مذكرات المنهدس ناجي، مذكرات الإرادة والإنسان!

 

ـ كتب: ياسر أبو ال

(6)
اللواء حاتم أبو حاتم، مسيرةُ إنسان و غدر الزمان
غيث
 

تفرض عليّ مرارة اللحظة ومآسيها التي لا تنتهي، الهروب إلى القراءة كآخر وسائل النجاة الروحانية، بعد أن بات كل شيء يحيط بنا يبعث على الكآبة والانكسار. مؤخراً طلبتُ من المهندس ناجي علي أبو حاتم، مذكراته التي عنونها في طبعتها الأولى ” مسيرة حياة وتجربة عمل “، لم يتأخر المهندس حفظه الله ورعاه بكل خير في إهدائي نسخة من مذكراته التي عند إكمالها لن تتوانى لحظة عن الانحناء إجلالاً وتوقيراً لعظمة هذا الرجل و كفاحه الإنساني العظيم.

المذكرات عمل أدبي ممتع ومفيد يشاركك كاتبه ملامح من تفاصيل حياته إذ ينتزعك من قلب مكانك ويجعلك بأسلوب سردي بسيط تعيش ذهنياً ما عاشه من أمكنة و أزمنة، كما أنه أيضاً يضعك وجهاً لوجه أمام آرائه و مواقفه تجاه أشياء عديدة قد تكون أحداثاً أو مواضيع فكرية، ثقافية أدبية، دينية أو اجتماعية، وغيرها. مذكرات المهندس ناجي مذكرات الشخصية العصامية الكفاحية الفذة الآبية بكل المقاييس، بروح المحارب الجسور، تسلحت هذه الشخصية بالثقة في النفس، وانطلقت في مجاهل الحياة وتقلباتها، وعن إصرار وعزيمة صادقة اجتازت كل الدروب الوعرة منتصره في الأخير لذاتها عن جدراة واستحقاق بما يليق بكفاحها. لا أبالغ إن قلت إنّ هذه المذكرات تعلمنا شيئاً مهمّاً جداً – تعلمنا أنه ليس ضرورياً أن تكون سياسياً بارزاً مشاركاً في الأحداث الجسام لوطنك حتى تكتب مذكراتك، يكفي أن تكون إنساناً يثق في نفسه، وفي إنسانية ما قام به طيلة حياته.

منذ اللحظة الأولى التي بدأت أتصفح فيها هذه المذكرات اجتاحتني عاصفة من المشاعر الإنسانية المتقلبة من الحزن والوجع والانكسار المتكرر إلى الفرح والسرور والسعادة الوقتية التي سرعان ما تنهار كنتيجة لاضطراب الأوضاع التي احاطت بهذه الشخصية في طفولتها وشبابها وحياتها العملية في القطاعين الحكومي والخاص.

بدءاً من “ثاجر” إحدى قرى مديريات “نهم” وبأسلوب لغوي مدهش في بساطته وتواضعه، يمسك بيدك هذا المهندس لترافقه في أولى خطواته في الحياة وهي خطوات لا تخلو من المعاناة والحرمان وشظف العيش المرير المتجسد في تناول وجبة العصيد ذات الرائحة النتنة الناتجة عن ما كان يُصرف لأبيه من حبوب الذرة والشعير بمقدار خمسة أقداح إلى جوار خمسة ريالات، وهو ما كان يُصرف للخيالة كراتب شهري آنذاك، ولا خيار للخيال إلا قبولها وهي التي غالباً ما تكون غير صالحة للاستهلاك الآدمى نتيجة سوء التخزين وانتهاء صلاحيتها في بعض الأحيان،

ومن ثم ينتقل بك لترافقه في أزقة صنعاء وعيشه لطفولة حزينة بعد أن قام أبوه بأنتزاعه قسراً من أحضان أمه إثر عملية طلاق بينهم والانتقال به لليعش معه في صنعاء وهو ما تسبب مبكراً في حرمانه من حنان و دفء الأمومة، وفي لحظة واحدة فقط كان يزول ذلك الحزن عند سمح أبوه له بزيارة أمه وهو الأمر الذي جعله في إحدى المرات يسافر من صنعاء إلى منطقة “نهم” وحيداً مترجلاً رغم صغر سنه غير مبالٍ بما قد يناله من مخاطر الطريق التي كانت آنذاك موحشة.

وفي حادثة ليس لهُ فيها ناقة ولا جمل حدثت بين قبيلة بني حشيش و رجال من قبيلة نهم، على إثرها تم وضعه كرهينة في سجن الرادع، وهنا نظراً لصغر سنه تم اختياره للعمل كدويدار في قصر سيف الإسلام (الحسن بن علي ابن الإمام يحيى) وهو ما كان مألوفاً آنذاك من أخذ كل من لم يبلغ الحلم بعد للعمل في قصور الإمام وابنائه، وبعد فترة من العمل في قصر سيف الإسلام الحسن، عاد إلى سجن وفي تلك الفترة تعلم القراءة والكتابة وحفظ عدد من أجزاء القرآن، وظل داخل السجن عدة أشهر حتى حُل النزاع بين القبيلتين.

وبعد خروجه من السجن التحق بمدرسة الإصلاح الابتدائية، ومن ثم الإعدادية في مدرسة التحرير، والثانوية في ثانوية الثورة آنذاك، جمال عبدالناصر حالياً، وفي تلك الفترة كان يضطر لبيع بعض ما يصرف له من الخبز “الكدم ” لتوفير قيمة الأقلام والدفاتر، وأثناء دراسته الصف الأول ثانوي صادف أن تعرضت صنعاء لحصار خانق، والذي بات يُعرف فيما بعد بحصار السبعين، وهو ما دفع به وزملائه إلى الانخراط في المقاومة الشعبية، وبعد أن تلقوا تدريبات سريعة على حمل السلاح واستخدام الثقيل منه، توجهوا إلى الجبهات المشتعلة حول صنعاء وكان من نصيبه التواجد في جبهة (بني حوات) وعن شجاعة وإقدام ظل هناك مرابطاً فيها حتى انتهاء الحصار، من ثم عاد إلى إكمال الثانوية، ونظراً لما كان سائداً في ذلك الوقت من فرض خدمة إلزامية كالتدريس لمن درجاتهم مرتفعة، تم إرساله إلى مدينة “خَمِر” هذه المدنية التي كانت يومها غارقة في الجهل والرجعية، وأثناء سفره نجا مرتين من انفجارات الألغام الأرضية التي كان يزعها عملاء الملكية، وفي بداية تأديته للتدريس واجه صعوبات كثيرة لاحصر لها؛ كاعتقاد ابناء مدنية “خمِر ” في ذلك الوقت بأن العلوم والرياضيات والتربية البدنية شرك بالله وهو ما تم تكريسه في عقولهم من قِبَل أبواق الرجعية من خطباء و مذيعين.

ومع هذا لم ييأس أو ينكسر هو وزملائه الذين كانوا معه في نفس المعركة الفكرية والثقافية والعلمية الجديدة ولم يمضِ عام حتى أنجزوا ما لم يتوقعوا إتمامه من إكمال منهج عامين في عام واحد كنتجية للجهد الذي بذله هو وزملائه حينها. وبعد تأديته خدمة التدريس تم ابتعاثه من قِبَل وزارة التربية والتعليم للدراسة الجامعية في في جمهورية يوغسلافيا “صربيا “حالياً”، وبعد عام من الإعداد كتعلم اللغة للبدء في الدراسة، تفاجأ بل كان تفاجئه هذا بمثابة صدمة إذ تم اختياره للدراسة في الكلية الزراعية وهو ما لم يكن يرغب في دراسته، كونه كان يرغب في دراسة هندسة طيران نظراً لارتفاع درجاته في شهادة الثانوية، حاول مع المسؤولين في الجامعة تغيير هذا الاختيار، إلا أن أولئك المسؤولين رفضوا طلبه وأخبروه أن كان يريد أن يقوم بتغيير هذا التخصص عليه التواصل من الحكومة اليمنية، وهو ماقام به من خلال العودة إلى صنعاء والتواصل مع وزارة التربية والتعليم وحاول معهم كثيراً لتغيير هذا الاختيار إلا أن الوزارة رفضت ذلك، وهو ما جعله يتقبله في أخر الأمر، فسافر للمرة الثانية إلى يوغسلافيا وظل هناك لسبع سنوات، خلال تلك السنوات تمكن من زيارة الكثير من بلدان أوروبا، وبعد أن أكمل دراسته عاد إلى صنعاء وأول ما قام به الزواج على الطريقة التقليدية وبسرعة لم يكن يريدها على ذلك النحو، وما أن تسلل الفرح والسرور إلى حياته بمناسبة الزواج حتى باغته الوجع والقهر سريعاً من خلال أمر أبيه له بالخروج من المنزل والبحث عن منزل أخر وهو كان صادماً له بشكل لا يطاق، حينها لم يدُمْ ذلك الوجع طويلاً، إذ انفرجت أزمة السكن من خلال موقف شهم ونبيل وإنساني عظيم قام به أحد أقاربه.

وبعد ذلك كانت المحطة التالية في حياته، عمله في وزارة الاقتصاد، ومن ثم في وزارة الزراعة، وتعينه مديراً مشاركاً في مشروع التسمين في منطقة “الجرابح” في تهامة وكان لذلك المشروع بداية ناجحة لكنها سرعان ما باءت بالفشل نتيجة عوامل كثيرة لا حصر لها هنا، وأثناء عمله في تلك المنطقة المعزولة بحكم أنهُ لم يكن هناك وسائل للتواصل مع كما هو الحال اليوم، حينها حدث أن توفت والدته ولم يعلم بخبر وفاتها إلا بعد الدفن والعزاء بأسبوع وهو ما تسبب في إلحاقه صدمة نفسية أخرى أكثر قسوة مما سبق وأن حدث له.

لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة الكفاح الإنساني في سبيل الشموخ الذاتي، وهو ما تحقق في ثاني عمل إداري له من خلاله استلامه إدارة شركة مزارع الألبان اليمنية (مزرعة رصابة لإنتاج الألبان، حدث ذلك بعد عودته من دراسة الماجستير في أمريكا، وخلال عمله في إدارة مزارع الألبان اليمنية انتشلها من حضيض الفشل إلى إلى أعلى مستويات النجاح الإداري والذي بسببه نال آنذاك شهادات تقديرية كثيرة منها شهادة أفضل موظف حكومي حينها، وكان ذلك النجاح الباهر سبباً رئيسياً في تعيينه مديراً عاماً لهيئة تطوير المناطق الشرقية، كمأرب والجوف، وفي هذا الفصل من مذكراته يسلط المهندس ناجي الضوء على طبيعة هذه المناطق وملامح الحياة فيها قبل وبعد تواجد الدولة هناك إذ انها إلى الثمانيات كانت مناطق نائية ومنعزلة عن إدارة الدولة ومهامها، إلى جوار أنه يتطرق للحديث عن الفساد وهواميره وعن الاختلالات والعشوائية والتي كانت في أغلب الأحيان بدعم ورضا السلطة الحاكمة ذاتها، وفي هذا الفصل أيضاً هو نفسه يلقي الضوء على مشروع سد “مأرب” فيجعل القارئ لمذكراته أمام حقائق مفزعة عكس تلك التي تم تكريسها في عقول العامة من الناس باعتبار سد مأرب إنجازاً تاريخياً، هو كذلك، إلا أن له من الإضرار ما يجعله ليس بحجم تلك الهالة الإعلامية التي أحاطت به ومازالت، بعد فترة من التأسيس لهيئة تطوير المناطق الشرقية وإنجاز بعض الأعمال، فجأة تم إزاحته عن إدارة هذه الهيئة من قبل أحد الوزراء وتعيين آخرَ مقرب من هذا الوزير، وقبل رحيله، يلخص المهندس ناجي تجربته في تلك المناطق قائلاً: لابد من الاعتراف أن العمل في الهيئة العامة لتطوير المناطق الشرقية كان مليئاً بالمخاطر، لكنه في نفس الوقت علمني إن إحداث تنمية فعلية ليس عملاً سهلاً إذ انها بحاجة إلى ركوب المخاطر والتفاني والإخلاص في العمل والصبر على المكاره، كما انها تتطلب سعة صدر وامتصاص للغضب وتحمل كل المنغصات، لأن التنمية في مجملها لا تهدف إلى إحداث بنية تحية فحسب، بل أيضًا تهدف إلى تغيير سلوك الناس وتأهيلهم لتحديد احتياجاتهم وتقييم إمكاناتهم، وهو الأصعب بشكل خاص في تلك المناطق وفي تلك الفترة بالتحديد.

 

بعد إزاحته من إدارة الهيئة، كانت المحطة التالية مع مكتب البنك الدولي، في هذا الفصل يستعرض المهندس ناجي لمحة عن البنك النشأة والغايات ويضيف أيضاً عملية توظيفه والتي كانت من خلال طريقة تنافسية تم اختياره نظراً لمؤهلاته العلمية والإدارية السابقة، وأثناء عمله في البنك الدولي تولى مهام كثيرة ومتنوعة من خلال تلك المهام تمكن من إنجاز الكثير من المشاريع فيما يتعلق بمشاريع المياه والصرف الصحي والأراضي الزراعية على امتداد ربوع الوطن، وظل يعمل في البنك وينجز المشروع تلو الأخر من 1995 حتى التقاعد بحكم قوانين وضوابط البنك في 2011، من ثم عاد للعمل فيه بعد التقاعد كمستشار حر دون أي صلاحيات إدارية، بعد ذلك كانت أخر محطاته عملية مع منظمات دولية بدرجة مدير قطري تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية والتي سرعان ما اندمج وأبدع فيها مستفيداً من خبراته وتجاربه السابقة وبذلك نال استحسان القائمين عليها في فترة وجيزة، إلا أن تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية داخل الوطن ، أدى إلى فقدان الأمل لدى الممولين من إنتاج تنمية حقيقية، وهو ما أدى بدوره إلى إغلاق مكاتب تلك المنظمات وتسريح موظفيها جميعًا وكان هو واحدٌ منهم.

إلا أن هذه النهاية الغير لائقة بمسيرته العملية وكفاحه العصامي، لم تغتال حيويته ونشاطه الحركي إذ قام بعد ذلك بتأسيس فريق رياضي اسماه “أحسن فريق ” غايته احياء الرياضية البدنية كثقافة وليس كهواية ، مجتمعّاً مع من استطاع استقطابهم في السادسة من كل صباح في حديقة الثورة ، ضارباً بهذا أروع وأسمى صور المسؤولية الفردية تجاه جسدها، ومجسداً بذلك أيضاً المعنى الحقيقي لمفهوم الشباب إذ أن الشباب ليس عضلات مفتولة بل احساس حي ومتجدد بالحياة وروعتها.

..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: