(بريق الأرواح المطمئنة)

 

(2)
الأخوة/ الأدباء .. الشعراء ـ الثقفاء

ـ بقلم /صفوان أمين المشولي

(ليليانا)

— 1 —

وضعتِ الحرب أوزارها وقد كادت ألا تضع، فوضعت ُ بندقيتي .

وفتحتِ المحبة نوافذها بعد أن أوشكت ألا تفتح، ففتحت ُ نافذتي.

هنا تضعُ الحربُ  أوزارها

وقد كادتِ الحرب ألا تضع

فإن حملت وزرها،، لن أدع

هواك، وإن وضعت، لن أدع

فقد وقع السهم في مهجتي

وكم كنت أخشى بأن لا يقع

الثلج يقطر من أوجان الشمس، والجمر يشتعل على جبين الثلج وبينهما حجاب.

قالت: أستاذ

قلت : لبيك!

فانعقدت منذ أزلية معنانا إلى أبدية وجودنا عقدتنا التي لم تكن أبدًا  لتنفك (قالت رسلهم أفي الله شك).

فما أعظم الكلمة التي توثقك بلا وثاق برباط مودة النفس للنفس، وتحبسك فيها من غير حبس ٍ بين قضبان البوح والهمس.

وإن أعجب فعجبي من كلمة ٍ لو اتقينا ضعفها ورقتها بصلابة بأس الكلمات كلها ما نجونا من رقتها.

فهل أودع الله القوة كلها في كلمة ٍ ليضع الرقة كلها في نفس الكلمة ؟ وهل صُنعت الرصاصات كثيرة العدد إلا ليلقى القتيل حتفه برصاصة واحدة؟ وهل النظرات التي كانت أخطأتك إلا لأجل النظرة التي كانت قد أصابتك؟

كم حملت السهم أرقبها

حين صادت حامل السهمِ

وضعتني، في حبائلها

ورمتني ، قبل أن أرمي

لم أنل من خير قسمتها

وهي كانت كلها قسمي

وما أظنني خرجت من الحرب التي كنت سأكون أحد ضحاياها في لحظة واحدة ، إلا إلى المحبة التي أنا ضحيتها الوحيد في كل لحظة.

وما أراني إلا هربت من الرصاص الذي كاد أن يفتك بي ، إلى الهمسات التي أوشكت أن تجهز عليَّ.

كيف لا يعجب العجبْ

من قتيل ٍ بلا سببْ

ما رعت،، يوم قتله

حُرمةَ الدين والنسبْ

فر من حبسها ولكنه إلى حبسها هرب

فهي الزاد والظمى

وهي الماء والسغبْ

سحرها إن تبسمتْ أعلن الرفضَ والطلبْ

طرفها الغاضب الحليم به الحلم والغضبْ

نظرة ٌ تلهب الحشى نظرة ٌ تطفئ اللهبْ

هي تسبيحة الوقار وسمفونية الطربْ

تعب ٌ غير أنها، راحة الضيق والتعبْ

أصغيت ُ إلى تلك الكلمة حتى كدت أن أسمع تنفس الجدار،

وأنصت لها حتى أوشكت أن أشم رائحة أباط الأحجار.

لكأن نبرةَ صوتها معرفة ٌ في نفسي منذ النشأة الأولى، ومخبئة ٌ في روحي حتى النشأة الأخيرة.

ولا يكون ذلك إلا أن تكون النفس قد خلقت من النفس، وتكون الروح قد انسلت من الروح.

حين عرفت ُ – ليليانا – عرفت ُ صوت الشذى على حقيقته

نظرت ُ إلى جسد كل نسمة.

كانت النسمة تخيط من تعريها الأشف فستان لباسها الأرهف.

لمست ُ بيدي حرير كل همسة.

رأيت الحب بقوامه الذي كنت أتخيله به، فلم يكن شيئا أطول سمت ٍوأطيب صمت ٍ منه، كأن على رأسه الوقار، ابتسامته لا تفارق دمعته، ودمعته لا تغادر ابتسامته.

وشاهدت شكل الحنين، أبصرت ُ وجه الشوق ، شاهدت ُ الشجن على هيئته التي فطره الله عليها، ورأيت الرأفة على الصورة التي صورها الله بها.

ثم رأيت وجها ًلم أرَ أجمل منه ، قدسي اللون، حريري الأنفاس، نسيمي الملمس، يتردد عليه الضوء كل ثانية، ويتودد له الطل كل لحظة تختال فيه النعومة كما يتنعم به الاختيال، ولا يلبث القلب إلا ناظرا إليه، مثلما لا تمكث الروح مغمضة عنه.

سميته بكل اسم  فلم ينطبق عليه، إلا اسم الحسن وما أظن ذلك الوجه إلا وجه الحسن.

صافحت الرحمة، فوددت لو قبلتها، وقبلتها فتمنيت لو احتضنتها.

كما تفرست في ملامح الوجد، ويا لهيبة الوجد.

لمست ُ نواهد المودة بأنامل الضوء، احتضنت ُ اللهفة بذراعي الدافئ، وتحدثت ُ مع الحنان.

(فبأي آلاء ربكما تكذبان)

طلت ْ – ليليانا – ذات مرة ٍ من نافذتها وهي تحتضن باقة الورد الناعم برونقها الأنعم.

ترحمت ُ يومها على الورد وقلت ُ له:

قد وسدتكَ بحضنها ،، يا ورد ُ

،،، قلي بربك ثم ماذا بعد ُ

ماكنت َ تعرف ما المودةُ والمُنى

والأرطبان ،، النهد ُ والنهد ُ

أتظن أنك سوف ترجع مثلما

قد كنت َ أيام الصبا لا يبدو

شيء ٌ في نفسي هي نفسي تكاد تحسد الورد على أن مات في الحضن الذي كان ينبغي أن لا يحيا إلا فيه فحسدته .

فابتسمت ْ – ليليانا- ابتسامة تقول لأسلبنك

فطوعتْ لها نفسها سلبي فسلبتني.

فأخذتني من ثقب نافذتها إلى جنة ٍ عرضها كعرض الوجدان والروح.

وبزهر شفاه محياها رمتني حتى القتل فقلت ُ هو القتل بسلامته وإن كان بشفاه الزهر،

صلبتني على خشبة ٍ من حرير تنهداتها، ويظل صلبا وإن كان على خشبة ٍ من الحرير.

ولوت حول عنقي حبلا ً من نسيم الهمس، وهذا هو الشنق بعينه وإن كان بحبل ٍ من النسيم.

وبكل رمشة ِ عين ٍ من عينيها كانت تولد فراشة تحمل سهما إلى مهجتي

غسلتني الفراشات بطلول ندى الوجنين، وحنطتني بعبير شذى الكفين، وكفنتني بشفاه ورود الثغر المعسول بريق رحيق الشفتين، وحملتني منعوشاً على أجنحة ضياء سناء بهاء جلاء رموش العينين.

رفعتني إلى ألطف وأخف وأشف مكان ٍ فوق حنين الغيم

فمكثت ُ هناك إلى الآن

(فبأي ألاء ربكما تكذبان)

– ليليانا – امرأة ٌ لم تدع للحسن شيئا يفرح به أو يحزن عليه.

ولم تترك للجمال شيئا يتوكأ عليه، أو يهش به.

ولم تبقِ للَّطافة بقية تتحدث عنها اللّطافة، ولا أبقتْ للمحاسن حاجة تتباهى بها المحاسن.

ارتشفتْ رونق الألوان فتركتها صامتتا من غير رونق. واختلستْ بهاء الضوء فتركته أعمى من دون ضوء.

وامتصتْ ريق الشهد فما لبث أن جاء بطعم غير لذيذ.

ولو عذرت القمر البازغ من جبينها ما اتخذ من جبينها مصلى.

-ليليانا- فتاة ٌ من الحكمة ألا يسمعها الملكان ببابل هاروت وماروت، قد يفسخ سحرُ صداها سحرَهما.

-ليليان- غانية ٌ تتنهد الحرير، وتتأوه العنب، إن أفلت من ضحكتها، ما نجوت من نهدتها.

تغريك بآلامها أكثر َ مما تفتنك بأحلامها. فمتى أطربت ِالأوجاع قلبا ً عز أن تطربه الأشجان؟
منذ متى وأنا أحمل في روحي روحا تحمل كل هذا الجمال؟ وإلى متى سأختزل في نفسي نفسا ً تختزل كل هذا الحسن؟

وهل الجمال إلا في همستها التي تسمع بها كل همسات الورد

وهل الحسن إلا في ضحكتها التي ترى منها كل ابتسامات الزهر.

أي امرأة ٍ هي وأي رجل ٍ أنا

كان علي ّ أن أقرأ وما أنا بقارئ.

وجدت فيها كل صبايا الحسن، ونظرت ُ فيها كل عرائس الجمال، وآنست ُ بداخلها كل النساء.

ولأنني كل الجمود

فإنها كل الدلالِ

ولأنها كل النساء

فإنني كل الرجالِ

كيف اختزلنا عالم

الأنسان هذا الاختزالِ

على أنني كنت حين أودعها فَتاة ً من أغصان النرجس، أستقبلها فَتاة ً من أزهار الياسمين. وحين تضحك تضحك بنكهة النعناع، وحين تبكي تبكي بلذة الزبيب.

ابتسامتها البكر أول مرة ٍ هي ابتسامتها البكر آخر مرة،

وما أعذب ابتسامة ٍلا يفتض بكارتها التكرار، ولا يطمث رونقها الاستمرار، فلا تطمث ولا تثيب.

ولا أراني متى تناسيت ُ بسمتها بكرا ، إلا تذكرت ُ بسمتها بكرا، ولا تثريب

(فجعلناهن أبكارا، عربا أترابا)

وهمستها العذراء الأخرى عذراء ٌ كهمستها العذراء الأولى(لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان)

لا تحدثني حين تحدثني إلا بصوت أريج العطر، حتى ظننت ُ أن صوتها مسروق ٌ من صوت العطر، ولا تنظر إلي ّ حين تنظرني إلا بعين الورد. حتى لكأن الرمان يفقأ خجلا في وجنتيها.

كانت نظرتها إلى الورد تترك للورد من الرونق أضعاف ما تأخذه نظرتها من رونق الورد.

فترى الوردة َ تضحك من البشاشة لنظرتها التي تحط فيها بشفاه الحسرة على نظرتها التي تنصرف عنها.

وما هذه اللطافة التي تأخذها لمستها من كل زهرة ٍ إلا تلك النعومة التي تضعها لمستها فوق كل زهرة.

ماذا لو علمت ليلى أن ابتسامتها التي ابتسمتها يوما هي الآن جارية ٌ من جواري صباها تتمايل أمامي.

وماذا لو عرفت أن نظرتها التي نظرتها ذات مرة هي اليوم غانية ٌ من غواني حسنها تجلس إلى جواري.

وماذا لو أدركت أن همستها هي الآن صبية ٌ من صبايا دلالها تسمر ليلتها معي.

وماذا لو شعرت أن ضحكتها هي عندي حورية ٌ أجمل من أخت ضحكتها.

ابتسامتها جارية ٌ من جواري صباها ، ونظرتها غانية ٌ من غواني جمالها، وهمستها صبية ٌ من صبايا دلالها، وضحكتها حورية ٌ من حور حسنها، هؤلاء اللواتي كانت تغار علي ّ منهن أكثر مما تغار مني عليهن، فهن ملك يميني وما أطيب ملك اليمين (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين).

وأذهلني أن الغزلان التي كانت تخلق من دمع وجهها الباكي كانت تنشأ في بشاشة وجهها المبتسم.

فاجتمع للغزلان وجها الوسامة والحزن،

ولو سكتت كل غزالة ٍ عن قولها أنا وجهك الحزين

لنطقت كل غزالة ٍ لتقول أنا وجهك المشرق الجميل.

وليس أجمل من بشاشة عنفوان وسامتها إلا ابتسامة ُ وسامة حزنها، فما أكرم الوجه الذي يستقبل بملامح أوجاعه كلها لوامح بشاشته كلها.

تكتم عني كل الحنين بهمستها التي تبوح لي بالحنين كله.

تصرفني عن حديث شغفها بصمتها الذي يأخذني إلى شغف حديثها.

ويا فرحي بسكوتها الذي أتدارك به بقية ما يفوتني من الانتشاء من حديثها معي.

هناك علمت ُ أن الصمت هو بقية الكلام، فمحبوبك حين يكلمك يريدك أن تسمع منه ما يقصده هو ، وحين يسكت لك يريدك أن تنصت منه لما تقصده أنت.

فما أجمل المرأة التي حين تحدثك تستنسخ من هدوء رجولتك رجلا ً يصغي إليها رسولا ً منك

وحين تسكت عنك تستخرج من ضجيج فحولتك فحلا ً يتحدث معها نيابة عنك.

أشواقها بشرى بين يدي رسالتها

لا أستفيق من خمرة سكرة رسالتها الأولى، إلا بسكرة خمرة رسالتها الأخرى.

كانت حين تَحجب ُ رسائلها عني يوما ًواحدا ً أحن إلى رسائلها بحنين كل الأيام.

وحسبي من رسائل – ليلى- أن الحرف منها بحجم الكلمات من الشوق، والكلمة فيها بمقدار الصحف من الحنين، والعبارة بها وزن الكتب من الشجن.

تقرأ رسالتها وكأنها تحدثك، وتحدثك وكأنها تبتسم لك، وتبتسم لك وكأنها تمسك بك.

أمن السحر هذا أم من البيان؟ أن تقرأ رسالة محبوبك فتحس أن محبوبك كله بداخلها؟ فلا تدري من أي حرف ٍ ستضحك لك، ولا تعلم من أي كلمة ستظهر عليك.

لديها سلطة النفاذ من أقطار سماوات أحشاءك، وعندها قوة الاستحواذ والتحكم بنواة حزنك وانتشائك.

فكانت حين تغيب لا يبقَ شيء ٌ من السرور حاضر ٌ لم يغب معها، وحين تحضر لا يبق شيء ٌ من السعد غائب ٌ لم يحضر معها.

ما أنبل ليلى يسبق خصامها لك رضاؤها عنك، ويدرك صدها عنك ودُها لك، وترافق عتبها منك لهفتُها إليك،

ويصحب قسوتها عليك رفقها بك، ويحتضن حزنها منك حزنها عليك.

في أي يوم ٍ كان ذلك اليوم الذي فيه احرقت ُ النسيم، والهبت ُ الظل، واشعلت ُالغيم،

وأبكيت الورد، وأشكيت الزهر، وأذبلت الفل، وأنخت الأغصان، فأفقدت ُ الماء صوت خريره،

وصرفت ُ النجوم عن مواقها .

وفرقت ُ بين الشمس والقمر

يوم خاصمتها خاصمت كل شيء.

فذكرت قول الحق تبارك وتعالى( يا جبريل إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل وينادي : يا أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض).

على أنني حين خاصمتها خاصمت وجودا كاملا ً كان يتعبد الله بمحبتها، وأن علي لأسترضيها أن أسترضي كل شيء.

كان عليّ أن أعيد كل نجمة ٍ إلى موقعها، وما أبعد مواقع النجوم(وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)، وأن أتلطف لكل نسمة ، فلا يشعرن بي أحدا .

وأن أتودد للأزهار زهرةً زهرة، وأتحنن على الورد وردةً وردة، وأعانق الأغصان غصنا غصنا، وأضع فمي في فم كل نحلة .

فهي أمة ٌ من الورد وأمة ٌ من الزهر، وأمة ٌمن الأغصان، وعالم ٌ من النسمات، وعوالم ٌمن الفراشات.

لم أخاصم فراشتي

وحدها ، بل ومهجتي

بل وخاصمت يومها

فرحتي، وابتسامتي

وبسهمي،، رميتني

فأصابتني،،، رميتي

وعلى من سوى سوى

على نفسي جنايتي

هذه الزهر كم بكت

واشتكت، من جريمتي

والنسيمات، والندى

ظامئات ٌ ، من فعلتي

كل شيء ٍ سيرتضي

لو، عفت ْ هذه التي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: