ببساطة هكذا أنا

ـ كتب : ياسر أبو الغيث

وسط ظلام دامس أبحث عني ، عني أنا التائه عني !، يزيد من هذا التيه و يبعدني عني أكثر وأكثر، حنحنة مولد كهربائي  متهالك بجوار نافذتي، مغمض العينين أفتش في كل شيء، وعن كل شيء من شأنه أن يعيدني إليَّ ، أتحسس بأصابع روحي عن شيء يلملمني و يعيد ترتيبي أنا المبعثر حيث أدري وحيث لا أدري، أنا المتناثر هنا و هناك فقراً ، جوعاً ، جهلاً ، حزناً، وجعاً،  بكاءً ، أنيناً ، أزمة مفاجئة، سعراً متقلب. طموحاً متحطم ، حلماً متعثر، محراباً مؤدلج، أمن مقلق، و حرية مقموعة، أنا اليمني! ، الحرية صحة الروح كذلك يقول فوليتر، لا معنى للحياة و لا للوجود الإنساني دون حرية ، أسوأ ما في الحروب أنها إذا لم تقتلك جسدياً تقتلك روحياً ، الأخيرة أسوأ بكثير من أي شيء آخر.

مع النصيحة في السر لا أقل ولا أكثر،  مؤخراً أصبحت ُ أمقت أولئك الذين يأتون و يسألون الآخرين هل صليتم ؟،  ولماذا لا تصلون؟ كلما رأيت أحدهم يمارس ذلك مع غيره جهراً ، تصيبني كآبة عميقة ، أشعر برائحة كريهة تحيط بي، تخنقني تقطع أنفاسي، تتطور إلى شيء يعلو ويهبط في حنجرتي، لا أطيق صبراً عليه أدخل أصبعي أسحبه خارجاً، أنثره حول من يمارس ذلك فتهدأ روحي المشتعلة بغباء النصيحة أمام العامة، أفعل ذلك وأمضي محافظاً على عافية روحي!

منذ أسبوع و أكثر بقليل غارقة هي حارتي القبيحة  و الهادئة في ظلام لا يليق بهذا الزمان ،كل شيء في حارتي ينتزعك من إقامتك في عاصمة ،  و يعود بك قريتك و قرويتك ! ، لعنتي عليك ما من حارة ، لن أنهزم ولن أنام مبكراً !، إلى جوار انعدام مادة الديزل المُشغلة للمحطات الكهربائية التجارية،  الغمام يملأ السماء ويحجب الشمس وأشعتها عن ألواح الطاقة الشمسية ، أي في حارتي ذات الأزقة الضيقة في عشوائية كارثية ، لم يعد الصباح الغائم شيء باعث على التسكع تحت قطرات مطره الشفاف المبهج ، صباح كهذا في حارتي المتسخة نذير شؤم يهدد بجعل تلفونك مطفأً  و منزلك غارقاً في الظلم،  اليوم لا حياة دون كهرباء،

في حارتي اللعينة إن كنتَ تحمل فكراً إنسانيا و تدعوا إلى الحياة حياة الرقي الإنساني لن يلتفت إليك أو يعرفك أحد ،  وهو شيء جميل في بعض الأحيان بشكل خاص في ظل غياب الحرية وبطش المنتصر ، المثقف الحقيقي عود كبريت يمضي في دروب الحياة حاملاً حتفه فوق رأسه ، لا كبريت حقيقي في هذا الوطن ! ، لن يعرفك أحد إن كنت َ تحمل فكراً أي فكر،  أما إن كنتَ تحمل “خازن شحن” للهواتف سيلتفت إليك الكثير وسيرغبون في التعرف عليك أيضاً ،  بشكل خاص جيرانك في نفس العمارة!،  الجار قبل الدار نعم وهو كذلك،  لكن ليس في استعارة الخازن، هذا ما قلته لجاري الذي صادفني عند مدخل العمارة وأبتسم بوجهي كمن صادف في طريقه حزمة من النقود!

في حارتي اللعينة و الموبوءة بالهدوء  الكئيب والمفزع ، لا شيء أكثر عزاً من امتلاكك لخازن شحن!، في يومياتي انتصر على كل الصعاب وأمضي قدمًا في مجاهل الحياة ، متفهماً كل تقلباتها ، تلك الوسيلة الوحيدة للبقاء  ،  وحدها بطارية هاتفي المتهالك حين تنطفئ أشعر بالانهزام و الضياع ، على وجه التحديد عندما أبداً في مضغ قاتي الذي طالما يكون لا بأس به ، لا شيء يسعدني ويجعلني مستقراً نفسياً، إلا صوت أمي التي لا أراها إلا أيام معدودة في السنة،  نعم صوت أمي ، وبطارية هاتفي حين تكون ممتلئة ،
هذا أنا وكهذا ببساطة أعترف عني وعنكم!

(6)
اللواء حاتم أبو حاتم، مسيرةُ إنسان و غدر الزمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: