الشكوى والاغتـراب في أغاني المرأة الريفية

أ. عبدالقادر الشيباني

يحسن بنا ونحن نتحدث عن ملامح الاغتراب في أغاني المرأة اليمنية في الريفة ، أن نشير إلى أن أغانينا الشعبية ـ بشكل عام ـ تنقسـم إلى نصوص ودلائل حتى أن الايقاعات الموسيقية اشتقت من الشعر الغنائي ، فتأريخ الكلمة الشاعرة ذات صلة بالأغنية الشعبية بدايتها من الريف أو من مضارب البوادي قبل أن تقترن بأي آلـة من آلات الطرب فالغناء طبيعي في كل مجتمع .. لأنه لغة النفوس وترجمان العواطف .

وأغاني مجتمعنا تنقسم إلى ألوان متعددة الملامح والأهداف منها أغاني العمل كأغاني البناء والحفر وأغاني المواسم الزراعية وأغاني الطحن وأغاني المرأة الريفية التي أخذت حيزاً في هذه التناولة .. فالمرأة في قرانا الريفية قبل أن تتعلم كانت تجيد الترنم الشجي والتغني لتريح بالها وتطرب روحها أو تسـلي على خاطرها ساعة الضيق .

لهذا فالمـرأة اليمنية في القرى كانت تستوحي غنائيتها الشجية من أجواء بيئتها .. وأكثر غناويها التي تحمل الشكوى والاغتراب كانت مستوحاة من مطالع النجوم أو لوامع البروق وأنوار الصباح وأصوات الطيور وفي هجعة الليل ويقظة الفجر وهبوب الرياح أو ساعة هطول الأمطار فلم تكن تلك “الغناوي” عبثاً أو ترفاً بل تعتبر جزءاً من تكتيك المرأة الريفية للسـيطرة على عوامل طبيعية في سرائها وضرائها، وكل غنوة من أغانيها تحمل مدلولات غاية في الإيحاء والتحفز .

فأغانيها في العمل والطحن والزراعة تتنوع أهدافها وإيقاعاتها حسب مواقيتها المناسباتية من الصباح إلى امتداد الضحى ووصولاً إلى الظهر والعـصر .

أما أغانيها في العشية فتكون أكثر تأثيراً وشجوا خاصة عند جنوح الشمس للمغيب .

وقد تشترك المرأة الريفية مع الرجل في أداء الغناء الجماعي الخاص بالعمل الزراعي في الحقل .. عند هواجر النهار في وقت البذر والحصاد أو قطع الأخشاب ورفع الأثقال وساعة الرواح ولكن غناءها الفردي غالباً ما تسـتوحيه أثناء أداء عملها عند الطحن على الرحى أو نزع الماء من البئر أو عند الاحتطاب واقتطاع الحشائش والأعشاب فأغاني الطحين على الرحى المعروفة محلياً / بالماورة / تختص بالمرأة لكن أغاني البتـلة والبناء وحفر الآبار ورفع الأحجار تختص بالرجل .

 

فمن الأعمال التي تمارسها المرأة بإرادتها منذ العصر الحجري .. بل قل حتى الوقت الحاضر في بعض الأرياف اليمنية فالمرأة المختصة بهذا العمل قد تقوم بمفردها وقت السَحـر ـ قبل الفجر ـ أو مع عدة نساء بإدارة طواحين الرحى اليدوية بطحن حبوب الذرة أو من دُخـن وغِـرب وشعير تبعاً للوضع الاقتصادي الذي تعيشه العائلة .

من زمان قبل أغاني الاغتراب كانت معظم الأغاني في الريف اليمني سواء عند الرجل أو المرأة إشادة بالخير وعطاء الأرض والامتنان بغزار الأمطار وكثرة الغلة لهذا يكثر ترديد :

يا دايمْ الخير دايــمْ

خـِيرنا يا خير دايم

والمرأة في الريف غالباً ما كانت أغانيها تتمحور حول نفسها أو ما تلاقي من تعسف وقسوة طبيعة ، أو قلة الزاد والمصاريف أو التي لم توفق في زواجها وتكتشف أنها مخدوعة برجل غير مناسب لها فتقول في إحدى أغانيها بصوت صريح :

ألا غـَّرني جلاَّبه … ألا غرني جلاَّبه

خــــداع ومكـــار … وكثيـر أعيابـه

وقد لا تخلو أغنية من أغانيها التي تشكو فيها من الظلم خاصة ظلم العائلة للبنت التي قد تجاوز عمرها سن الزواج ولا تزال (عزبة ) رغم كثرة قدوم الخطاب إلى بابها منـها :

 

يـا أخـي الصـغير

شعدلك على أبي

قلـه يزوجـني

ومو يشابي

كعوب صدري

حرقوا ثيابي

وجهي ذرة بيضاء

خيار صرابي

مع الملاحظة .. أن هذا المطلع يا أخي الصغير مسموع الآن في الغنائية الإذاعية الشهيرة .

كما كان للفتاة حق الاختيار لمن تراه مناسباً لها كزوج للحياة والعـمر ، وقد ترفض الشخص الذي لا تميل إليه إذا كان شاباً أو عجوزاً .

لهذا نلاحظ أن هناك مطالع لتلك الغناوى اللطيفة التي وردت في كتاب الأديب عارف الحيقي ” الأغاني الريفية اليمنية ” مثـل :

والله القسـم لا سـرح غريب ودرويـش

أما المحـبة بالصميـل ما اشتيـــش

 

وأخرى تبوح بغنائيتها بما يعتلج في صدرها وهي تقول بكل تحد :

ما اشتيش أني الخيـبة

لا لا تغـصبــونـي

لو تخـلسوا جلدي وتذبحوني

وقد يكون هناك رفض وإباء واعتزاز عند المرأة الريفية مهما كانت أمية ، فإعزازها بنفسها فوق كل شيء ، لهذا إذا رأته مولياً عنها الوجـه / بلا مبالاة / أو عائباً فتقول لـه معاتبة :

روح لك يالـعائب

تروح بعـيبـــك

رزقـي من الباري

ماهـوش بجيبـك

وكم كانت حسرة المحبين على حظوظهم التعيسـة إذا لم يوفـقوا في مراميهم ففيـهم تقول المغنية :

الشمـس غابت والعذور دنت

مرحم دموع العاشقين شنت

المرأة في الغناوي .. والحكايات الشعبية :

نلاحظ أن كل أغنية من أغاني المرأة الريفية كانت في بحر الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي تعكس الحنين والتنهدات.. أو شوقها والانتظار لعـودة الغائب الحبيب الذي فارقها إلى ديار الاغتراب البعيدة فنجد أن أغلب الأغاني الموضوعية الوطنية ومنها العاطفية مستوحاة من مطالـع غناوي الريفيات مـثل :

نجـم الصباح بكـر غبش يلالـي

أو مخاطبة الطير الجواب في الآفاق بالقول الصريح وهي من الأغاني التي تقدم من الإذاعة بأصوات غنائية متعددة مـثل :

بالله عليك ياطـير يا مـعلي

إن كان ترى خـلي … أمانتك تـقلـي

شاحملك شوقي إليه وحسـي

بالله عليك يا طـير أمانتك لا تنسـي

وهي من أغاني الخمسينات فقد أجاد عبدالله سلام ناجي اختيار هذا المطلع الشعبي كما أختار شعراؤنا اليمنيون في بحر الخمسينات أحسن مطالع غناوي الريفيات كالشعراء المعروفين / عبده عثمان محمد و/ سعيد الشيبـاني و / الجابـري وغيـرهم .

وإلى جانب المخاطبة بواسطة الطيور الغادية كانت هناك النسائم السارية أو رياح الأمطار عندما تهب تؤجج لهيب الأشواق مثل هـذا النص :

يا ريـح يا ريح يا للي تدخلي لا القـصور

رشـي دار خلي عطر ولا بخـور

مثل هذه الأغاني التي لا تزال تسمع حتى الآن ، كانت تردد في فترة الخمسينيات من القرن الماضي ، وهي على ضرب الإيقاع الشجي ، قد تتغيـر فيها القافية مثل هـذا النـص :
يا ريح يا ريـح يا للـي ترحلي في الخبوت
مري على بيت خـلي .. دون كل البيوت

با تعرفيه وجه أبلح فوق قامـة بئوس
وبالامارة جوار البيت بستان توت

مسكين يا ناس من قالوا حبيبه عـروس
يمرض مرض قلب .. أما الموت ما أحد يموت

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: