” المشعب “

 

” المشعب ”

قصة من الواقع

للقاص د/ إسماعيل محمد النجار


إسماعيل النجار (2)
فاتح الشهية

في صباح كل عطلة وخاصة الجمعة أذهب لصنعاء القديمة وتحديداً سوق الملح وتستوقفني حركة الناس وتصرفاتهم ، أصحاب التمر والبن والمترددين و الشخوص الثابتة في السوق ، وغالباً أصبح المترددين والثابتين في السوق يعرفون بعضهم وتربطهم علاقة حميمة ، فهم يتبادلون حديث الساعة من السياسة ومشاكلهم الاجتماعية ومن غاب عن السوق وآخر ما أستجد من النكات، كنت أبدأ بدخول سوق الملح من باب اليمن وهناك محل بيع البن والتمر أتناول حبتين من التمر وكأس من البن خفيف السكر، أشاهد خلال مكوثي وأسمع قصص عن الساكنين وأيضاً المترددين على قهوة البن وكانت القصص والحكايات تجعلني في حالة سعادة وضحك متواصلين .

بعدها أتوجه  لسوق اللقمة ( مجموعة مطاعم شعبية ) لتناول فطوري من الكباب والكدم ( رغيف مكون من خليط الحبوب قمح + ذرة + شعير + بلسن ) وقد آخذ الفطور سفري للمنزل لتناوله مع الأسرة ، كنت أقضي أوقاتا ممتعه أعود وأشعر بأنَّ إجازتي قد بدأت بسرور ورضا. عادةً عند خروجي أو دخولي باب اليمن يلفت انتباهي مجموعة من أصحاب الموتورات ويحتلون مساحة خارج الباب كموقف لهم ينتظرون المتسوقين أو الخارجين من سكان صنعاء القديمة لأخذهم إلى حيث ما يريدون مقابل الأجرة ، ويزيد عدد الموتورات في باب اليمن لاستخدمها في أزقة وحارات صنعاء القديمة لقدرتها على الحركة نتيجة ضيق أزقتها وازدحام المتسوقين.

في إحدى الجمع كنت خارجاً من باب اليمن وجدت تجمع و تجمهر حول أحد الموتورات وتخللها تعليقات وضحك متواصل ، وعندما أتيحت لي الرؤية والاستماع للحديث رأيت أحد زبائن الموتورات ، و الذي أطلق عليه السائقون المشعب وهو من المرتادين للموقف بشكل مستمر ، طلب من أحد السائقين توصيله لباب اليمن فلفت إليه مستغربا ، و كان السائقين والناس حوله محتشدين لمتابعة الحديث فابتسم السائق و طلب منه أن يركب خلفه وأخذه لجولة باب اليمن المجاورة للموقف ، وأخذ يلف به حول الجولة ثم لحقهما سائقو الموترات واصطفوا أربعة صفوف : الصف الأول موتران والصف الثاني ثلاثة والثالث أربعة ؛ ليلفوا حول الجولة ويضحكون بشكل مسموع وعندما رآه أصحاب السيارات اصطفوا وراءهم وأخذوا يلفون معهم ، واستمروا بالدوران ما يقارب الربع ساعة ، وزاد الحشد والتجمهر وهكذا أصبح موكبا شبيه بموكب الرؤساء أو الملوك ، واحتشد المتسوقون وأصحاب المحلات حول الجولة وكانوا يلوحون ويهتفون:  ” لزلزلزلز يا مشعب لزلزلزلز يا مشعب ” ، و السائق يلتفت إليهم ويقول : اسكتوا يا أوغاد ، ولم يستطع الخروج من الجولة بسهولة ، بينما المشعب يلتفت إليهم يمينا ويسارا وهو مسرور ويلوح بإحدى يديه وتارة باليد الأخرى كأنه رئيس أو ملك ويقول : “حيوا فخامة الرئيس ” ،  كان الناس في غاية السعادة والسرور للموقف ، عاد السائق والمشعب إلى موقف الموترات وتجمهر أصحاب الموترات والسيارات والمتسوقون وأصحاب المحلات ، وعندما نزل المشعب سأل سائق الموتر: “كم اجرتك” ، قال له : “مائتين ” ،  فأعطاه المائتين وصفعه كفين ، حاول السائق الرد عليه ولكن الجمهور حال دون ذلك ، وعندما سؤل المشعب لماذا صفعته قال كان مسرعا وكاد أن يوقعني من على الموتر مرتين ، وزادت الإجابة من هرج ومرج وضحك المتجمهرون ليتضح بالأخير |أن المشعب قد أكثر من جرعة الحشيش ، وكان الناس يتزاحمون ويشاهدون ما حدث ويعلقون بشكل ساخر ومضحك وملفت للنظر ، أثار الموقف فضولي فسالت أحد المتجمهرين من صنعاء القديمة على الوضع ليعلق ويضحك لدرجة أنني كنت أضحك من تعليقه وضحكته ، وعندما سرد لي القصة فهمت ورأيت شخصية ذات جسم مفتول وشكله مفجع ورأسه كبير وجسمه ممتلأ وطويل ، عندما يركب الموتور فإن الإطارات تهبط أو تنقص لأكثر من النصف نتيجة وزنه، كان أسمه محمد ناجي شاجب ليقول لي  في إحدى المرات ركب مع أحد أصحاب الموتورات وطلب منهُ مشواراً إلى باب اليمن و أستغرب صاحب الموتور لأنه واقف في باب اليمن ، التفت تجاه المشعب وهو مبتسم وكان يردد أوصلني لباب اليمن أنا مستعجل معي عمل مهم ، فهم سائق الموتور أن الشخص غير طبيعي ، فركب المشعب وراء السائق وشغل السائق الموتور في مكانه ، وكان صوت حنين الموتور قوي وأخذ من الوقت نصف ساعة وكان المشعب يردد أسرع أكثر أنا مستعجل، توقف الموتور في مكانه أبلغ السائق المشعب أنه قد وصل باب اليمن أخرج المشعب مبلغ من المال وأعطاه للسائق ، كان أصحاب الموتورات يعرفونه عن قرب ويقولون إنه يتناول القليل من الحشيش، دون أن يفقد إدراكه وفي النادر ما يزيد الجرعة ويلخبط لدرجة عدم معرفة مكان تواجده ومكان عمله ومنزله ، كان يخرج صباحاً من منزله في سوق الملح ويركب الموتور ويذهب لمحلات والده محلات الشاجب وأولاده لتجارة الجملة والتجزئة ، وعند وصوله يسعد إخوانه بمجيئه ويقضون وقت الفراغ في هرج ومرج من الضحك على نكات وكلام أخيهم المشعب .

و أشتهر أيضا لدى سائقي الموتورات عند ركوبه “باللزلزه” والضمضمة وهذا يضايق السائقين وأخذوا عنه فكرة لا أخلاقية ( سفيه ) ، عندما ينوي ركوب الموتور يختار أصحاب الموتورات صغار العمر ، وأصبح سائقو الموتورات يرفضون ركوبه معهم ، و في كثيرٍ من الأحيان يركب بشكل فجائي وبالقوة ، ووصف بالقوي والمشاغب يضرب ثلاثة أو أربعة في نفس الوقت ، وعندما يلمحه أحد أصحاب الموتورات أو أحد أصحاب المحلات المجاورة يطلقون صفيراً فيهرب جميع أصحاب الموترات منه تجنباً لركوبه ، و يوقف موتورات الذين لا يعرفونه أما من يعرفونه  يتوقف ويحاول إزاحته بالقوة، وتحصل مشاجرات وعندما يسأل الناس عن سبب المشاجرة كانوا يردون بأنه ( سفيه ) ، ويشرحوا لهم ماذا حصل وأما المشعب يتكلم بوقار ويناقشهم بروح الدعابة والذكاء ويضحكهم ويفضون المنازعة ، أما البعض الآخر من السائقين فيضطرون لإيقاف الموتور والتخلص من المشعب حينها لدرجة سقوط المشعب من على الموتر ويتوقف السائق و يأخذ بعض الأحجار ويرميه ، وقد يأخذ ما أمكن من عصا أو حديد أو زجاج ليضربه ، ولكن المشعب كان قوياً ويضربهم حتى يأتي من ينقذهم، أما بعض السائقين الذين لا يستطيعون الفكاك والتخلص من المشعب فكانوا يضطرون لدحر المشعب بجدار أو سيارة واقفه أو عابرة حتى يسقط على الأرض ويفرون منه ، و بعض الأحيان كان يقع السائق والمشعب على الأرض فيضطر الناس لإنقاذ السائق ويأخذ موتوره ويرحل سريعاً دون أن يأخذ الأجرة ، حاول أصحاب الموتورات التخلص من المشعب ليدبروا له إحدى الموتورات الدخيلة على الموقف للتخلص من الغرباء على مواقفهم ، وأثناء ذلك يتغامزون ويضحكون لدرجة أن أصحاب الموتورات يضطرون للعودة وهم مزعوجين وناقمين من الموقف ويعتقدون أن الموضوع مدبر من أصحاب موترات موقف باب اليمن ، أما البعض الآخر حرم العودة لنفس الموقف والقليل منهم جمع عصابة من أهله وأصدقائه لنفس الموقف وتحدث مشاجرة وعراك ويتدخل فيها أصحاب المحلات التجارية الثابتة والمتحركة لإيقاف النزاع أو الأشكال بين أصحاب الموترات والمجموعة ، أضطر أصحاب الموترات لإيجاد حيلة جديدة، فأحضروا أحد المهمشين ليأخذ المشعب بأجر وتوصيله يومياً و عرفوه على المشعب وقبل المشعب على مضض ،كانت رائحة المهمش كريهة نتيجة رائحة العرق وعدم الاغتسال لفترة طويلة ، مر اليوم الأول وأحضر المشعب كمامة في اليوم الثاني ليتجنب الرائحة أستمر المهمش بتوصيل المشعب ثلاثة أيام وشعر المهمش بسوء عمل المشعب ، وتركه وفي اليوم الرابع ،عاد لمجموعة فرزة موترات الباب وأخذ يتحدث مع الشخص الذي عرفه على المشعب ، وشكا له ما حدث معه خلال الثلاثة أيام أنفجر الشخص من الضحك وضحك معه الموجودون مما أثار حنق وحفيظة المهمش ،ورد عليهم سأريكم ماذا أنا فاعل !

حاولوا أقناعه بأن المشعب شرير ويفضل تركه فسخر منهم وتوجه بموتوره إلى حيث انتظار المشعب ، ولم يمضي إلا ربع ساعة ورأوا موتور المهمش مسرع والمشعب راكباً وراءه وعندما رأى المهمش حجراً بارزة في أحد الجدران على الشارع أنعطف نحوها بشكل فجائي ليضرب المشعب بالحجر البارزة في كتفه ، وينتهي الموقف بسقوط الموتر والمشعب والمهمش ليقوم بعدها المهمش ويركب الموتر ويهرب مختفياً عن الأنظار ، أما المشعب  أسعف لمستشفى الثورة وكانت إصابته كسر في عظم الترقوة، ورقد في المستشفى أسبوعين ، غاب المشعب ما يقارب الشهر و أوصل المهمش رسالة لأصحاب الموتورات أن صاحبهم المشعب في المستشفى ، وما كاد يعود المشعب إلا وقد جهز له أصحاب الموتورات سائق أحدب ليتخلصوا من مشاكله ، وعند وصول المشعب إلى أصحاب الموتورات رآهم يضحكون فشتمهم بأغلظ الألفاظ وقال لهم : “عملتوها معي يا أوغاد! ” ، فأحضروا الأحدب وهم يداعبونه ويستلطفونه والذي أصبح ضمن مجموعتهم ، وقالوا له نعرفك بحميد الأحدب وهو سائق ماهر سيتولى توصيلك ، وفجأة نظر إليه مركزاً على حدبته ، ومسكها بيده وقال هذه الحدبة ستكسر أضلاع صدري عند المطبات ومن الأفضل أن أركب عليها سكان (مقود) وأقود الموتر بنفسي ، فضحك الجميع بشدة ، ورد الأحدب قائلاً : أحمد الله هذه الحدبة ستعيدك إلى الطريق المستقيم .  فرد عليه المشعب : هذا الأحدب يحتاج لتركيب توصيلة إضافية حتى أصل إلى المكان الذي يربطني فيه ويجنبني السقوط عند المطبات .

رد عليه الأحدب : “أنت جاي تركب وإلا تتمسوق وتتمفرغ ”

رد عليه المشعب : نقضي بالأحدب حتى تفرج .

فرد عليه الأحدب وشتمه وكان الجميع يفرطون من الضحك ، ركب المشعب مع الأحدب وكان يضع دقنه على الحدبة ، ماسكا الحدبة بيديه حتى وصل لبوابة المحلات و حدبته تؤلمه من كثرة مسكها بيديه ودقدقتها بذقنه ، وقف الأحدب يطلب الأجرة فأعطاه المشعب مبلغ أقل مما كان يعطيه للأخرين ، فقال له هذا المبلغ لا يكفي حق الضمضمة و”اللزلزه” حقك ، ويبقى لديك أجرة المشوار ، و رمى المبلغ على الأرض ، رد عليه المشعب  لقد خلخلت الحدبة صدري ، وأخذ يسعل و ممسكا بصدره مازحا فضحك الموجودون بما فيهم إخوة المشعب ، ليكرر الأحدب صراخه مطالباً بالأجرة كاملة ، فتدخل إخوة المشعب وأعطوا للأحدب مبلغ إضافي وانصرف عائداً لجماعته في الفرزة وهو يشكوا من ألم حدبته وما حدث له مع المشعب ، ورفض توصيله مرة أخرى ..

وهكذا أصبح المشعب غير مرغوب لأصحاب الموتورات لكثرة إشكالاته معهم مما أضطره للذهاب بعيداً عنهم ليوقف أصحاب موتورات لا يعرفونه ، ليصادف يوماً أحد سائقي الموتورات أنزله أمام المحل وهو يصرخ ويتلفظ بألفاظ بذيئة ، وأطلق على المشعب الرصاص من مسدسه وفر مسرعاً ، ودخل المشعب المستشفى مصابا بشلل نتيجة إصابته في النخاع الشوكي ليقضي بقية حياته مقعداً ، ومع ذلك لم تفارقه الضحكة والنكتة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: