره قام ذلك القائد الميدان بالتواصل مع الثائر حاتم مخبراً إياه بطلب والده الراغب في عودته إلى بيتهم، هنا بروح المحارب المقدام، رفض الثائر حاتم هذا الطلب، ولم يكتفِ بذلك بل قال لذلك القائد أرسل له برقية أخبره فيها أني استشهدت وجثتي دفنت مع الشهداء، وهو ما قام به ذلك القائد، وعندما تلقى والده خبر استشهاد ابنه قام بمراسيم العزاء، بعد شهور قليل عاد الثائر حاتم إلى منزلهم ووقف أمام الباب وقام بقرعه، أجابه من الداخل صوت أمه خافتاً ” من هذا ” بيدقدق”، أجابها أنا حاتم، في المرة الأولى لم تسمعه ، اقتربت الأم أكثر من الباب مكررة سؤالها لمن يقرع باب منزلها، أجابها مرة أخرى بصوت مرتفع أنا حاتم أبنك يا ماه، في تلك اللحظة عرفت الأم صوت فلذت كبدها، وعن حماس واندهاش منقطع النظير فتحت الأم الباب صارخة ومعانقة ابنها بالدموع والقبلات والكلمات الباكية، كذلك هو انهار باكياً معها.

لم تمضي أيام قليلة على وجوده في منزلهم حتى تم استدعائه من قِبل وزارة التربية والتعليم، بالتحديد في أكتوبر 63 بغية إرساله مع ثلة قليلة من زملائه إلى الاتحاد السوفيتي لإكمال دراسة الثانوية والجامعية تخصص هندسة طيران وهو ما كانت تفتقر إليه اليمن حينها، من صنعاء إلى مدينة الحديدة إلى ميناء أوديسا في الاتحاد السوفيتي، ومن ثم نقلهم عبر القطار إلى مدينة “كييف” ، تلك الرحلة الممتعة كما يصفها، ساعدته كثيراً في اكتشاف حجم التخلف والجهل الذي كان يحيط به، كما أنها عززت بداخله صحة وسلامة ما قام به من التحاق بالثورة والتضحية بالغالي والنفيس في سبيلها، لمدة عامان مكث في الكلية التحضيرية لتعلم اللغة الروسية وأخذ دروس التقوية في المواد العلمية ، في 65حصل على الثانوية، في نفس العام التحق الطالب المثابر بالطلائع الوحدوية العربية في الاتحاد السوفيتي على يد سفير الجمهورية العربية المتحدة آنذاك، وهو ما أتاح له زيارة القاهرة والالتقاء بالزعيم الروحي للناصريين اليمنيين (عيسى محمد سيف )من ثم عاد إلى “كييف” ومن التحضيرية إلى الأكاديمية العليا للطيران، في 70 نال الماجستير هندسة طيران(ميكانيك) بتقدير عام ممتاز ونظراً لتقديره العالي عقلت صورته في لوحة الشرف ومازالت حتى الآن كما يقول!

عاد إلى اليمن تزوج في 71 ، بدأ حياته العملية في القوات الجوية في محافظة الحديدة كمسؤول عن الصيانة ثم تدرج وترقى حتى وصل إلى نائب قائد قوات الجوية للشؤون الفنية ، في 15أكتوبر 78 حدث ما لم يكن في حسبانه وهو ما كان كارثياً وذكرى مؤلمة رافقته منذ تلك اللحظة حتى يومنا هذا، إذ كان أحد أفراد غرفة عمليات الانقلاب الناصري الفاشل ضد الرئيس صالح، وقبل اللحظات الأخيرة من إلقاء القبض عليه فر هارباً حاملاً معه حكم غيابي بالإعدام ظل متخفياً، حتى تم الإعفاء عنه في 84، لكنه بذكاء ودهاء المناضل والمعاصر، لم يستجيب لذلك الإعفاء وظل مبتعداً عن المشهد العام حتى 94 عندما عاد رئيساً للجنة اليمنية لمقاومة التطبيع.

وقبيل عودته إلى المشهد العام كاد أن يتبخر قرار الإعفاء الذي سبق وأن حصله عليه خطياً مسبقاً، إذ شاءت الصدفة أن يقوم الشيخ “مجاهد أبو شوارب” باستغلال تواجد الرئيس علي عبدالله صالح في القصر الجمهوري في مدينة مأرب من أجل تأكيد قرار الإعفاء والتسامح بين اللواء حاتم و الرئيس صالح، جاء الشيخ “مجاهد” إلى منزل اللواء حاتم في قرية نهم ، وأخبره برغبته في استغلال تواجد الرئيس في مدينة مأرب لتأكيد القرار، طالباً منه المجيء معه لمقابلة الرئيس، في بداية الأمر تردد اللواء خشية الغدر به وإيداعه السجن، لكن مع إلحاح الشيخ والتزامه بتوفير الحماية والأمان له وافق اللواء على الذهاب معه، وأثناء تواجدهم في مجلس القصر الجمهوري في مأرب كان اللواء يجلس في الجهة المقابلة لشخصية الرئيس ، في تلك اللحظة أراد الرئيس صالح توبيخه من خلال انتزاع اعتراف يدينه ويجعله مذنباً وهو ما كان له، إذ سأله قائلاً له : من كنتم ستعدمون من كل هؤلاء في حال انتصر انقلابكم، وأدار بأصبعه دورة كاملة على مجلس القصر بدءاً بالجهة اليمنى والتي كان بها الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وانتهاءً بالجهة اليسرى والتي كان بها الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني، أجاب اللواء على هذا السؤال ناطقاً، يا فندم أنت رئيس جمهورية لا يليق بك أن تسأل سؤال كهذا، سؤال كهذا من اختصاص ضابط مباحث وليس رئيس جمهورية، بعد هذه الإجابة استشعر الرئيس صالح قلق اللواء من الإجابة الصريحة ، فرفع كفه في الحضور قائلهم لهم بمنطق القوة “أنا قد عفيت عنه ” لكني أريد إجابة منه شخصياً عن من كانوا سيعدمون في حال انتصارهم، بعد أن رأى اللواء حاتم الرئيس يرفع كفه في الحضور والذين كانوا يومها من قيادات الصف الأول في الدولة ، اطمأن ، وأجابه قائلاً :لو أننا انتصرنا كنا سنعدمك “أنت فقط” فوراً عقب تلك الإجابة الجريئة انتشرت القهقهات ملء المجلس لكنها سرعان ما تضاءلت واختفت، نتيجة تقلب وتغير ملامح الرئيس المنزعجة من تلك الإجابة الشجاعة.

بعد عودته إلى المشهد العام، ونظراً لإقصائه من منصب نائب قائد قوات الجوية وهي نتيجة طبيعية يمارسها المنتصر في كل زمان ومكان، لم يتقلد أي منصب رفيع بعد ذلك، وانحصرت كل أعماله في مشاركاته في الفعاليات والأنشطة الحزبية والثقافية والاجتماعية، وفي مراقبة المشهد السياسي والتفاعل معه من خلال مقابلاته في الصحف والمجلات المحلية والعربية وهي بالعشرات، ظلت حياته على هذا النمط، حتى 2011 ، عند اندلاع ثورة الشباب الشعبية السلمية، كان من أوائل الملتحقين بها، إذ كان من أكثر وأشد المعارضين لعشوائيات النظام السابق، طبعاً تلك العشوائيات لا تتعلق بالجانب المادي الذي بات يحن إليه اليمنيون مقارنة بتردي الأوضاع في الفترة الراهنة، في 2012شارك في مؤتمر الحوار الوطني ترأس اللجنة المصغرة في فريق الجيش والأمن، شارك في مؤتمر الحوار الوطني منطلقاً من استشعاره لقيم الحوار وايجابياته في حال تطبيق أهدافه، شارك في ذلك متفائلاً بدعم العالم لليمن للخروج بصيغة سياسية تضمن الحقوق والحريات للجميع، لكن سرعان ما غدرت نزعات الشر بتفاؤله من خلال انقلابها على مؤتمر الحوار ونتائجه، وهو ما جعله يدين انقلابها بكل وضوح وشفافية في أكثر من محفل ، داعياً الجميع إلى تحكيم العقل والمنطق للخروج من معمعة هذه الفوضى التي لا يعلم انتهاءها إلا الله.

ـــــــــــــــ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: