لا أريدُ أن أحبك الآن!

ـ محمد فائد البكري

(34)
جسدي زنزانة مغلقة الأبواب

أحتفظ لقلبي بمسافةٍ كافيةٍ منك.

ليتنفس بلا خنادق،

ويحلم بلا خططٍ حربية!

أخاف أن أحبك في زحمة الأحزان الوطنية.

أريد أن أحبك خارج معجم الحرب

لا أعرف كيف أحبك، وهذه اللغة التي أكتب بها إليك أسمع فيها صليل السيوف وقعقعة الرماح!

لا أعرف كيف أُعبّر لك عن غابةٍ من المشاعر

وكل نبرة أسمع فيها ضربة فأسٍ لئيم.

لا أعرف كيف أكتب لك،

وكل حرف أسمع فيه صرخة قتيل، أو تنهيدة جريح ينزف عمره ويتذكر في آخر لحظاته أننا نحتاج وطنا لنعيش، لا وطنا نموت لأجله.

لا أعرفُ كيف أقف أمام الكاف التي تخاطبك ولا تكف عن البكاء، كلما قلت أحبك!

لا أدري كيف أكتبُ لك بنفس الحروف التي يصنعون منها شعارات قاتلة،

ويتوعدون بها التاريخ

ويشتمون بها أمهات الضحايا!

أريدُ أن أُسمعك صوت أحلامي،

لا صوت الرصاص الذي يلعلع خلف السطور،

أخافُ أن أقول لك كلمة ” أحبك” التي يقولونها للوطن ويقتلون باسمها آلاف الأبرياء.

أخافُ أن أقولها فتنفجر في وجهي ألغامٌ سلالية وتتطاير آلافُ الأشلاء من الذاكرة.

أخاف أن أقول لك: أفديك بروحي

فيصيبك الصدى بشظيةٍ طائشة.

أو تنفجرُ في خيالك عبوةٌ مفخخة،

أخاف أنْ أرسم لك علامة التعجب

فتقطر منها الدماء،

لا أريد أن تري وراء كل فاصلةٍ يتيماً يجلسُ على ظله ويتذكَّر أن أباه الذي يسمونه شهيدا، كان يُمكن أن يكتفي بلقبٍ أب فقط،

هذا الطفل الذي خلف الفاصلة لايحتاج للقب ابن البطل!

كان يريد أباً جيداً يقول له: أحبك

وأم هذا الطفل، هذه الأرملة التي منحها القتلة لقب زوجة الشهيد لا تستطيع أن تحضن اللقبَ وتنام.

لا أريد أن تري كم تحت علامة التعجب من أمهات مخلّعات القلوب يندبن، ويثقبن السماء بحثاً عن إلهٍ للجميع.

لا أريد أن تري كم بعد واو العطف من جثثٍ تعفّن فيها معنى الوطن!

لا أريد أن تري كم من الكلمات تموت الآن !

أريد أن أحبك لكن المدافع تقصفُ كل همزة وصل.

والطائرات تدّمر كل ضمير متصل.

أريد لغةً تُغنّي وترقص لك.

وتضحك بلا تحفظ .

أريد لغةً تحبك في العلن. وتخاف على الوطن من صور الشهداء!

أريد لغةً لم يلوثها البارود،

ولم تمضغها أفواه الطغاة والسماسرة.

أريد لغةً تحبك بلا ترسانة وعيدٍ،

وبلا أسلاكٍ شائكة.

أريد لغةً بلا حدود جغرافية.

وبلا أحقاد تاريخية.

أريد لغةً أولد فيها كلما تغزّلتُ بك.

أريدُ لغةً أحلم بها لي ولك، وأحرر العالم من لام الأمر.

و ضمير القتل المستتر.

أريد أبجديةً لا تموت من أجل أحد، ولا تعلن الحرب على أحد!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: