لاميّةُ الجِنِّ

ـ شعر: هشام باشا

(45)
دائمًا ما يَظُنُّكَ الأغْبياءُ

لَم يُؤْذِكَ الجَبَلُ الشَّماخُ يا رَجُلا…

فهَلْ تَناسِيتَ أنِّي لَم أزَلْ جَبَلا؟

آذاكَ وَخْزُ جُنُودِ النَّحْلِ مِن جَبْلي،

لَم تُؤْذِكَ النَّحْلُ لو لَم تَسْرِقِ العَسَلا

 

وجِئتَ تَصْرُخُ: مَعْروفي تَنَكَّرَ لي

أَوَّاهُ مِن حُسْنِ مَعْروفي وما فَعَلا

 

تَقُولُ: إنّكَ مَن عَرّفْتَ بي، فمَتى

وَجَدتَني لستُ شَيئًا؛ كَيْ تَمُنَّ على؟

 

عَرّفْتَ بي جَبَلًا إذْ قُلتَ: ذا جَبْلٌ،

ولَم تَزِدْ جَبَلي قَولًا ولا عَمَلا

 

لَم تَلْقَ بي خَجَلًا مِمّا حَكَيْتَ؟ أجَلْ

لأنّني لَم أجِدْ في مَن حَكى خَجَلا

 

فهَلْ على قَولِكَ: الأَجْبالُ شَاهِقَةٌ

تَظُنُّ نَفْسَكَ في الدُّنيا مِن الفُضَلا؟

 

وإنْ أكُنْ جَبَلًا في قَفْرِ نائيَةٍ

وأنتَ جِئتَ إليهِ تَقَطعُ السُّبُلا

 

فهلْ أتَيْتَ إلى العالينَ كيْ يَصِلوا؟

أمْ أنتَ جِئْتَ إلى العالينَ كيْ تَصِلا؟

 

لَم ألْقَ مِثْلَكَ مَوهوبًا وخاطِرتي

لَم تَلْقَ مِثْلَكَ مَوهُوبًا ومُنْتِحلا

 

لكِنّني وعفارِيتُ النُّهى حَرَسي

فلا تَرُمْنيَ، لاحَ الضَّوءُ أو أفَلا

 

يَمْناكَ لو أنَّها جاءَتْ لأحْفَظَها

أعَدْتُها لكَ ظَهرًا يَحْمِلُ القُبَلا

 

لكِنّها زَلَلًا جاءَتْ تُريدُ، لذا

قَطَعْتُها لكَ؛ حتى أَقْطَعَ الزَّلَلا

 

قَطَعتُ يُمْناكَ إيمانًا بقَولِ أبي:

إنّ الدّنيءَ إذا سامَحْتَهُ جِهِلا

 

لقد تَغاضَيْتُ عنها، وهْيَ واهمةٌ

تَقولُ: لَم يَكْتَشفْ أَمْري، ولا عَقلا

 

حاولتُ رَدَّكَ بالحُسْنى إليكَ، فما

قَدَّرْتَ رَدَّيَ بالحُسنى إليكَ ولا…

 

فلا تَقُلْ جِهِلَتْ كَفّي، وقُلْ صَفَعتْ

وَجْهَ احْتيالِكَ لمَّا لَم تَجِدْ حِيَلا

 

يا أنتَ، إنْ كُنتَ ممَّن يَمْلكونَ، فما

دَعاكَ تُصْبحُ نَشَّالًا وما جَعَلا؟

 

وإنْ تَكُنْ حَسْبَ ما تَحْكي تَسِيرُ إلى

الأعلى، فمالَكَ والفِعْل الذي نَزلا؟

 

لو كنتَ للشَّعْرِ ممَّن يَحْضُنونَ لَمَا

أصْبَحتَ بالشَّعْرِ عَبْرَ الغَيْرِ مُتَّصِلا

 

أمّا أنا فأنا العالي على قَدَمي

وسُلُّمي كُلَّما أعْلُو عَلَيهِ علا

 

ما نِلْتَ أنتَ عِشَاءً، نِلْتُهُ غَبَشًا

لَمّا صَحَوْتُ، وخَطْوي لَم يَزَلْ كَسَلا

 

وما تَمَكَّنتَ مِن تَحْقِيقِهِ بعَنا،

حَقَّقْتُهُ وأنا لَم أبْدَإِ العَمَلا

 

أغْراكَ قَوْلُ الذّينَ اسْتَكْبَروكَ فهُم

كالفِقْرِ يَسْتَكْبرونَ الفَارغَ العَطلا

 

أمّا أنا فسَماءُ الشَّعْرِ يائسةً

أتَيْتُها فاسْتَفاقَتْ تَحْضُنُ الأَمَلا

 

ولَم تَكَدْ تَتَراخى مِن مُعانَقتي

إلّا وما أمَلَّتْ في النَّفْسِ قد حَصَلا

 

بي عادَ للحَرْفِ في الأَسْماعِ هَيْبَتُهُ

وحُسْنُهُ العَذْبُ والسِّحْرُ الذي رَحلا

 

بيَ القَصِيدةُ عَزَّتْ، لَم تَعُدْ أبَدًا

-لكُلِّ مَن هَبَّ يَرْجو قَطْعَها- ذُلُلا

 

ليَ القَصيدةُ قامَتْ بي مُرَحِّبَةً

تَقولُ: فاقَ طَريقي بعْدَما اسْتَفلا

 

إنّي غَداةَ نَطَقْتُ الشَّعْرَ أقْبَلَ مِن

كُلِّ اتّجاهٍ إليَّ الكُونُ مُحْتَفِلا

 

وأقْبَلَتْ أُمَّتي تَهْتَزُّ عافِيةً

وصِحّةً، لأرى في غَيرِها العِلَلا

 

وأقْبَلَ الوَطنُ المَشْلولُ مُتَّحِدًا

وجِسْمُهُ لا يَرى في جِسْمِهِ شَلَلا

 

لَم يَلْبَسِ الفَّجْرُ مُذْ وافَيتُ أُسْمِعُهُ

نَسَائجَ الحَرْفِ إلّا أَحْرفي حُلَلا

 

وصارَ إشراقُهُ يُصْغي لقافيتي

كأنّهُ لَم يَجِدْ إلّا فَمِي زَجَلا

 

وصارَ لا يَقْرأُ القُرْآنَ قارِئُهُ

إلّا ويذْكُرُ شِعْري إنْ قَرَا وتَلا

 

إنّي لَيُحْرِجُني أنَّي على جَلَلي

أحْكِي لمَن لَم أجِدْ في أمْرِهِ جَلَلا

 

وإنّ هذا حَديثٌ قالَهُ حَرَجي

وها أنا عن جَبيني أمْسُحُ البَلَلا

 

2020/2/21

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: