الفنانة منى علي.. عطاء بلا تقدير، ورحيل دون أسف!

ـ منى الكمالي ـ منتدى الحداثة والتنوير الثقافي

أَسعدتْ كم من شاب وشابة بصوتها الشجي، وبنبرة لا تخلو من الحزن والألم ودموع متدفقة كتدفق المياه في سهول العُدين .عاتبت الفنانة الراحلة منى علي شباب وشابات اليمن وكل المعنيين بالفن والفنان في أيامها الأخيرة ، وهي على فراش المرض. فلطالما أسعدتهم في أفراحهم وأيام زفافهم وكذا في حقولهم بملالاتها البديعة فلم تحظَ بحقها من الاهتمام أيام مرضها كفنانة نذرتْ عمرها لإسعاد الناس، كان ذلك عند زيارة كاميرا قناة السعيدة لملكة الزفة اليمنية منى علي في المستشفى الجمهوري بتعز قبل أيام من وفاتها ..

في أيام عاتمة وواقع لا مُتسيد فيه سوى القيد ولدتْ الفنانة <<غانية >> التي أصبحتْ منى علي عام ١٩٣٥م وفقًا لحديث مدير مكتب الثقافة في محافظة تعز عبدالخالق سيف، وأضاف أن أصولها تنحدر إلى مديرية العُدين محافظة إب، وأن اسمها الحقيقي هو غانية، ومنى علي اسم فني فحسب .

 

تربتْ غانية يتيمة الأُم وذاقت أصناف الويل والعذاب من خالتها ( زوجة والدها )، التي كانت تعمل على إعاقتها في امتهان الغناء بحجة أنه أمر مُعيبًا ومهنة ليست محمودة ، وكعادة بعض الخالات اللاتي يبدر منهن كل ما يؤذي ويُحزن كان لغانية نصيب من تلك الحياة القاسية ، وكذا والدها الذي يرى مهنة الفن من نفس منظور زوجته ، فضلًا عن نظرة الاستحقار والاستنقاص لكل من امهتن الفن من قِبل المجتمع وإن كان رجلًا ..فما الأمر بالنسبة للمرأة ؟!

 

واجهت الراحلة كل هذه الضغوطات بقوة إرادتها، وتمسكت بالفن فكانت تصدح بصوتها وهي وصديقاتها في طريقهن من وإلى الوادي لجلب الماء، فكانت تحمل جَرة الماء ( وعاء من الفخار ) فوق رأسها وتبدأ بأهازيجها وملالاتها لتفتن كل مسامع المارة أمامها بنغمة صوتها الساحر والمملوء بالشجن حتى أسموها فتاة البئر المطربة .

 

تزوجتْ غانية بزوجها الأول وارتحلت معه على الأقدام إلى مدينة تعز كانت تبحث عمن يسندها هناك لتحقيق حلمها وشاء القدر أن تتعرف على العجوز الحجرية والأُم الروحية ( آمنة علي ) ساكنة وادي المدام في تعز، حيث كان لديها الفضل الكبير في تحقيق حلم غانية ، ويؤكد أن هذه السيدة ( آمنة علي ) كانت تمتلك صوتًا جميلا ومعرفة كبيرة بالفن وأشكاله وتجيد كتابة الأبيات الشعبية ، ومن خلالها تعلمت غانية كل فنون وأهازيج تعز وتغمست بالملالاة التعزية وأتقنتها حتى باتت سيدتها بلا منازع، ويقول إن أول ما قالته آمنة علي لغانية وكأنه إشهار لاسمها الفني منى علي :

” منى علي تطرب لكل ولهان

لا سامحه من خرّج الكرستان ”

 

من هنا ذاع صيتها وأصبحت رفيقة كل الناس في أحاسيسهم المختلفة وأصبحوا يتقاسمون غنائها في أفراحهم وأحزانهم فهي زهرة الوادي وكاذي الشوق .

كانت غانية جميلة جدًا وكل الأفئدة تهفوا إليها ما عجّل بطلاقها من زوجها الأول حسب قول المدير العام للبيت اليمني للموسيقى فؤاد الشرجبي، وتابع إن الراحلة وأصلت صعودها نحو التألق وهي كسيرة القلب ، وعبر تقلبات الأوضاع في اليمن ظل بريق صوتها يشع وميضه ويكبر، وأحبت الراحلة ثورة سبتمبر وغنت للرئيس آنذاك :

” تعز تعز وفتحي قصورك

عبدالله السلال نزل يزورك ”

وكذا الحمدي الذي بكت عليه شدوًا ولحنًا :

” تعز تعز ابكي على حبيبك

وودعي الحمدي مع قُلَيْبِك ”

 

أما صالح فكانت تشعر أنه أهملها مثلما أهمل كل شيء جميل في تعز، ويقول إن غانية كانت ترد ذلك أيضًا أنه بسبب زوجة صالح التي كانت تحب صديقتها اللدودة الفنانة تقية الطويلية، وبالغت في إشهارها حد محاولة سرقة لقب ملكة الزفة اليمنية من غانية، لكن غانية كانت تحب الفنانة تقية وتعتبر نفسيهما تقاسمتا العناء والنجاح .

وأضاف إن لثورتي سبتمبر وأكتوبر أثر كبير على حياتها الفنية حيث نالت شهرة كبيرة في الستينيات ومطلع السبعينيات، وأصحبت حديث الناس وأعجب بصوتها الشاعر الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان ( الفضول )، وكانت سبب في تعارف الفضول والفنان الكبير أيوب طارش من خلال أغنية ” روح لك بعيد ” التي أبدعوا في أدائها منى علي وأيوب طارش، فأصبحت فاكهة كل أُذن .

وذكر أن أيوب الفنان والإنسان الذي وقف معها حتى اللحظة الأخيرة، كانت تقدرهُ جدًا وتعتبرهُ الأستاذ والسند، وتغني معه كما لم تغنِ مع أحد من عمالقة الفن اليمني كالسمة والحبيشي والشميري، إذ أنها غنت مع الفنان علي عبدالله السمة بلحنها البديع :

“كون بطل الوسواس والشك يا حبيبي ”

 

وغنت أيضًا من التراث الشعبي :

” يا غائبين غيابكم عننا طال

بالله ابعثوا مكتوبكم نعرف الحال ”

 

وغنت غانية لتعز بصوتها العذب :

“تعز تعز خضراء والغيل سراح

بقدرة الله نجتمع ونرتاح ”

 

ومن أغاني الراحلة التي تصاحب المزارعين كل صباح وتهيج مشاعرهم :

” يا الله رضاك والشمس إلى عيوني

أينه حبيب قلبي لا تحرموني ”

والكثير من أغاني الزفة اليمنية الجميلة وهي الأكثر حضورًا وأكثر تداولًا منها :

“ساعة الرحمن ذلحين

والشياطين غافلين ”

 

“عادني يا اماه شوية

عادني يا اباه قليل ”

 

وبصوتها المتعب إثر المرض الذي ألم بها غنت ملالاة وهي المرة الأخيرة التي غنت فيها :

” ألا واني أسألك يا معتلي بقدرة

ألا لُف الألم ماهيش عليك عسرة ”

 

وزاد القول أن السعودية كانت محطة مهمة في حياتها وفيها تم زواجها من إحدى شخصيات تعز، لكنه كان زواجًا سريًا حيث كان لديه زوجة وأبناء في تعز، ولهذا لم ينشر خبر زواجهما وبعد سنوات قصيرة تم طلاقها منه، وعادت إلى تعز وامتلكت بيتًا وواصلت تقديم الأعراس والحفلات، وتزوجت من محفوظ ابن تهامة الذي كان يصغرها سنًا فلم تلبث على ذمته إلا سنوات قليلة وتم طلاقها منه ، وعاشت ما تبقى من عمرها وحيدة والجدير بالذكر أنه لم يكن لها من زيجاتها أي أطفال .

 

لم تغنِ لشاعر بعينه ولم تحظَ بملحن معين ولا توجد مصادر تحدد شاعرًا أو ملحنًا تعاطى معها وفقًا لما ذكره الكاتب عبده سعيد قاسم في دراسة له لأغاني الراحلة .

 

رحلت غانية بعد معاناة مع المرض أستمر أربعة أشهر في المستشفى الجمهوري بمدينة تعز ٢٠٠٩م عن عمرٍ ناهز ٧٥ عامًا، وهي الآن هناك حيث بيتها الأزلي بمقبرة كلابة ، غادرت الحياة تاركة لنا إرث فني قلَّ أن يكون له مثيل، فلروحك السلام يا أيقونة الفرح !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: