ليست مرثية

عبد الباري طاهر

 

(41)
محمد فايد البكري

يحيى عوض المحرقي شاعر رائع ومناضل عتيد من مواليد 1942. ارتحل إلى مدينة التنوير (عدن) باكراً في خمسينيات القرن الماضي هرباً من تهمة الشيوعية. انتسب للاتحاد اليمني، وانتخب في قيادته عام 1959. اشترك في ترؤس وفد زبيد؛ لتأييد قيادة الثورة السبتمبرية في صنعاء. ألقى قصيدة تأييد للثورة فعين مذيعاً. بسبب خطأ فني لا علاقة له اعتقل. ترك صنعاء عائداً إلى زبيد. تعرض لاعتقالات متعددة. انتسب للحزب الديمقراطي الثوري المتحول عن حركة القوميين العرب، وتعرض للاعتقالات المتكررة والمضايقات، ولمحاولة اغتيال في حادث سير. دَرَّسَ لعدة سنوات في مدينته زبيد، وأصبح مشرفاً تربوياً على مدارسها. كان في طليعة التأسيس للتعاونيات في تهامة، وحضر المؤتمر العام التأسيسي للاتحاد العام للتعاونيات 94، كما شارك في التأسيس لاتحاد الأدباء والكتاب، وكان رقماً مهماً في نشر التعليم الحديث، وغرس بذور الثقافة الوطنية وقيم الحرية والعدالة والمعارضة السياسية اليسارية.

في مطلع الثمانينات سلمني ديوانه المخطوط، وكان يزور صنعاء حينها محمد الزنابيلي صاحب دعوات «دار التنوير» ببيروت، فسلمته الديوان لطباعته مع ورواية العزيز الراحل السارد والأديب يحيى علي الإرياني، وكان الزنابيلي مهتماً بطباعة الرواية والديوان؛ ليفتح نافذة للأعمال الإبداعية اليمنية. مضت بضعة أشهر، فسمعنا أن الباخرة التي كانت تحمل مطبوعات سودانية ويمنية قد غرقت في البحر، وانقطع التواصل مع الزنابيلي. أشعر بالحزن كلما تذكرت ما حدث لرواية الإرياني، وديوان عوض. شعرت بالفرحة عندما صدر ديوانه «هو الحب» عن دار عبادي 2003، ويقيناً، فإن الديوان الصغير لا يحتوي كل أشعار الشاعر الكبير يحيى عوض؛ فطوال الستينات وما بعدها كان عوض في صدارة الشعراء اليمنيين، وقد ارتبط أيما ارتباط بالحياة الثقافية والأدبية والسياسية، وكان نجماً لامعاً في الحياة العامة. هذا الأديب الكبير والشاعر الفذ والمناضل العنود ترك أثره العميق في الشعرية اليمنية الحديثة، وتربى على قلمه وتعليمه عشرات ومئات الطلاب والقراء. ديوانه يستحق الدراسة، وحسناً فعل الأستاذان الجليلان: الفقيد الكبير المؤرخ عبد الرحمن الحضرمي في ترسم سيرة وحياة وإبداع عوض، كما تمثل دراسة الناقد المبدع علوان الجيلاني عن حياة وشعر يحيى عوض إضاءة وإضافة نقدية عميقة لهذا المبدع الظليم.

قراءة الديوان المنوه به تحتاج وقفة أخرى.قصيدة يحيى عوض تجسيد حي لصلابة موقفه. القصيدة الفعل الحي المقاوم، والكلمة الرصاصة بعيدة المدى والصدى. يرقد الآن الشاعر الكبير في فراش المرض، ولكنه الواقف في قصيدته «وحدهم»:

قليلون جداً هم الواقفون

وسقف المدينة ينهار

غول المدينة ينضج مأدبةً لشيوخ العشائر

من في مواجهة الليلة (المومس) الآن يرفض أن يطأطئ هامته

وحدهم يشربون النبيذ القليلون

يستروحون من العشب والبحر

بعض النسائم والأغنيات

ويمضون هاماتهم ملعباً للنجوم

وأقدامهم تزرع القبل السندسية بين عيون التراب

للشاعر الكبير الواقف دوماً دعوات الشفاء، وله الاعتذار وعميق الاحترام.

كتبت هذه المقالة قبل عدة أشهر من وفاة الشاعر الكبير والمناضل العنود، أما رحيله الفاجعة فبكائيته مختلفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: