شعر و صبر

ـ كتب :  زيد الطهراوي

(28)
بين الالتزام و الفن

حين تعالج موضوع الصبر في الشعر العربي لا بد أن تمر على سيرة امرأة عاشت في الجاهلية و الإسلام و عانت من مرارة الفقد في المرحلتين.

هذه المرأة هي الخنساء، التي فقدت أخويها صخرا و معاوية في الجاهلية، فبكت بحرقة حتى كادت أن تفقد عينيها و أنشدت أشعارها الرقيقة في تعداد مناقب الفقيدين فقالت عن صخر:

أعيني جودا و لا تجمدا /ألا تبكيان الفتى السيدا ?

و قالت عن معاوية:

ألا لا أرى في النَّاسِ مثلَ معاويهْ /إذا طَرَقَتْ إحْدَى اللّيالي بِداهِيَهْ

و أسلمت الخنساء فتغير أسلوبها في مواجهة المصائب؛ و انتقلت من حال التفجع و إظهار الجزع الى حال الرضا بأقدار الله و التخلق بالصبر الجميل فالمؤمن يعيش بين النعم التي تستحق شكر الله المنعم و المصائب التي تتطلب الرضا و الصبر و في الحالين هو مأجور يرتقي في منازل الصابرين الشاكرين

نعم؛ ربما يتفاجأ الدارس حين يرى تغيرا في حال الخنساء، و لكن هذا الاستغراب سيزول عندما يعرف أن الإيمان بالله حين يدخل إلى القلب و الحياة فإنه سيكون خيرا و نورا و سعادة لصاحبه في الدنيا و الآخرة.

لقد فقدت الخنساء في الإسلام أربعة من الولد:  (عمرة، وعمرو، ومعاوية ويزيد) في معركة القادسية و لكنها لم تقل: خرجت من فقد في الجاهلية إلى فقد في الإسلام فإيمانها بالله أكبر من أن تنزلق في هذه المزالق؛ بل إنها هي التي كانت تحث أبناءها على الجهاد في سبيل الله، ليفوزوا بأجر الشهادة و تفوز هي بأجر الصابرين.

و انحسر البكاء و النياحة عن شاعرة الرثاء؛ تلك التي غرست  لآلئ دموعها على أخويها و سكبت عليها أشعار الأسى؛ فلم يجد الدارسون شعرا للخنساء في رثاء أبنائها، و لكنهم وجدوا ما هو أرقى و أعلى من ذلك فقد قالت الخنساء عند سماع خبر استشهاد أبنائها:

“الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وارجوا من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: