ومات القاضي الفاضل نجيب الشميري

ـ كتب : عبد الباري طاهر

(43)
“المؤسسة العسكرية في إسرائيل”قراءة في كتاب جوني منصور، وفادي نحاس
قبل أسابيع رحل عن دنيانا القاضي الفاضل نجيب عبد الرحمن الشميري الإنسان العلامة رجل القانون والحقوق. في الماضي البعيد والقريب حكمت اليمن الأعراف والقيم والتقاليد القبلية التي يسميها القرآن الطاغوت، وحتى فيما بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ظل القضاء أداة بيد السلطة التنفيذية، أما في عهد صالح، فقد تحول إلى هراوة ضد الخصم السياسي. ومحاكمات الثورة، ومحاكمات شباب المناطق الوسطى (الجبهة الوطنية الديمقراطية) في السبعينات والثمانينات، ومحاكمات الناصريين في انقلاب 78تشهد أن اليمن الشمالي لم يعرف- للأسف – القضاء المستقل الكفء والنزيه حتى اليوم. أما في الجنوب، ففيما بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تتكون إدارة قضاء بالمعنى العصري في المستعمرة عدن، وقد تراجعت هذه التجربة بعد قيام ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1967، وعرفت حضرموت محاولات للقضاء المستقل في لحظة عابرة في العهد القعيطي.

الفقيد الكبير القاضي نجيب ابن ثقافة العصر الحديث كواحد من أبناء عدن درس في الخساف الابتدائية، وحصل على الثانوية العامة من كلية عدن. درس القانون في بريطانيا، وحصل على الشهادات الجامعية والعليا منها. لم يكتف الشميري بالدراسة والتخصص في القانون، وإنما انغمس في الحياة العلمية، وحاضر في جامعة عدن.

هذا الإنسان العصامي درس اللغة الإنجليزية فأتقنها كأحد أبنائها، كما يؤكد زملاؤه وأصدقاؤه، ومنهم الأستاذان: حسين الحبيشي، ومحمود إبراهيم الصغيري. اللافت أن نجم الشميري لمع في ظروف غاية في القسوة، وتسيد العنف الأعمى؛ فقد صعد سلم القضاء بعد أحداث يناير 86 في جنوب الوطن، ولكنه احتفظ بتوازنه، وقدم أنموذجاً لرجل القضاء العادل الكفء والنزيه ،وطوال عمله في القضاء، سواء في الجنوب أو الشمال، ورغم تداخل السلطات وتسيد التنفيذي، وغياب الاستقلالية، وفي هذا الوضع شديد الانحراف والخطورة- احتفط القاضي نجيب بكرامته، وبحسن سمعته ونزاهته. تنقل في وظائف القضاء جنوباً وشمالاً كمستشار في وزارة العدل، وقاضٍ في محكمة عدن الجزائية، وعضو في الهيئة الاستشارية، ورئيس للمحكمة العليا في عدن، وعضو الهيئة الدستورية في الـ ج. ي، ورئيس تفتيش هيئة القضاء، وعضو مجلس القضاء الأعلى، وكقاض كفء لعب دوراً كبيراً في عملية التحكيم في قضية جزيرة حنيش.

تعرفت عليه بواسطة صديقه الأستاذ محمود الصغيري، وكثيراً ما التقينا لدى الأستاذ حسين الحبيشي- يرحمه الله-. هذا القاضي الجليل يجب أن تفاخر وتتباهى به وبأعماله الجليلة وإرثه العلمي والمعرفي اليمن؛ فقد ترك وجسد في مسلكه الأنموذج الأزهى والأروع للقاضي ورجل القانون، وترك أثراً رائعاً في أعماله الفكرية؛ فقد دون حقوق الطفل في قوانين اليمن الديمقراطية، وقانون الأسرة، وهو من أهم القوانين في المنطقة العربية كلها إلى جانب تونس، وحكم القانون في الـ ج. ي بالإنجليزية، واشترك في ترجمة كتاب «الطواف في البحر الأحمر»، وله مؤلفات أخرى.

في جزيرة واق الواق يكتفي المسئولون -وما أكثرهم!- بتوجيه التعازي، ثم ينسون الراحل، ولا يعيرون اهتماماً لإرثه العلمي، ولأسرته المكلومة، وكارثة اليمن- كتوصيف الإمام يحيى-: من نجا فهو وليد، ومن مات فهو شهيد. ويبدو أن الإمام نفسه كان في صف الموت، والقتل والموت مأساتنا المستمره.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: