البردوني وسخريته من القمم العربية

 

البردوني وسخريته من القمم العربية
كتب أ/ محمدالقعود

يظل الأدباء هم ضمير الأمة ولسانها المعبر عن واقعها وطموحاتها وتطلعاتها والمجسّد الحقيقي لكل ما يعتمل في أعماقها من رؤى، وما تهفو إليه من مكانة حضارية لائقة بها..
ومن يطالع الكثير من إبداعات الأدباء المهمومة بقضايا الشعوب والأمم والمجتمعات سيجد تلك الإبداعات تنضح بقضايا وهموم واقعها وناطقة بما يمور في ذلك الواقع وانها إبداعات صادقة في رؤاها وتعبيرها العميق.
ومن المبدعين الأفذاذ في بلادنا يبرز اسم الشاعر الكبير الراحل عبدالله البردوني، ذلك الشاعر الرائي الذي استوطنت اليمن قلبه ووجدانه، فسكنت في حروف ومعاني قصائده، وجعل من قصائده سيمفونية عشق، تترنم وتتغنى بحب وعشق اليمن..
هذا الشاعر الكبير جعل من الوطن وأحلامه وتاريخه وامجاده وطموحاته، مفردات فريدة، لإبداعاته الشعرية، ونبضات تنبض بحب اليمن ومكوناته.
كما أن قضايا الأمة لم تغب عن إبداعات البردوني الرائعة حيث نجد أن شاعرنا الكبير قد تناول الكثير منها وعبر عنها بصورة بليغة، وبأسلوب مميز.
ومن تلك الإبداعات قصيدة “اجتماع طارئ للحشرات” والمنشورة في ديوانه “كائنات الشوق الآخر” والتي كتبها بأسلوب فريد وبلغة ساخرة لها دلالتها ورمزيتها.
هذه القصيدة تصوّر وتعبر عن حقيقة القمم العربية وما يدور فيها وما تتناوله من قضايا متعددة هامشية لاعلاقة للأمة بها.
هذه القمم العربية لم تقدم للأمة العربية ما يخدمها، أو يعالج قضاياها، أو يحقق لها طموحاتها المذبوحة، أو يزيل من طريقها العوائق أمام انطلاقها وتلاحمها، أو يعمل على تنميتها وتطورها.
بل هي قمم عربية تعقد لتناقش قضايا ومشاريع لا وجود لها، ومنصة للخطابات الطنانة والوجوه الكالحة، وملتقى للخلافات لا للاتفاق والتلاحم، ومشاهد كوميدية ساخره وموجعة، تجعل منها أضحوكة للأجيال وشعوب الأرض قاطبة.
وقصيدة البردوني المبدع، هي لوحة معبِّرة رسمها بكلماته العميقة لتعكس الصورة الحقيقية لواقع الأمة العربية ولقمم القمة.. أو بمعنى أصح قمم” الغمّة”.. في السطور التالية قصيدة الشاعر الكبير عبدالله البردوني ..” اجتماع طارئ للحشرات”..
محمد القعود
«اجتماع طارئ للحشرات»

شعر/عبدالله البردوني

أعلنت سلطانة “القمل” اجتماعا
رؤساء “البق” لبَّوها سراعا
وإليها أقبل الأقطاب من
مملكات “السّلُّ” مثنى ورباعا
• • •
جاء شيخ الدُّود في حرَّاسه
زارداً بحراً، ومعتمَّاً شراعا
ملك “الذِّبان” وافى نافشاً
تاجه كي يملأ الجوَّ التماعا
طار سلطان “البراغيث” على
“نملةٍ” فازدادت الأض اتِّساعا
( الزنابير) توالت مثلما
هد مرحاضين، مرحاض تداعى
• • •
شدِّدوا كل الحراسات امنحوا
كُلَّ ” زنبورٍ” ثلاثين ذراعا
أحرقوا كلَّ كتاب في حشى
أمِّه، نحواً عن المهد الرِّضاعا
أغلقوا أبواب أُمِّ الريح، لا
تأذنوا للصبح أن يبدي شعاعا
أدخلوا كلَّ عيون الشَّعب من
سمعه، كونوا رؤاهُ والسَّماعا
• • •
سيِّدي: ماذا ترى؟ أخطرهم
لبسوا الأحجار وامتدُّوا بقاعا
كسِّروا الأحجار!: فتّتنا الحصى
واقتضمنا جبلاً عنهم أشاعا
وتناهشنا عظام المنحنى
وقتلنا زوجة الصَّخر اقتلاعا
• • •
رُبَّما ذابوا، أشمتم حمرةً؟
كُلّها الألوان منَّتنا خداعا
هل قنصتم كلَّ واعٍ؟ قيل لي
وانجلى أنَّا قنصنا من تواعى
ما الَّذي تمّ؟ قتلنا مئة
واحتجزنا الأهل، واحتزنا المتاعا
حسنٌ، لكن لنا تجربة
إنَّ بدء الصرع يستدعي الصِّراعا
وإذن هذا الَّذي نعمله
مثلما يستنبح الكلب السِّباعا
• • •
المهم الآن أغفوا أونأوا،
قل: غدوا أخفى كموناً وانزراعا
لا تخف سوف نلاقي مدخلاً
في مخابيهم، ولو كانت قلاعا
بعد وقتٍ ندّعي دعوتهم
ونؤاخيهم – على الكره- اصطناعا
وبذا نرقى إلى أرقاهمُ..
ومن الأعلى نرى الأدنى اتِّضاعا
فننحي جانباً أحمسهم
ثم نرضي منهم الأرخى طباعا
قتلوا هذا الردى تجربةً
فتلمَّس ميتةً أذكى اختراعا
لا أرى أنفع من أن أشتري
قادةً منهم، ستبتاع المباعا
سوف يستغنون عمَّن تشتري
ثم ينقادون للأقوى امتناعا
• • •
دع هناك الآن، واستغور هنا
وهُنا أقوى على السِّرِّ اطِّلاعا
لا نرى صدعاً يشي عن قعره
ويرى فينا – إلى القعر- انصداعا
السِّكوت الغامض الملقى هنا
حرَّض السمع وأعيا الإستماعا
• • •
من ترى نمنح من أعواننا؟
نُتخم الأسعى، ونُغري من تساعى
نبدأ المؤتمر اليوم؟ غداً
قد أذعنا اليوم، كذِّب من أذاعا
رُبَّما بعد غدٍ أنجى؟ نعم
ندخل القاعة صفاً؟ بل تباعا
• • •
وأتى بعد غدٍ فابتدأوا
جلسةً أربت على السَّقف ارتفاعا
وبذاك الملتقى دوَّى الصدى
وانحنى التاريخ يومين ارتياعا
قرَّروا في الجلسة الأولى بأن
يصلوا ما مات بالأمس انقطاعا
أن يشيدوا الَّليل إيواناً، وأن
ينجروا الأيام باباً و”صواعا”..
وارتأوا أن لا تدور الأرض، أن
تلبس الشَّمس إزاراً وقناعا
أن يعيروا الأطلسي كوفيةٍ
أن يزيدوا قامة “التّمساح” باعا
أن يحيلوا الغيم قاعاً صفصفاً
كي يموت البرق جوعاً والتياعا
أن يبيعوا العصر كي يسترجعوا
زمناً من قبل أن يلقوه ضاعا
• • •
قرَّروا في الجلسة الوسطى بأن
يطبخوا اللَّيل، ويعطوه الجياعا
زوَّجوا سلطانة القمل “الدَّبى”
للبعوضات اكتروا زوجاً مشاعا
شكَّلوا بين الأفاعي لجنةً
أسكتوا بين الصراصير النِّزاعا
أصدروا عفواً عن القتلى، كما
كلَّفوا الأشجار بالنَّوم اضطجاعا
• • •
قرَّروا أن يمنعوا الأموات من
أن يشبُّوا في حشا الأرض اندفاعا
فأدانوا أُمَّ ” أوديب” كما
حدَّدوا كفّارة “النِّمرود” صاعا..
وأضافوا “ربذاتٍ” أربعاً
” لأبي ذرٍ” لينسى الإبتداعا..
• • •
قرَّروا في الجلسة الأخرى، بأن
يشتروا الأعصى، ويخشوا من أطاعا
رأَّسوا فأراً وثعباناً على
فأرةٍ شاءت على الأهل انخلاعا
وأقالوا عنكبوتاً، وانتقوا
لاشتمام الحبر مقراضاً شجاعا
• • •

ألزموا الرِّيح تهبُّ القهقرى
أوقفوا الأنهار، أضنوها انصياعا
ولأمن البحر من تلغيمه
قرَّروا: أن يستحيل البحرُ قاعا
• • •
قال فأرٌ: نبتنيه مخفراً
قال بقٌ: فندقاً يوحي انطباعا
وتبنَّت عقرب ما ارتأيا
ورأت في ذا، وفي ذاك انتفاعا
• • •
وأقاموا بعد هذا حفلةً
أنفدوا فيها دم الَّليل اجتراعا
وأقرُّوا: أن يسمَّوا من نأى
عن وصاياهم “يعوقاً” أو ” سواعاً”
وبإعلان البيان اقتنعوا
غير أنَّ الصَّمت لم يُبدِ اقتناعا


محمد القعود (20)
ثقافة “المأمأة”..!!
وبهذا اختتموا أعمالهم
وابتدت سلطانة القمل الوداعا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: