لَم تَصِلنِي، ولَم أَصِلها الحَيَاةُ

ـ الشاعر : يحيى الحمادي

(68)
(مَزاد سِري، لجداريّةٍ لم تكتمل..)

لَم تَصِلنِي، ولَم أَصِلها الحَيَاةُ
كُلُّ ما كانَ بَينَنا ذِكرَيَاتُ

عالَمٌ غَيرُ عالَمِي كانَ يَنمُو
تَحتَ جِلدِي حُفاتُهُ والعُرَاةُ

كُنتُ أَعدُو، ولِلأَمَامِ احتِشَادٌ
خَلفَ رَأسِي، ولِلوَرَاءِ التِفَاتُ

كُلَّما عُدتُ خُطوَةً قالَ خَوفِي:
مِن غُصُونِ الهَلَاكِ تُجنَى النَّجاةُ

لَم يَكُن بي لِغَيرِ نَفسِي حَنينٌ
أَو بِنَفسِي لِغيرِ نَفسِي صِلاتُ

ما لَها الأَرضُ أَصبَحَت تَقتَفِينِي
مِثلما تَقتَفِي المَريضَ الوَفَاةُ؟!

*****

بَينَ صَوتِي وظِلِّهِ ثَمَّ نارٌ
لا تَراها جَريدةٌ أَو قَنَاةُ

واغتِرَابي حَقَائبٌ مِن دُخَانٍ
كُلُّ أُخرَى وَرَاءَها أُخرَيَاتُ

والبِلادُ البَعيدةُ البَابِ أُمٌّ
لَم تُسائِل صِغارَها أَينَ باتُوا

قُلتُ: يا مَن غَدَرتِ بي دُونَ ذَنبٍ
أَنتِ أُمِّي؛ أَتَغدُرُ الأُمَّهاتُ؟!

لا تَضِيقُ الجِهاتُ إِلَّا على مَن
حِينَ يَلقَاكِ لا تَضِيقُ الجِهاتُ

كان يَكفِي الشَّقاءُ والجُوعُ، لكن
بَعدَ هذا وذاكَ حَلَّ الشَّتاتُ

باحِثًا عَنكِ ها أَنا، لَستُ أَدرِي
هل هَلاكِي وِلَادَةٌ أَم مَمَاتُ!

*****

طالَ بَينِي وبين نَفسِي جِدَارٌ
أَينَ يا حَربُ تَنبُتُ الأُغنِيَاتُ؟!

في زَمَانِ الرَّصَاصِ لا شَيءَ أَقسَى
مِن سُكُوتٍ جِرَاحُهُ مُصغِيَاتُ

يا شمالَ الشّمالِ لِي مُشكِلاتٌ
يا جَنوبَ الجَنوبِ لِي مُعضِلاتُ

والحُمَاةُ الغُزاةُ لَم يَستَطِيعُوا
رَتقَ جُرحِي، ولا الغُزاةُ الحُماةُ

لَيسَ أَشقَى مَهانَةً واغتِرابًا
مِن بِلادٍ يَسُوسُها الإِمَّعَاتُ

واااا بِلادِي التي نَأَت عَن بِلادِي
كيف تَرقَى إِلى أَسَايَ اللُّغاتُ!

ها أَنا غُربَةٌ، وها أَنتِ بابٌ
دُونَ سَقفٍ، صَرِيرُهُ حَوقَلَاتُ

يَركُضُ الشِّعرُ في دَمِي رَكضَ خَيلٍ
خَلفَهُ المَوتُ رَاكِضٌ والرُّمَاةُ

أَينَ مِنّي ومِنكِ أَنجُو بِنَفسِي؟!
عاشِقَاكِ الهُرُوبُ بي والثَّبَاتُ!

لَيسَ إِلَّا لِمِثلِهِ الشَيءُ يَهفُو
قادَهُ الوَصفُ، أَو دَعَتهُ الصِّفَاتُ

وَجهُ قَلبي صَحِيفَةٌ لِلقَوَافِي
والقَوَافِي لِحِبرِ عَينِي دَوَاةُ

لا أُصَلِّي العِشَاءَ إِلَّا دُمُوعًا
إِنَّ حُزنِي على بِلادِي صَلاةُ

لَم يَعُد في عِمَامَةِ الدِّينِ رَأسٌ
غَادَرَ الدِّينُ مُذ أَتَانَا الدُّعَاةُ
.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: