لقاء خاص بالفنان والباحث الموسيقي جابر علي أحمد 

 

ـ حاوره : أ/ فهد علي أحمد القباطي ـ تلفزيون عدن

 

لقاءنا يتجدد بكم مع شخصية جديدة وفنان مبدع نموذج للمثقف اليمني متسلح بالعلم والمعرفة. باحث وناقد موسيقي متمكن يمتلك رصيدا من الخبرات والتجارب، ولد عام 1952 م في محافظة الحديدة. التحق بالمدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية . حصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة عام 1977 م من جامعة دمشق، وحصل على شهادة البكالوريوس في الموسيقى تخصص آلة العود من جامعة القاهرة عام 1982 م، وحصل على دبلوم في الدراسات الموسيقية من المعهد العالي للموسيقى عام 1983 م. إنه الأستاذ القدير الفنان جابر علي أحمد .

س – نرحب بك أستاذ جابر أجمل وأرق ترحيب نريد أن نستعيد بعضا من الذكريات، ونتلمس بعضا من مواطن الإبداع والجمال في تجربتكم الفنية ولتكن البداية من حيث تشكلت اللبنات الأولى لشخصية الفنان جابر على أحمد  ؟

ج – بالنسبة للبدايات طبعا أنا عشقت آلة العود من أخي أحمد وهو من الهواة المثابرين على العزف على آلة العود كنت ألاحظه عندما كان يعزف وأنا صغير جدا .

 

س – كم كان عمرك حينها؟

ج – كنت في الخامسة تقريبا لم ألتحق بالمدرسة بعد. كنت أراقبه وأحاول أقلده وبدون عود هو لاحظ أني مثابر على متابعته وعلمني أول موشح يمني وهو أهلا بمن داس العذول وأقبل، وعلمني طريقة عزفه وكان العود كبيرا عليَّ، وعملنا جلن وركبنا عليه أوتار، وتعلمتُ عزف هذا الموشح، وعندما التحقت بالمدرسة في البداية لم يكن هناك نشاط ، وعندما وصلت إلى المرحلة الإعدادية بدأت الأنشطة الفنية وتحديدا في مدرسة الثغر الجديد، وكان مدير المدرسة اسمه حسن جمالي الله يرحمه، وحقيقة تبناني بشكل جيد وكان مهتما بالنشاط الفني والمدرسي، وحتى أنه أشترى عودا للمدرسة جاء به من مصر، وكانت الاحتفالات الرسمية في الحديدة تحييها المدرسة من خلال الطلبة الموهوبين، وكنت أنا واحدا منهم وكان هناك طلبة أندادي يكتبون شعر وكانت الكلمات والألحان توزع على الطلبة، وكان هناك اثنين من الطلبة مهتمين بهذا الجانب وهما الزميل على هاش، وهو الآن يعمل طبيب في مستشفى الحديدة وأنا، فكنا دائما نغني مع بعض وكنت أنا أعزف له طبعا أستمر هذا الحال حتى المرحلة الثانوية  فكانت كل المواد المتعلقة بالموسيقى كنت أتولاها أنا بالتلحين والغناء . بعد ذلك ذهبت إلى دمشق ودرست فلسفة .

س – لماذا درست في مجال الفلسفة، وما هي دوافعك، ولماذا لم تتخصص في مجال الموسيقى ؟

ج – لم يكن هناك دراسة موسيقية في ذلك الوقت في سوريا، وثانيا لم أضع الدراسة في الجانب الموسيقي في برنامجي حينها، أما بالنسبة لدوافعي في دراسة الفلسفة كانت مبهمة إلى حد بعيد لكن الهدف كان الدراسة، لكنني عندما درست فلسفة اكتشفت مع الدراسة أن الاختيار كان جيد وأن هناك علاقة بينها وبين الموسيقى .

 

س – ممكن نتعرف على طبيعة هذه العلاقة بين الفلسفة والموسيقى ؟

ج – أولا الموسيقى هي موضوع فلسفي بامتياز بمعني أنه لا يوجد فيلسوف إلا وأدلى بدلوه في مشكلات وقضايا الموسيقى، وهذا أمر طبيعي لأن الفن عموما هو موضوع فلسفي؛ لهذا يوجد فرع في الفلسفة يسمى علم الجمال. فعلم الجمال فرع فلسفي يهتم بمسائل الفن تحديدا والجمال عموما.

 

س – طبعا الفن بشكل عام ؟

ج – نعم والجمال بشكل عام أيضا بمعنى العلاقة الجمالية بين الإنسان والعالم. فالموسيقى في نطاق علم الجمال هي فرع فلسفي هو علم الجمال الموسيقي، وكل فن من الفنون له علم جماله الخاص .

س – من خلال دراسة علم الجمال للفنون المختلفة هل تعززت لديك الرغبة في ممارسة هواية العزف والغناء حينها ؟وهل هناك أنشطة معينة كنت تمارسها أثناء الدراسة في سوريا ؟

ج – أكيد طبعا لأنه كانت الاتحادات الطلابية أو الروابط والكيانات النقابية الطلابية في سوريا بشكل عام أولا  تمارس أنشطتها من خلال مبنى واحد، فكانت كل الاتحادات أو الروابط تتفاعل فيما بينها إلى جانب نشاطنا مع اتحاد الطلبة اليمنيين في ذلك الوقت تبلورت في ذهني حينها فكرة أن يكون لي لون فني خاص بي لوني الشخصي طبعا.

 

س ـ قبل أن تتبلور لديك فكرة تكوين لون خاص بك ماذا كنت تردد من أغاني؟

ج – كنت أردد الأغاني المعروفة لأحمد قاسم والانسي والمرشدي وغيرهم.  بعد ذلك انتقلت إلى مرحلة أخرى كنت أريد أن أجد نفسي فيها، والحقيقة حضينا بأساتذة في سوريا مثل الدكتور رؤوف بلوز والدكتور طيب تنزيني، هؤلاء كانوا فلاسفة على درجة عالية من العمق الفلسفي كانوا مهتمين بالفلسفة في منحاها الجاد عموما ، فالكتب التي كانت تقرر كانت دائما تغوص في مسائل ومشاكل علم الجمال، وهذا دفعني إلى أن أعيش هذه المشاكل مثلا كالمدارس الفنية وتحمس الفنان لإحدى هذه المدارس.  يعني مسائل ترتكز على مصوغات فلسفية تحدد علاقة الإنسان بالعالم، ونحن كنا متأثرين بالمدرسة الواقعية الاشتراكية إلى جانب دراستنا للمدارس الأخرى. كانت مسألة هل الفن للفن أم الفن للحياة كانت مسألة تشدنا  كثيرا ونحن كنا نعيش مرحلة نشاط سياسي وطلابي فكنا نتحمس لفكرة الفن للحياة.

 

س – أليست مسألة الفن للفن أكثر عمقا من الفن للحياة ؟

ج – هي كل المدارس عميقة، ولم نتعمق في المسألة حينها كما ننظر إليها الآن أستطيع أقلك الآن أن مسألة الفن للفن مهمة جدا ؛ لأنها تركز على أهمية الفن وعلى التشكيل الفني . نحن كان إدراكنا للمسألة حينها محاطا بكثير من الأوهام وأحيانا المؤثرات السياسية، وحاولنا نجددها وفق سقف أيديولوجي معين، لكن بالتأكيد أن مسألة الفن للفن تعني أن الفنان لا يمكن أن يكون فنانا إلا إذا اهتم بالمادة الفنية والتشكيل الفني، وفي الأخير الفن هو تشكيل وبالتالي الفن للحياة والفن للفن مسألتين متكاملتين لا يوجد بينهما ذلك التعارض الحاد، ولكن يوجد تعارض فالمدرسة الواقعية الاشتراكية لا تهمل الفن لأنها لو أهملت الفن لما عادت مدرسة فنية. هي في الأخير مدرسة فنية تهتم بالشكل، ولكن تبقى حدود العلاقة بين الشكل والمضمون هي التي تعمل الفارق بين مدرسة وأخرى  .

 

س – أكملت دراسة الفلسفة وانتقلت إلى محطة هامة في حياتك وهي دراسة الموسيقى حدثنا عن هذه المحطة ؟

ج- ذهابي إلى القاهرة كان فيه نوع من المغامرة لأني ذهبت من غير منحة دراسية؛ لكن كان لدي مجموعة من الأصدقاء من البحرين، وتحملوا أمر إقامتي وتكاليف الدراسة وأقمت عندهم لمدة عام ، وكان الاتحاد الوطني لطلبة البحرين يعطيني مساعدة مالية شهرية من أجل المواصلات وأجدها فرصة لأتوجه لهم بالشكر والامتنان، ودرست سنة أولى ، وكان حينها الأستاذ راشد محمد ثابت سفير جمهورية اليمن الديمقراطية في القاهرة، وكان في واحد جاري من أبناء الحديدة ، كان لاجئا سياسيا اسمه محمد الأهنومي ـ  رحمه الله ـ وعمل الأستاذ راشد على استخرج  منحة لي من جمهورية اليمن الديمقراطية ، والأخ محمد الأهنومي أستخرج لي منحة من الجمهورية العربية اليمنية، وتمكنت من الحصول على منحتين بعد الفقر طبعا .

 

س – بعد أن كان حالك سيئ صرت أحسن طالب .. عندما درست الموسيقي في المعهد العالي لا شك أنك درست على يد كبار الأساتذة في مصر أذكر لنا بعض الأسماء ؟

ج – أنا بذكر لك من كان لهم تأثير كالأستاذ جورج ميشيل والأستاذ محمد العابد، وكان هناك الأستاذة أميرة استفدت منها كثيرا ، كان رأسها مليان إلى جانب الزملاء من الطلبة البحرينيين خاصة الذين سبقوني بالالتحاق بالمعهد علموني بعض المقاطع الموسيقية دخلت بها اختبار القبول .

 

س – كنت الأول على الدفعة بعد ذلك التحقت مباشرة لمواصلة الدراسات العليا ؟

ج – نعم حصلت على الترتيب الأول في الدفعة وتولدت لدي رغبة شديدة في مواصلة الدراسات العليا، وقبلت حينها وانتقلت من المعهد العالي للموسيقى العربية إلى المعهد الوطني للموسيقى العربية، وأخذت دبلوم واستفدت كثيرا جدا ودرست على يد مجموعة من المدرسين الأجانب، وكانت الدراسة باللغة الانجليزية، ولكن للأسف لم يكن لدي منحة، وبعد عام عدت إلى صنعاء  .

 

س – عند عودتك من القاهرة توليت مسؤولية قائد الفرقة الموسيقية بالحديدة حدثنا عن هذه التجربة ؟

ج – كانت أول مواجهة عملية موسيقية، وكان أول عمل أتولاه داخل اليمن. فكانت هذه التجربة مليئة بالمغامرات الموسيقية ، وفي الحديدة وجدت معطى موسيقي متفرع ما بين مكون شعبي ومكون تقليدي وخاصة الموشحات في تهامة، وكذلك القصائد من خلال معايشتي في الحديدة أعرف أن هناك تراث ، فارتبطت بالتراث وقدمت من خلال مجموعة من الشباب مجموعة من الموشحات وكذلك القصائد .

 

س – في عام 1985 قدمت أول حفل ما هي الأعمال التي قدمتها أستاذ جابر؟

ج – قدمنا موشح انظر إلينا للشيخ جابر رزق، وقدمنا “مولاي صلِ وسلم دائما أبدا ”  نهج البردة  .

 

س – يقال إن الفنان ابن بيئته وتهامة غنية بالموروث الثقافي والفني تكتنز العديد من مفردات التراث من رقص وموسيقى وغناء وغيره .. ما مدى تأثرك بهذه البيئة أستاذ جابر وهل استفدت من مفرداتها ؟

ج – قد تستغرب بأن المؤثرات الأولى لم تكن الموروث في تهامة، وإنما كنت متأثرا بما يحدث في عدن من أغاني محمد سعد وأحمد قاسم و المرشدي، وكانت إذاعة عدن هي المصدر الرئيسي للموهوبين في تهامة من متى أنا بدأت أشعر أن هذا الموروث التهامي يجب أن يرعى عندما عدت من القاهرة بدأت تتبلور أمامي فكرة الاهتمام بالتراث وطبقت هذه الاهتمامات.

 

س – مع الفرقة التابعة للثقافة بعض هذه الأعمال ؟

ج – نعم ومثلا الأستاذ عبدالهادي خضر كتب قصيدة ولحنتها لفنانة واختفت طبعا وهو عمل اجتماعي يقول :

يا به غزاني امشيب        يا به امزواج مش عيب

اكثر امبنات وابه          حياتهم نعمه

إلا أنا وابه                  تغصني امنقمه

من امطحين لا اموريد    لما بدى امنجمه

 

 

س – سجلت هذا العمل ؟

ج – سجلناه في تلفزيون صنعاء ولاقى رواجا، ولكنه في الأرشيف لم يعيدوا بثه للأسف .

 

س – هنا يأتي الدور التكاملي ما بين الإعلام والثقافة، وهنا لا بد من تزويد المشاهد والمستمع بهذه الأعمال وخاصة التراثية.. طيب أستاذنا الكريم أهمية الفرق الشعبية الموسيقية التي تلعب دورا كبيرا جدا في توثيق التراث هذه الفرق معرضة للاندثار مثلها مثل التراث الشعبي. كيف يمكن أن نحافظ على هذه الفرق وعلى استمراريتها من خلال الأجيال القادمة ؟

ج – كلنا نسلم أن وجود الفرق الموسيقية في أي مجتمع هو دليل على حيوية هذا المجتمع، وعلى هذا الأساس البلد الذي لا يهتم بفرقة الموسيقية ولا يهتم بمكوناته الثقافية عموما بلد يعرض نفسه للإخفاق والضياع. كان في عدن معهد جميل غانم للفنون الجميلة وكان في حضرموت معهد جمعه خان للفنون الجميلة، وكان في محاولات بصنعاء لتأسيس معهد لكنها لم تنجح.  ما أريد أن أقوله بأن الاهتمام المؤسسي أولا بالجانب الموسيقي يبدأ من خلال الاهتمام ببناء المعاهد لذلك نجد أن هناك دور سلبي لوزارة الثقافة من خلال تبنيها لهذه المسألة كذلك دور سلبي لوزارة التعليم العالي من خلال عدم تبنيها لعمل كليات للتربية الموسيقية .

 

س – هناك قسم للتربية الموسيقية في كلية الفنون الجميلة بالحديد؟

ج – نعم ولكن يحتاج إلى الدعم والاهتمام ليقوم بدوره كما يجب . الاهتمام يبدأ أولا من الاهتمام بالبنية التحتية وعدم الاهتمام بذلك يعني عدم الاهتمام بالموسيقى، وأنت سألت عن الفرق الموسيقية كيف أضمن بقاءها إلا من خلال تزويدها بالكادر الموسيقي، من خلال المعاهد وإلا ستندثر الفرقة الموسيقية التي شكلناها في الحديدة الآن توارت مع الأسف الشديد طبعا لكبر بعض الأعضاء في السن ، ولأسباب أخرى تتعلق بالاهتمام بالعازف أو الفنان مثلا في عازفين ماهرين جدا جدا مش عايشين إلا من المخادر والمخدرة لا يمكن أن تحافظ على الزخم المعنوي للفنان، ولا يمكن أن تقدم نفسك كمبدع من خلال المخدرة أنت تقدم ما يرضي الناس، و تصبح مثلك مثل الآلة يبقى الاهتمام الحقيقي بالموسيقى من خلال الاهتمام بالبنية التحتية والاهتمام بالتربية الموسيقية في المدارس .

س – طيب بالنسبة لمادة التربية الموسيقية لا توجد نهائيا في المدارس ؟

ج – وهذا أخطر إذا فالموسيقى عندنا مهددة بخطر أكيد إن لم يتم استدراك الأمر سنعاني . كثير من الناس سيتحولون إلى شياطين لعدم وجود تربية موسيقية .

 

س- في عام 1993 م توليتم منصب نائب مدير معهد الفنون الجميلة بعدن، وهذه تعد من أهم المحطات للفنان جابر علي أحمد حدثنا عن هذه المحطة وأبرز ما لمسته خلال عملك في المعهد ؟

ج – معهد الفنون الجميلة بعدن من أهم المؤسسات وحظي باهتمام كبير وأبرز العازفين في اليمن تخرجوا من معهد الفنون الجميلة بعدن مثل عبدالعزيز مكرد ومجموعة من العازفين عايشين في الإمارات منهم نضال، وكذلك عارف جمن. كنت كلفت بهذه المهمة وتوليت الجانب الموسيقي والتقيت بمجموعة من المدرسين منهم الأستاذ عبدالقادر وكذلك الدكتور أنور عبدالخالق هو لم يكن في المعهد ، ولكن كنا على احتكاك به أنا عملت جهدي ولكن الفترة كانت قصيرة .

 

س – كم كانت فترة عملك في المعهد ؟

ج – سنة واحدة فقط حاولت خلالها أن أدلو بدلوي فيما يتعلق بالمنهج الدراسي وفي السياسة التعليمية .

 

س – أيضا توليت منصب مدير مكتب الثقافة لمحافظة صنعاء وأخيرا مدير مركز التراث الموسيقي . هذه محطة مهمة جدا نود أن نقف أمامها ما هو دور هذا المركز و إلى أي مدى استطعتم أن تخدموا هذا الجانب المهم من حياتنا الثقافية جانب التراث الموسيقي ؟

س – من أهم الأشياء التي عملتها وزارة الثقافة هو تأسيس مركز التراث، وكنت أتمنى أن تخرج الفكرة من الوزارة لكنها جاءت من رحم جهد الدكتور بجاش المهتم بالموشحات اليمنية . هذا الرجل فرنسي الجنسية وحظر رسالته في الماجستير في دراسة التراث اليمني ، وقبل تأسيس المركز كان في عام 1997 م  فعالية مهمة جدا اسمها الندوة الموسيقية اليمنية الأولى في هذه الندوة أستضيف مجموعة من الباحثين المهتمين بالموسيقى اليمنية، وقدمت أوراق ودراسات وكانت فعالية في منتهى العمق المعرفي من التوصيات التي خرجت بها الندوة تأسيس مركز التراث الموسيقي ، وكان في الندوة عمالقة منهم الدكتورة شهرزاد وهي عراقية وكانت لها خبرة عريضة جدا إلى جانب مجموعة من الباحثين الألمان والأمريكيين والفرنسيين ومجموعة من الباحثين اليمنيين المهتمين بالتراث الشعبي والتقليدي ، وتأسس المركز في 98 على الورق ثم في 99 عينت مديرا للمركز ، مع الأسف المركز لم يحظى باهتمام حقيقي من الوزارة إلى أن جاء مشروع اليونسكو للحفاظ على الغناء الصنعاني أصبح لدى المركز تمويل ولحسن الحظ أيضا أن شارك صندوق التراث والتنمية الثقافية في هذا التمويل ، وهو الأمر الذي مكن من جمع كل المواد المرتبطة بالموشح اليمني لباشراحيل والماس والعنتري والقعطبي. هذه التسجيلات كانت متناثرة في مناطق كثيرة المهم استطعنا أن نجمع ثلاثمائة نص وعملنا قاعدة بيانات الآن تستطيع أن تقول أن المركز يحفظ معظم ما سجل في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات في أرشيف حديث جدا .

 

س – من خلال كلامك نلاحظ أن الباحثين الأوربيين مهتمين بتراثنا بشكل كبير ما هي الأسباب التي تدفعهم للاهتمام بتراثنا الشعبي ؟

ج – لأن اليمن تعتبر كنز من كنوز التراث في الدنيا، وكان المفروض هذا الكنز يكون محل الاهتمام المحلي .

 

س – ما هي الأسباب في وجود ندرة الباحثين في هذا المجال الباحثين الموسيقيين والنقاد الموسيقيين  ؟

ج- لأنه لا توجد بنية تحتية من أين سيأتي الباحث من أين سيأتي المدرس والعازف الموسيقي في ظل غياب البنية التحتية الموسيقية والنتيجة فراغ موسيقي رهيب، ونحن لا زلنا نأمل أن نخرج من هذه الدوامة وندخل في رحاب الفعل الموسيقي الحقيقي، وتأكد أنه لن يكون هناك اهتمام موسيقي ما لم يكن هناك اهتمام بكافة المكونات الثقافية الأخرى وحصول نهضة عامة.

س – سيدي الكريم جمعتم مجموعة من الاسطوانات والنصوص وهناك العديد من العناصر والمواد بحاجة إلى جمع كالألحان المتداولة شفاهيا والآلات الموسيقية القديمة وهناك رقصات كيف يمكن توثيق هذه العناصر؟

ج – مع الأسف المسألة هذه لم تجد عقولا تتقبل . نحن كان لدينا في مركز التراث الموسيقي أكثر من مشروع وكنا نأمل عندما تأسس صندوق التراث والتنمية الثقافية أن تتفاعل الوزارة من خلال الصندوق ويكون هناك مشاريع للجمع والمسح لو كان هناك اهتمام جدي بالتصدي للجمع والمسح كنا سننجز الكثير .

 

س-  هناك جهود فردية ناجحة جدا لمجموعة من الباحثين والمهتمين كيف يمكن أن تتوحد هذه الجهود وتلك الطاقات وكيفية الاستفادة من كل جهد بذل في هذا الجانب ؟

ج – أيضا من خلال وجود مراكز متخصصة. أنا كنت اقترحتُ أن يصبح مركز التراث الموسيقي مركزا للتراث الشفهي حتى تكون الموسيقى واحدة من اهتماماته، فلو كانت الوزارة تفاعلت مع هذا المشروع سيكون هناك اهتمام بكل الاجتهادات التي تأتي من هنا وهناك وبوتقتها في نطاق جهد مؤسسي ، لكن هذا كان يحتاج أن ينطلق من توجه جاد وهو الحفاظ على التراث الشفهي من خلال مشاريع علمية ممنهجة أنا الآن لم أعد مديرا لمركز التراث الآن تعين الأخ فؤاد الشرجبي أنا الآن مستشارا لوزير الثقافة لشؤون التراث الموسيقي  .

 

س –  أيضا الأخ فؤاد فنان وإن شاء الله يبذل جهده في الحفاظ على التراث الموسيقي ونتمنى أن تتضافر جهود الجميع أفرادا ومؤسسات من أجل الحفاظ على هذا الموروث. سيدي الفاضل لك علاقة بمجموعة من الأسماء الشعرية الكبيرة في بلادنا نريد التطرق لبعض الأسماء نبدأها باسم الشاعر الكبير د سلطان الصريمي ؟

ج- قدمت له مجموعة من الأعمال أولها نشوان ويا هاجسي ومتى واراعية شمطر تقريبا هذا ما تيسر لي ذكره ، كانت الاختيارات مختلفة بالنسبة لنشوان هي قصيدة طويلة اخترت منها بعض المقاطع كذلك الأستاذ الكبير محمد مرشد ناجي اختار مجموعة من المقاطع ولحنها.

 

س – الأستاذ الكبير الأديب عبدالله البردوني قدمت له مجموعة من القصائد أبرزها لعيني أم بلقيس وإلا أنا وبلادي  ؟

ج – نعم غنيت للأستاذ البردوني مجموعة من القصائد وكان معجبا بلحن أغنية إلا أنا وبلادي .

 

س – كان بينك وبين الأستاذ البردوني علاقة شخصية مباشرة ؟

ج – نعم وعلاقة قوية الله يرحمه ، ولكني تعرفت علية أولا من خلال قصائده ، بعد ذلك تعرفت عليه وكذلك الأستاذ المقالح وسلطان الصريمي باستثناء الأستاذ عبدالله سلام ناجي بدأت أتعرف عليه ثم أعطاني صباح الحب على الشبان اللي يعشقوا وسجلتها في الإذاعة .

 

س – عرفناك أستاذ جابر كفنان لكنك برزت في الساحة أكثر نشاطا وعطاء كباحث وناقد موسيقي ؟

ج- أنا لم أكن أفكر في يوم ما أن أكون باحثا موسيقيا، ولم أكن أفكر أن أكون ناقدا ربما دراسة الفلسفة لعبت دورا إلى جانب أن الساحة الثقافية بحاجة لتناولات نقدية تتميز عن التناولات الصحفية الشائعة التي مع الأسف تسيء إلى النقد وبالتالي تزيف الوعي أنا أضطريت أغوص في هذا الأمر.

 

س – الأستاذ الرائع عبدالله خادم العمري جمعتك به أعمال منها شاطئ الأحلام نحب أن نتعرف على هذه التجربة ؟

ج – نعم الأستاذ عبدا لله خادم العمري احتكيت به في نهاية الألفية الثالثة وكانت علاقتي بهذا الباحث المجتهد قوية على المستوى الشخصي والعملي وقدمنا أكثر من عمل أهمها تقريبا شاطئ الأحلام الذي يحوي مجموعة من الموشحات وقدمناه بأصوات شابة .

 

س – لديك العديد من المؤلفات أستاذ جابر منها حاضر الغناء في اليمن والإنشاد الموسيقي اليمني وتيارات  تجديد الغناء في اليمن، وهذا مؤلف هام أنت تطرقت للغناء الشعبي في اليمن كملامح لبعض المناطق أو المحافظات ، ولم تتطرق إليها كألوان غنائية أو كمدارس غنائية لماذا وما دلالة عنوان الكتاب  ؟

ج – تيارات تجديد الغناء في اليمن كان هدفي من تأليف هذا الكتاب هو ضبط التناول المنهجي للفن الموسيقي في اليمن مع الأسف التناولات الصحفية أفسدت الروح المنهجية في التعامل مع الفن الموسيقي في اليمن، وفتحت المجال لتخريجات خارج الانضباط المنهجي يعني هناك من يقول أنه توجد مدارس فنية في اليمن ومن يقول هناك أوبريت وهكذا .

 

س – مصطلح ألوان غنائية هذا مصطلح معروف ويطلق على الألوان الغنائية فنقول اللون الحضرمي واليا فعي وهكذا متى يطلق على فن موسيقي معين لون غنائي ؟

ج – مصطلح لون مصطلح فضفاض ممكن يطلق على بعض الجهود الفردية أو بعض الأشكال الغنائية الشعبية لأنه مثلا عندنا في اليمن ألوان بمعنى تنوع هائل من الغناء الشعبي، لأن هذا التنوع ممكن يكون تنوع مش موجود في اليمن كوحدة جغرافية سياسية ، فمثلا إذا تناولنا حضرموت داخلها تنوع ليس له حصر كذلك في تهامة داخلها تنوع كبير تستطيع أن تتحدث عن تنوع فني للفئات كالبحارة والعمال والمرأة، وبالتالي داخل الجماعة البشرية الواحدة ممكن تتحدث عن ألوان؛ لأن الإنسان وجد لغايات كثيرة منها أن يغني فالغناء هو أحد الغايات الإنسانية وبالتالي عندما تكون جماعة في مكان ما لا يصلح حال هذه الجماعة إلا بالغناء .

س – جميل نستطيع أن نقول من كلامك أستاذ جابر أن اللون لا يتقيد بالوحدة الجغرافية اليمنية فيمكن أن يوجد أكثر من لون في منطقة معينه أو في إطار اللون الواحد . طيب عندما نريد تمييز لون عن غيره كيف نصنفه فلكل منطقة خصوصية ومميزات كيف نميز اختلاف و تفرد منطقة عن أخرى   ؟

ج – مصطلح ألوان ممكن أن نستخدمه بشكله الفضفاض لكننا لا نريد أن نتقيد بيافعي وحضرمي وصنعاني ولحجي. طيب مأربي ما فيش وصعدي ما فيش بالتأكيد في إذا نتبنى المكونات الفنية للتراث الشعبي والفنانين الذين تبنوا هذه المكونات فلا تخلو منطقة من الغناء الشعبي .

س – كذلك لا يخلوا غناء شعبي من خصوصية معينه تميزه عن غيره من الغناء الشعبي كيف نميزه؟

ج – نستطيع نميز بين الغناء الشعبي ومكوناته وبين الفنانين الذين تبنوا واستلهموا هذه المكونات فمثلا القمندان لا نستطيع أن نقول غناء القمندان تراث .

 

س – نقول لحجي ؟

ج – لا اللحجي هو مكونات الأغنية الشعبية في لحج وإنما القمندان تجربة فردية استلهمها من التراث اللحجي  .

 

س – و اختلاف التجارب الفردية فيما بينها كيف نقيمها ؟

ج – التراث أهم من الأفراد والجهد الفردي نقيمه بتيار فيمكن أن يلتقي في التيار تجربة أيوب وعبدالباسط مع القمندان مع محمد جمعه خان لأن الرؤية واحدة ، ولأنهم استلهموا من التراث الشعبي لكن كل تجربة تتفرد عن غيرها ولا نقول أنهم جددوا في التراث لأن التراث لا يجدد.

 

س – أستاذ جابر صنفت اللون العدني بتجارب فردية لقامات إبداعية كالمرشدي وخليل محمد خليل وأحمد قاسم وغيرهم كنا نود أن نعرف أين يلتقي كل هؤلاء ؟

ج – يلتقوا في الرؤية الفنية كانت متشابهة لأن مرجعيتهم كانت واحدة هي الاعتماد على المكونات الغنائية في مصر، فمثلا الأستاذ خليل والأستاذ أحمد قاسم استلهموا الغناء المصري استلهاما يقترب من التشبث بالنموذج، بينما المرشدي هو من عدن لكنه اعتمد على التراث وخاصة الموشح وهم كلهم من عدن التجربة الإبداعية دائما تجربة فردية  .

 

س – طيب إذا جمعنا تجاربهم مع بعض ماذا نطلق عليها ؟

ج – نطلق عليها فن يمني ولا نربطها بمنطقة وإنما بتجارب فردية كتيار مع التبرير .

س – سيدي الفاضل ونحن نتجول هنا في عدن لا شك أن هناك الكثير من المواقف التي تستدعيها ذاكرة الفنان جابر على أحمد خاصة وأن هناك ارتباط كبير بينكم وبين هذه المدينة ؟

ج – ماذا أقول عن عدن عدن الحلم الامتداد العمق التاريخي عدن بناسها بجمالها بجبالها ببحرها كلما أشاهدها تحرك بداخلي أشياء كثيرة ذات شجون يكفي أني عندما زرت عدن في القرن الماضي في السبعينيات  كان كل شيء فيها يقترب كثير من الطبيعة الإنسانية على اعتبار أن القيم الناظمة لحياة الناس قيم جميلة مفعمة بالأمل وبكل شيء جميل، ونحن هنا نقترب من الشاطئ أتذكر أنه كان مصدر الهام باستمرار بالنسبة لي عندما كنا نرتاده أنا والأصدقاء القدامى لا يوجد أحد منهم الآن  .

س – ممكن نتعرف على بعض الأسماء ؟

ج – هي كثيرة كان هناك الأستاذ العزيز المرحوم جار الله عمر والأستاذ سعيد الجناحي الإنسان العزيز الذي أقمت في بيته في المعلا القائمة طويلة منهم من الطلاب والسياسيين ، وأذكر الأخ أنيس يحي وكثير من الأصدقاء أتذكر أني نزلت عدن في سبعة وسبعين وكان الهدف التعرف على هذه المدينة التي كنا نعشقها قبل أن نعرفها ، ولها تأثير كبير في التاريخ اليمني المعاصر وصلت إلى الشيخ عثمان أنا وإحدى زميلاتي كانت تدرس معي في القاهرة، وتعرفت على الأستاذ سلطان أحمد عمر الله يرحمه ، وعن طريقه تعرفت بالأستاذ سعيد الجناحي وتكونت العديد من الذكريات لدي حتى مع بعض الأسماء اللامعة مثل الأستاذ عبد الفتاح إسماعيل والأستاذ علي ناصر محمد .

 

س – نستطيع أن نقول أن الأستاذ جابر تأثر بمدينه عدن لدرجة أنها شكلت أحد دوافعه لدراسة الموسيقى ؟

ج – هذا أكيد كنت متأثرا جدا بالمناخ الذي تعيشه عدن وأذكر أحد المواقف كنت مرة في جلسة وطبعا لم أكن أعرف الحشد، وكنت أغني فتحول ذلك الحشد كله إلى فنانين متفاعلين وكان تصفيقهم موسيقي يدفعك للتماهي وان تعطي أفضل ما عندك. وكنت مرة في أحد اللقاءات مع الأستاذ عبد الفتاح إسماعيل ودخل معي في حوار فني عن الدان وكنت حينها هاوي ولم أكن حينها بمستوى الحوار وتطرق لأشكال الدان في سيئون ودان الهبيش ولم أكن أعرف الدان حينها .

س – يعني الأستاذ عبد الفتاح كان ملما بهذا الجانب ؟

ج – نعم كان عميقا بحكم تجربته الأدبية والحياتية، وكان هو من الدوافع الرئيسية التي دفعتني لدراسة الموسيقى كفكر إنساني .

 

س – بحكم علاقتك بالأستاذ المفكر والأديب عبد الفتاح إسماعيل هل قدم لك قصيده معينة تغنيها ؟

ج – طرقنا هذا الموضوع وكان الأستاذ مشغولا جدا وكانت لقاءاتي به تتم وفق برنامجه ، وأذكر أن الأستاذ قال لي معي مجموعة قصائد سأعطيها لك لتغنيها وبعد ذلك أنا سافرت ، و كان معي ديوانه نجمه تقود البحر وأنا في الحديدة وأخذت منه قصيدتان .

 

س – ناضلت كثيرا من أجل تحقيق أحلامك ما أهم إنجاز حققته في حياتك ؟

ج – والله أهم انجاز أني أصبحت مهتم بالموسيقى .

 

س – نعم كثيرة هي الأمنيات التي نود تحقيقها ما هي الأمنية التي تراودك وتتمنى تحقيقها حتى الآن ؟

ج –أنا أتمنى أن تخرج اليمن من عالمها الخاص الضيق المنغلق إلى عالم حضاري منفتح ونتخلص من أدراننا ومن عيوبنا ونعيش حياتنا نحن نعيش خارج التاريخ .

 

س – قرار اتخذته في يوم ما وندمت عليه ؟

ج – ما أذكر وهو شخصي جدا لا يصلح أن يكون عام .

 

س – أسعد اللحظات متى تعيشها ؟

ج – وأنا معك أنا بصراحة يعجبنا النقاش .

 

س – الله يخليك! المرأة بالنسبة للفنان جابر علي أحمد ؟

ج – المرأة كائن مهم أنا بالنسبة لي المرأة كائن خرافي هي المثقفة هي الصديقة هي المناضلة هي الملهمة الحياة بدون المرأة ليست حياة .

 

س – هي الحبيبة أيضا .. طبعا أنت متزوج أستاذ جابر ؟

ح – أكيد متزوج ولدي ولد وبنت .

 

س – ما هي تخصصاتهم ؟

ج – الولد أدب انجليزي والبنت تخصص زراعة .

 

س – رسالة حب تقدمها من خلال هذا اللقاء لمن ستقدمها ؟

ج – إلى كثيرين وبحكم أني في عدن يهمني جدا أن أقدمها للأستاذ الفنان محمد مرشد ناجي الحقيقة أنا أعتز بهذا الفنان لأدواره الكثيرة والمتنوعة كان مناضلا كان سياسيا كان فنانا وكان مجتهدا في جبهة الفن .

 

إذا لا يسعني في ختام هذا اللقاء إلا أن أتقدم

بالشكر الجزيل  لك أستاذنا الكريم  الناقد الموسيقي والفنان المبدع جابر على أحمد شكرا جزيلا لك .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: