” الهُدهُدُ المذبوح “

 

ـ بديع الزمان السلطان

(25)
كما يشتهي صنعاءَ قلبُ المُفارِقِ

لي في الحقيقةِ حبُّ اللهِ واليَمَنِ
فلا أُسَاوِمُ في دِيني ولا وطني

ولا أُدَاهِنُ في أرضي فسُمْرتُها
أشهى وطِينتُها أغلى مِن الثَّمَنِ

نشيدُها في دَمَي تجري مَبَادِئُهُ
إنّي لَأسمَعُهُ بالقَلْبِ والأُذُنِ

أخيطُ رايتَها مِن أَضْلُعِي كَفَنَاً
لكي أموتَ وهذا المُنتهى كفني

وأشتهي مِن خَيَالي الآنَ أجنحةً
حتى أطيرَ بها مِن هذهِ الفِتَنِ

حبُّ السّعيدةِ سِفْرٌ مِن شرائِعنا
نتلو فواتِحَهُ في السِّرِّ والعَلَنِ

يا أيُّها اليمنُ المذبوحُ هُدهُدُهُ
ماذا أُحِدِّثُ عن ” صنعاءَ أو عدَنِ “؟

وكيف أكتبُ عنها اليوم قافيةً؟
والأرضُ غارقةٌ في القتلِ والمِحَنِ

صنعاءُ يا رئةَ الدُّنيا وبسمتَها
يا ضَحكةَ الغَيمِ يا قيثارةَ الشّجَنِ

يا قِبلَةَ العاشِقينَ السُّـمْرِ يا سَبَـأَ
التّاريخِ يا أُمَّ ” بلقيسٍ وذي يَزَنِ ”

لا تيأَسِيْ مِنْ صُرُوفِ الدّهرِ سيّدتي
ولا تخافي ولا تأسي ولا تهني

فأنتِ أكبرُ عُمْرًا مِن مواجِعِنا
وأنتِ أقدمُ مِن باكُورَةِ الزَّمَنِ

حتى وإنْ طال ليلُ الحربِ يا بلدي
فسوف يُسْفِرُ فَجْرُ الحبِّ والمِنَنِ

ما زلت أجمع أشواقي وأسألُها
هل حانَ مَوعِدُها؟ أم بعدُ لم يَحِنِ؟

أرى بعينِ غريبٍ لا بلادَ لهُ
هذي البلادَ وأمضي وهيَ لم تَرَنِي

مُسَافِرٌ في مداءاتِ الغيابِ معي
قصائدي وحنينُ الطّيرِ للغُصُنِ

لأَنّني أَوَّلُ الآتِيْنَ مِن وجعي
أمشي على قَلَقِ المعنى بِلا بَدَنِ

لأنني آخِرُ النّاجِينَ مِن غرقي
أوقفْتُ خلفَ انحساراتِ الأسى سُفُني

أهيمُ بينَ انكساراتي بلا جِهَةٍ
تَلُوحُ لي فأَنا طِفْلٌ بلا سَكَنِ

أمّي التي علّمَتْني الحبَّ ميّتَةٌ
فهل تموتُ على أوجاعِها مُدُنِي؟

وهل تغيبُ وراءَ اللّيلِ أسئلةٌ؟
للعالِقينَ ببالِ الخَوْفِ والحَزَنِ

يا موتُ حسبُكَ مِن أرضي فقد نفِدَتْ
سِلالُها ، وتلَظَّى الدّمعُ في الوَجَنِ

لا وَجْهَ لي يا مرايايَ التي صَدِئَتْ
أنا انعكاسُ وُجُوْهِ المَوْتِ في اليَمَنِ

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: