عبد العزيز محمد سعيد ودور لا ينسى

ـ كتب : عبد الباري طاهر

(42)
إليهم

عبد العزيز محمد سعيد واحد من الأفذاذ والأبطال الحقيقيين، من العمال الذين هم ملح الأرض يهبون الحياة والناس كل شيء، ولا يأخذون شيئاً.

صوفي ثوري نذر حياته وعمره؛ لمواجهة طغيان الحكم، وفساد واستبداد السلطات الممتدة والمتعاقبة في الـ ج. ع. ي. تخرج من المجر مطلع السبعينات، والتحق بالبعث العربي الاشتراكي؛ فجمع بين الانتماء القومي العربي، وبين اليسارية التي اكتسبها من انتمائه الفلاحي. انفتح على الفكر الاشتراكي، ومارسه فعلياً في الاندماج بالكادحين والشغيلة. التحق بعد التخرج كمهندس بإذاعة صنعاء؛ فكانت بداية المحنة والمعاناة؛ فعيون الأمن والمخبرين مفتوحة على الجميع، وهي في المراكز الحساسة أكثر رصداً وترقباً. ذات صباح داهمه زبانية الأمن الوطني، وهو خارج من عمله، وما إن رآهم حتى مد يده؛ ليخرج ورقة، ثم ابتلعها. عندما عرف محمد خميس -رئيس الجهاز- بصنيع “العردان”- اللقب الذي يفضل رفاقه في الطليعة الشعبية نداءه به- ضاعف خميس التحقيق والتعليق والتعذيب؛ لانتزاع سر الورقة التي ابتلعها، بدلاً من التحقيق بشأن الانتماء الحزبي.

صمد عبد العزيز، وطال ليل التعليق والتعذيب للجسم الناحل القصير. تطاول صمود العزيز، وتزايد سُعار الجلاد. وجه الجلاد الكبير جلاوزته بالاعتداء على الضحية؛ فصرخ عزيز: “اسمع ياخميس! والله لو جرى الاعتداء علي، وخرجت حياً؛ فسيكون قتلك همي الوحيد”. كان للتهديد مفعول السحر؛ فأُنزل من كرسي التعليق، وتغير التعامل 180 درجة. بعد الخروج الذي استمر بضعة أشهر عمل في مصنع الغزل والنسيج في باجل، وتواصلت الملاحقات الأمنية والمضايقات في الوظيفة، وفي اعتقالات 1978 اختفينا معاً في صنعاء، وكنا مكلفين بالجانب الإعلامي، والتعميمات، والنشرة السرية باسم الوحدة الشعبية. في ذلك الوقت عرفنا باعتقال رفيق يعرف مكان اختفائنا؛ فغيرنا السكن، ومكثنا في الاختفاء حتى انعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الاشتراكي اليمني الموحد؛ فنزلنا معاً، وكاد السيل أن يجرفه، ونجا بأعجوبة.

كان عزيز، وهو من القيادة المؤسسة للحزب الاشتراكي اليمني باسم الطليعة الشعبية- غاية في البساطة والتواضع، والحس الإنساني الرفيع. اضطلع بأدوار عظيمة ورائعة في النضال الحزبي السري، وكان أنموذجاً للانضباط والالتزام بالقيم الثورية العظيمة، والأفق الإنساني الرائع. إنه نجم شديد اللمعان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في ليل الكفاح الوطني، إلى حين بزوغ فجر الوحدة اليمنية المغدورة.

هذا الفادي العظيم لم يَدَّعِ شيئاً، ولم يأخذ شيئاً. مضى بعد التقاعد كواحد من الناس، وقد أدى واجبه الوطني دون تباهٍ أو تفاخر أو ادعاء. إنه بطل من أبطال اليمن الذين يمشون على الأرض هوناً؛ فله التحية والود والوفاء.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: