عبد الوهاب المقالح: الباحث عن السلام في عالمٍ مجنون

 

ـ كتب : محمد فائد البكري

(34)
جسدي زنزانة مغلقة الأبواب

في زمنٍ أقسى ما فيه أن تظل إنسانا، يمكنكم أن تتصوروا كيف استطاع عبد الوهاب المقالح أن يفعل ذلك. وكيف أعاد لكلمة إنسان بهاءها ومعناها و كبرياءها.

وكيف انتصر الإنسان فيه على كل إغراءات السياسة وإكراهات الحياة، ولهاث السنوات الهاربة، ومنذ صباه المبكر ومازال شاباً كانت بوصلة قلبه باتجاه السؤال المهموم بالجدوى، وكان الشاعر فيه يتساءل بنبرة تحدٍ مشوبةٍ بالأسى :

 

” إلى أي ركنٍ من الأرض نأوي؟

يتقافز ـ منتصباً كالحِرابِ ـ السؤال؛

أنأوي إلى شاهقٍ ونخاطر مثل شهيدين؟

أم نتمرَّغُ كالدودِ في عالمٍ موحلٍ وزنيم؟

أم نتزاملُ مثل رفيقين

يحتطبان السراب بليلٍ مقيم

يعودان مثل اليعاسيب

يشدان بعضهما، أو يغيضان مثل جداول هذا الزمانِ العقيم.

مثلنا…

مثل كلابِ البراري تجر خطاها إلى حافة القبر

لا وطنٌ يحتوينا ولا خارطة ” .

 

وبرغم الإحساس الحاد بوظيفة السؤال في فضح ما وراء المظاهر من الزيف، وما وراء البريق من السراب، فقد ظلت أسئلته تعمل بهدوءٍ وحكمة وتثابر على بعث التفاؤل وإشاعته، بدلاً من الإدانة، و تستدرج المعنى إلى أفق التأمل:

 

” تعالي،

نحدّق في اللهِ والشعب

سوف يفاجئنا الاكتشافُ ولكننا لا نخاف

سوف نجمع من لغةِ اللهِ حرفاً

ومن لغةِ النار حرفاً

ومن لغةِ القمر المتلألىءِ والشمسِ حرفين

تعالي، سنجمعُ من هذرِ المتخمين ومن تمتماتِ المصلين

نجمع من لغةِ البائسين حروفًا

ومن لغةِ البدو نجمع عريَ الصفيحِ وهمهمة الريح،

نبني مكاناُ على صخرةٍ من شجن

سنكون معا. ”

 

كتب الشعر في سياق الحياة، ولم يكتبه لحصد الإعجاب، وترك موهبته الشعرية تعيش الحياة بعفويتها وتلقائيتها، دون لهاثٍ على المنابر أو جري وراء الشهرة، وأخذ يواصل كتابة الشعر بحسب ما تقتضيه الظروف، حريصاً على أن تظل قصيدته جسراً بين فكره وقلبه، وظلت نبرة التساؤل حاضرةً في شعره، ممتدة على خارطة وجدانه، تشكل غطاء لموقفه النفسي، ولسان حاله ما قاله في إحدى قصائده:

 

” حاصرتهُ البلادُ

وضاقت عليه،

فاصطفى نغماً

واحتمى من يديه،

ارتدى كفناً

و اعتلى راحتيه،

و ابتنى بلداً

من ثرى مقلتيه

كيف تهوى بلادٌ جباناً

كيف يهوى جبانٌ بلاداً تهون! ”

 

والوطن مفردة وموضوعاً يحضر بقوةٍ في ثنايا تأملاته، كأن شعره يعيد اكتشاف العلاقة بالوطن، واكتشاف العلاقات بين الأبعاد المختلفة للحقيقة التي تحجبها ألفتنا للأشياء عنا، وخطابه للوطن خطاب لأبنائه وعن أبنائه، ونبرته تزداد حدةً وضيقا وتنفتح على أفق تلقي الفاجعة:

 

” وطنٌ يتململ في جوعهِ

يتململ في قهرهِ

صامتاً يتململ

ويلملم أطرافهُ

ويلملم أحشاءهُ ويفيق؛

هنا كانت العينُ

كان هنا القدمان وكان هنا الساعدان الفتيان

والقلب كان هنا

وهنا كانتِ الروحُ والشهداء.”

 

ودلالة المكانية”هنا” تعود على ذلك الوطن الذي لا يقر له قرار، ولا تهدأ معاناته، وتقلباته بين الشقاء والكدح وبين الكبرياء والإصرار على تغيير أقداره، بحسب ما تتطلع لذلك ذات الشاعر :

 

” وطنٌ يتنفس أشواقه

صابراً

يتطلع مثل إلهٍ حزين

خائفاً يتقلب في الجوعِ والقهرِ

يغفو على وحدةٍ في المساء

تهدهدهُ عشبةٌ في السفوحِ

وعصفورةٌ لاتنام.

وفي الصبحِ يصحو على وحدةٍ

يتهددها سرطانُ الفراقِ،

وطاحونةُ الانشطار.”

 

” وطنٌ يتأرجح بين الضلالة والخبز

ضارعاً يتحسس نبض بنيهِ

لا يخاف المجاعات مادام يكتب أيامه بيديه. ”

 

ومن خلال العلاقة بالوطن يعيد تخطيط عالم الذات، في صيغ مكاشفة تسترسل في الوصف، وتستخدم لوازم تتسمر على أعتاب الذاكرة،  وتحاول بعينيّ الشاعر أن ترينا الحقيقة عن طريق إعادة بنائها في داخل وعينا، وكأن لسان حاله ما قاله فوزنيسنسكي : ” ينبغي على الشاعر أن يوجد، وأن يكون الشعر حيث يتألم الناس وحيث يتألم الوطن أو الشعب، وحيث يحس الناس بعذاب الحب إحساسهم بعذاب الحرب”:

 

” لبلادٍ تدثر أبناءها بالمبادئ و الأحجيات

لبلادٍ تدّون أسماءهم واحدا واحدا

ثم تطمسهم أجمعين

لبلادٍ تكفنهم بالمخازي

وتأوي إلى مهرجان الشتات

لبلادٍ تموت

لبلادٍ يقاسمني ليلُها خُطبَ الحزبِ

لبلادٍ يتوسدُ أطفالُها شفرةَ النازعات”

 

ومن خلال تلك العلاقة التي تستمد قوتها من الموقف باتجاه الوطن ومنه، يرتب مواجيده وأوجاعه، ويفصح عن علاقة الشعر بالواقع المعيش، وينظمها في متواليات متعلقة بضمير المتكلم، وهو هنا ضمير الذات الشاعرة، وضمير المواطن:

 

” إن قلبي الذي صادرته القبيلةُ متهمٌ

والهواء الذي أتنفسهُ

تتقاضى الطوائفُ عنه خراجَ دمي

قلتُ : أهجرُ مملكة الشعر،

أتفلُّتُ من قيد جلادها

أتغرّبُ عن سجنها و زنازينها

قلتُ : أجوس مجاهل روحي،

معتصماً بالندى

وأجوب شعاب حنيني

مصطفقاً بالصدى والممات.

 

أيها المتوسدُ جمرة قلبك،

انجُ بجلدك

إنَّ ما انتهبته القبيلة لن يفلح الشعر في ردِّهِ

إن ما اقتطعته الطوائف من حلمي

لا يقايض بالأغنيات ”

 

وحيث تكون معاناة الإنسان يكون شعره حاضراً، فالشعر عنده يكاد يكافىء الإحساس بالواجب، ومن حيث يكون الألم تبدأ القصيدة عنده بالانبثاق، ومن حيث يتم الوعي بالألم تنسج قصيدته وجودها، وتمارس على نفسها الحذف والاختزال فتأتي مختصرةً موجزة كأنها نفثة مصدور:

 

” المسافاتُ مشحونةٌ بالتنهدِ

والصبحُ نافورةٌ من شجن

وقلبي إذا أقبل الليلُ مقبرةٌ

أرهقها مطرُ الذكريات

واستضعفتها رياحُ الحنين،

لماذا؟”

 

و قصيدته ” نزاع” تصور جانباً من الصراع النفسي بين الذات الشاعرة المشدودة للوطن، وبين ما تراه من مباهج في بلد الآخرين، وكلما رأت ما تسعد به العين، يأتي صوت الوطن، ليهز وجدان الشاعر مستدركاً على فرحه: ولكنه بلد الآخرين” ، وتبدأ المقارنة الموجعة بين صورة الوطن وبين ما يتراءى في بلد الآخرين:

 

” قد تجوب الشوارع في بلد الآخرين

ويأتيك صوتُ الأغاني جميلاً، حنوناً وعذباً

ولكنه بلد الآخرين

قد تروق لك الغابة البكر، والنهر

والبط يزهو بألوانه في البحيرات

لكنه وطن الآخرين

قد يدغدك الحلمُ حين ترى الفتيات الجميلات

يركضن في وهج الشمس

يغطسن،

يرقصن في الماء

لكنها بلد الآخرين ”

 

وبما يشبه مقطعاً من تنهيدةٍ طويلة يرتد التأمل وهو يقتنص المشاهد التي على هامشها تتشظى تنهيدته أسفاً وغصة، ويطلقها زفرةً تكشف عن الأبعاد العاطفية للواقع:

 

” إنه الوطنُ المرّ

تأتيك أصواته من وراء السماواتِ والبحرِ

والناطحات

مشروغةٌ بالدماء

تذيب الجليدَ على قلبك الباردِ البكر؛

 

إنه الوطن المر

تدعوك مثل اليماماتِ وديانه الناحبة ” .

 

ولا تنتهي أشجان مالك الحزين وهي تنزع عن الراهن غشاوته و تضع المعنى بتصرف الوضوح دون مواربة أو لعب على الإحالات، أو تصنّع الفن واصطياد العبارات اللامعة، و لغة الشاعر مقتصدة في المفردات ، ويطغى معجم الطبيعة في استحضارٍ جلي لقوة التأمل، ودورها في تسوية العلاقة مع الأمل!

 

وإلى جانب الشعر ينشط الدكتور عبد الوهاب المقالح في الترجمة تدريساً وإنجازاً منذ عقود وقد ترجم ما يزيد عن ثلاثين كتابا، معظمها من آداب الشرق وبعضها من كتابات عدد من الكتاب المعروفين بنزعة إنسانية، وكانت تلك النزعة وحدها دافع المقالح للترجمة. وهذا الجهد الذي دأب عليه بصبرٍ وجدٍ ومحبة، يكشف عن نزعة إنسانية عميقة تتسق مع مجمل اهتمامات عبد الوهاب المقالح، وتهدف لتظهير عدد من الكتابات التي يمكنها أن تكون بذورا للحكمة و بحثاً عن السلام في عالم مجنون.

 

وهو يختار ما يُترجمه بعناية ويقدمه بروح مسؤولة تبرز بوضوح في كل ما يكتب ويترجم، و ترجماته وشعره امتدادٌ تلقائي لحياته وسلوكه اليومي، فقضيته تتلخص في البساطة وإشاعتها سبيلا للاستنارة. البساطة بما تعنيه من تلقائية العطاء وعفوية التواصل، والتخلص من كل أسباب اللهاث وأشراك الجري وراء المظاهر و البهارج، وهذا الأمر في الوقت ذاته انتصار للكلمة المسؤولة وللموقف والسلوك؛ إذْ يجسد الدكتورعبد الوهاب المقالح من خلال مشروعه في الترجمة، دور المثقف التنويري، المثقف المنحاز لدور الكلمة المضيئة بدلاً من لعن الظلام.

وخطاب المقدمات التي كتبها الدكتور عبد الوهاب للكتب التي ترجمها يكشف عن أهمية الترجمة ومتاعبها، ورؤية المترجم و خصوصية رؤيته. كما إنها خير مرجع لما يبثه من آراء تبدي الحرص الشديد على أن يكون للكلمة ثمرة، مدركا الفرق بين كلمة وكلمة، حيث إن الكلمة نور وبعض الكلمات قبور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: