عبد العزيز المقالح أو الاسم الموصول باليمن!

 

*محمد فائد البكري

عبد العزيز المقالح حضورٌ لا يغيب عن كل ما حدث ويحدث لليمن، ومجمل ما أنجزه المقالح يشكل خطاباً ثقافياً يستحق الدرس والقراءة المتأملة؛ لمعرفة طبيعة هذا الخطاب ودوافعه وعلاقاته وامتداداته، وأهدافه، وهذا الخطاب مهما بدا خطاباً فردياً، فإنه يكشف عن أبعاد حقبة مهمة من تاريخنا الثقافي والاجتماعي.

(29)
ما أكثر اللاشيء!

في ظروفٍ استثنائيةٍ يمرُّ بها الوطن، يحضر اسم المقالح رمزاً لدور المثقف، وسؤالاً عن جدوى الثقافة، فالمقالح شاعرٌ ظل اسماً موصولاً بالوطن طوال عمره، وعلى امتداد حلمه، وظلت قصيدته ملتقى ذكرياته وأحلامه عن اليمن، وتعويذته في المنافي الاختيارية والاضطرارية، وهو حالة اتحاد صوفي باليمن، وعن ذلك يقول في إحدى قصائده:

” في لساني يمن

في ضميري يمن

تحت جلدي تعيش اليمن

،خلف جفني تنام و تصحو اليمن

..صرت لا أعرف الفرق ما بيننا

“أينا يا بلادي يكون اليمن؟

 

في حضرة الشاعر:

 

ولد عبدالعزيز المقالح ليكون شاعراً قبل أي شيء آخر، وعاش شاعراً، لم يلتفت لأي اعتبارٍ آخر، و ظل بسيطاً يخاف على الشاعر في أعماقه ويعيش لحمايته من زحام الكلمات الحادة، والشعارات العمياء، وبرغبة ولدت معه أراد لليمن أن يعود إلى دوره الحضاري، وأن يأخذ الحيّز اللائق على خارطة الثقافة العالمية، ولم يجد في متناول يده غيرَ قلمه ومحبرةً عمقها قلبه النابض بالأمل. فبادر الكتابة ملتحماً باليمن أرضاً وإنساناً ومشروعاً تنويريا.

وهو اليوم يقف وعلى كاهله ثمانون عاماً من الحلم يقف باعتداده المعروف؛ وكبرياء الشاعر ليغالب وجعه الشخصي و في قلبه غصة لا تنطفىء، على ما يتعرض له الوطن من الأذى والأسى،ولسان حاله :

” إلهي

أنا شاعرٌ

،يتحسسُ بالروحِ عالمَه

،يكرهُ اللمسَ

،عيناه مقفلتان

،وأوجاعُه لا حدودَ لأبعادها

،وتضاريسها

،كرهتني الحروب

،لأنِّي بالحسرات، وبالخوف أثقلتُ كاهلها

،ونجحتُ بتحريض كلّ الزهور

،وكلِّ العصافير

،أن تكره الحربَ

،أنْ ترفض الموت يأتي به موسمُ للحصاد الرهيب

،ولكنها الحرب يا سيدي أطفأتني

،واطفأت اللوحات المدلاة في الأفق

أقصتْ عن الأرض نور السموات

“.واحتكرت ملكوت الجحيم

 

و المقالح واحدٌ من رواد قصيدة التفعيلة على مستوى الوطن العربي كله، وهو إلى جانب عبده عثمان في اليمن أحد اثنين مهدا الدرب أمامها، وعمّقا مجرى نهرها، وانتزعا الاعتراف بها، وقصيدة المقالح قصيدة قريبة المأخذ مُعجماً ودلالة، و التأمل هو الأغلب على كتابته الشعرية عموما؛ فمعظم قصائده تبدأ انطلاقا من الفكرة التي يختزل بها موضوعاً أو علاقة أو موقفاً، لينسج بمعجمه المنتقى قصيدة لا تغرق في ظلال التأويل ولا تطفو على الدلالة الأولى للمفردات.

 

ويمثل عبدالعزيز المقالح رمزية خاصة للأدب اليمني، ودوراَ استثنائياً في النشاط الثقافي في اليمن، فهو الشاعر الناقد والكاتب المهموم بقضايا مجتمعه وأمته، وهو الأستاذ الجامعي الذي لا يتوقف عطاؤه بحثاً وتدريساً،  إضافة إلى عمله رئيساً لجامعة صنعاء قرابة عشرين عاما، ورئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني، وعضو عددٍ من المجامع اللغوية العربية.

 

وقد ظل المقالح محافظاً على مسافة كافية بين التزامه بالوظيفة العامة وإنتاجه الثقافي الملتزم بالتنوير، بعيداً عن السلطة السياسية، غير بعيد عن المجتمع والوطن وهموم المواطن. وفي سياق دور المثقف، يشير المقالح في بعض مقابلاته الصحفية إلى دوره قائلاً:” وقد حاولت من بعيد، السعي إلى فك الاشتباك بين السياسي والثقافي، وتخفيف السيطرة السياسية على الثقافة وتسييرها في خدمته” .

 

وفي الثقافة العربية عموماً، يمثل المقالح حضوراً فاعلا، وشعره ما يزال محل درس وقراءة وتداول. ويُشار إلى شعره كمدرسة خاصةً استلهمت رموزها وأقنعتها الفنية وأساطيرها من الإرث الحضاري لليمن، وهو ما تجلَّى بوضوحٍ في عناوين مجموعاته الشعرية: لابد من صنعاء(1971) ومأرب يتكلم (1972 ) و رسالة إلى سيف بن ذي يزن( 1973) وعودة وضاح اليمن(1976 ) والكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل(1978) و الخروج من دوائر الساعة السليمانية(1981) و أوراق الجسد العائد من الموت (1986) و أبجدية الروح(1998) وكتاب صنعاء( 1999) وكتاب القرية(2000) وكتاب الأصدقاء (2002) و كتاب المدن( 2005) .

 

وقد أُنجزت عن شعره عشرات الرسائل والأطروحات الأكاديمية في مرحلتي الدكتوراه والماجستير في اليمن والمغرب والعراق ومصر وغيرها من البلدان. وكتب عن شعره أبرز النقاد العرب، كعزالدين إسماعيل وجابر عصفور ويمنى العيد وعبدالملك مرتاض وإبراهيم الجرادي  وثابت بداري وغيرهم.

 

وقد تُرجم الكثيرُ من شعره إلى عددٍ من اللغات، ونال عدداً من الجوائز والتكريمات وأوسمة الفنون والآداب من اليمن ومن خارجها، ومن تلك التكريمات: وسام الفارس من فرنسا وجائزة اللوتس، وجائزة سلطان العويس الثقافية.

 

في فضاء الشعر:

 

في الشعر أنجز المقالح أكثر من خمس عشرة مجموعة شعرية، وإنجازه الأدبي مرَّ بعددٍ من التحولات، فقد بدأ بكتابة القصيدة البيتية، التي أثبت بعضها في مجموعته الأولى” لابد من صنعاء”، وهي مرحلة غنائية تختلط فيها صوت الذات الشاعرة بالذات الجمعية، و يؤدي فيها الشعر دوراً رساليا، يعكس معاناة الواقع من خلال القضايا التي يتعالق معها، وكانت قصيدته في هذه المرحلة تتأرجح بين رومانسية المعجم، وواقعية الحدث:

” أنا من بلاد القات مأساتي تضجُّ بها الحِقبْ

أنا مـــن هناك قصيدة تبكي وحرف مغترب

غادرت سجن الأمس ملتحفا براكين الغضب

أثـــر القيود على يدي ساقي تنوء من التعب

لا عطـــر لا بترول أحمله وليس معي ذهب

ما زلتُ أغسل في مياه البحر أشرب في القرب

قدماي حافيتان عاري الرأس موصول السغب

وسفينة الصحراء طائرتي وقصري من خشب

إن دندن الموال في الأغوار يقتلني الطرب ”

 

وبالتواصل مع ما عُرف آنذاك بالقصيدة الجديدة ومعاصرة روادها في العراق ومصر، من أمثال السياب والبياتي وصلاح عبدالصبور وأحمد حجازي، التفت المقالح لتقنيات جديدة في الكتابة، ومن ثَمَّ اتخذ شكل التفعيلة خياراً كتابياً في كل مجموعاته الشعرية التالية. ورسّخ اسمه واحداً من أبرز رموزها في الوطن العربي.

 

وفي مرحلة لاحقة أصدر عدداً من المجموعات الشعرية عنونها باسم:” كتاب…”، وهي:” كتاب الأصدقاء” و ”كتاب صنعاء” و ”كتاب المدن” وكتاب القرية” وكتاب الأم” وأخيرا “كتاب الحب”، وفي هذه المجموعات زاوج بين النثر والشعر، بوصف الشعر هو الجنس الأدبي الذي وسمت به المجموعة، والنثر تقنيةً تقتحم هذا الجنس، لتصنع علاقةً تعبيرية جديدة. وقد لقيت مجموعة ” كتاب الأصدقاء” احتفاء نقدياً خاصاً، باعتبارها كتابة شعرية، تقف بين المختارات والتراجم من جهة، وفن الكتابة على الكتابة من جهة ثانية، وتنهض على علاقة الذات الشاعرة بمحفوظاتها و مقروءاتها، عبر حيلة موضوعية، تجسدت في اتخاذ مفهوم الصداقة ـ خلاف المألوف ـ مدخلاً للقراءة والتفاعل والتعليق، بين الرؤية الجمالية والموقف الفكري. إضافةَ إلى أن التجاور بين الشعر والنثر في الكتابة شكَّل جدلية فنية، كسرت رغبة تقديس الشكل.

 

وقد سبق هذه المرحلة الفنية في شعر المقالح، مرحلة “أبجدية الروح”، التي أدخلت قصيدته دائرة التصوف، وأظهرت في قصيدته جدلية الذات والموضوع، بلا أقنعة أو رموز أو أساطير، وأخرجتْ جانب التأمل في شعره إلى العلن، فتخففت قصيدته من استلهامات الموروث وتوظيفه، ونحت إلى استعادة صوت الأعماق وتأمل العلاقة بالوجود من خلال استنطاق الأشياء، وقال الشاعر:

 

” لأرضِ الرُّوحِ

أكتبُ ماءَ أشعاري

وللهِ الذي بسمائِهِ

وجَلالِهِ يحتَلُّ وِجْداني

وأفكاري

وللأطفالِ

،لِلْمَرْضَى

لكلِّ مُسافرٍ في شارعِ الإيمانِ

;مُتَّهَمٍ بإنكارِ السَّماءِ

وفي رحابِ اللهِ تحتفِلُ السَّماءُ بِهِ

لكُلِّ مُسافرٍ في شارعِ الإيمانِ

تُشرِقُ في مرايا قلبِهِ

أسرارُ مَنْ سَوّاهُ مِنْ ماءٍ

.وفَخّارِ

* * *

لهمْ أتعمَّدُ النَّجْوى

وأرسُمُ ظِلَّ أَحزاني

وأوزاري ”

 

وفي شعر المقالح جانبٌ آخر، خصَّ به الغناء، وله في ذاكرة الموسيقى اليمنية عشرات الأغاني، ومن أشهرها: أغنية ”صنعانية”، وأغنية “ظبي اليمن، وأغنية” إنْ يحرمونا” وأغنية ” لمع البر ق اليماني”، وهذا الجانب تتمة لعشق المقالح لوطنه، ومن خلاله تجلت موهبة المقالح في تسييق رؤيته للحياة.

 

في دائرة النقد:

 

مارس المقالح النقد الأدبي، برؤية خاصة، عبّر عنها في إحدى مقابلاته قائلا:«أنا لا أستعمل المشــرط لتمزيق المحاولات المبشرة في بداياتها، وما زال ذلك هــو موقفي النقدي، المنطلق من حب النص لا من مناوأته”، ولذا كان قلمه معنياً بالتنويه والتنبيه على المواهب الواعدة.

ولإدراكه لدور الناقد، وحساسية العلاقة بين النقد  والابداع وبوصفه شاعراً قبل كونه ناقداً، يقول المقالح:”في استطاعة الشاعر الذي يتعاطى النقد أو الناقد الذي يتعاطى الشعر أن يفصل بين هاتين الحالتين: حالة الكتابة الشعرية، وحالة الكتابة النقدية، وإذا جاز للناقد أن يستعين بحدسه الشعري أثناء تعاطيه النقد؛ فإن من واجبه أن ينسى أنه ناقد أثناء الكتابة الشعرية، لأن لحظة حضور القصيدة إنما تنبثق عن العفوية والتلقائية والانبهار بهذا الكائن الجميل، والاستمتاع بحضوره وألقه”.

 

وعن مكانة النقد، يقول: ” إن النقد التطبيقي  يكتسب مكانته من مكانة النص المنقود، إن قوةً فقوة، وإنْ ضعفاً فضعفا. فالنص العالي المستوى ينتج بالضرورة نقداً عالي المستوى، والعكس غير صحيح….، فما النقد في نهاية الأمر سوى الحصيلة الموضوعية لتطور أساليب الابداع الأدبية”.

 

وعلى امتداد منجزه النقدي ناقش المقالح عدداً من القضايا والمفاهيم وخصوصا تلك التي احتدم حولها الجدل في سياق معركة التجديد الشعري، ومنها علاقة الشكل بالمضمون، ويقول في ذلك: ” والمضمون هو الذي يخلق الشكل، والشكل هو الذي يجد المضمون”. وفي السياق ذاته يقول:” إن الإبداع الحقيقي لا يتأطر ولا يأخذ شكلاً واحداً وثابتاً، فهناك قواعد أساسية تمنح هذا الشكل أو ذاك صفة الإبداع، سواء أكان شعراً أو نثراً”

 

وعن علاقة النقد بالمنهج، يشير إلى “إن المنهجية والعلمية الموضوعية التي نسعى إلى اكتسابها في دراساتنا النقدية ليست سوى الحرص على الاستقرار والبعد عن الأحكام الجاهزة وحسن الاستدلال وتفادي الانطلاق من الملاحظات الذاتية. وحينما تتوافر لكتاباتنا النقدية تلك الخصائص نكون قد اقتربنا من أبواب الكتابة المنهجية، ويصبح لنا في الأوساط العلمية قدر من التقدير والاحترام “.

 

ويُنسب إلى المقالح مصطلح” القصيدة الأجد”، أو “الكتابة الأجد” وقد أطلق هذا المصطلح تمييزاً لقصيدة النثر عمّا عُرف بالقصيدة الجديدة، التي كان معنياً بها، كتابة ودفاعاً نقدياً، وأنجز في سياقها كتابه” أزمة القصيدة العربية”،وعالج بعض قضاياها في كتابه “من البيت إلى القصيدة، دراسة في شعر اليمن الجديد.

 

وامتداداً لالتزامه الثقافي تجاه اليمن، كتب المقالح عشرات المقدمات لعدد من المجموعات الشعرية والقصصية والكتابات الروائية والمسرحية والنقدية، التي أصدرها كُتّاب يرون في قلم المقالح شهادةً لكتاباتهم وترويجاً لها، مشيراً إلى أن نأي اليمن عن الأضواء التي تنال غيره من بلدان الوطن العربي، دعته إلى التعريف بمواهب أبناء وطنه، ويقول في ذلك: “ونظراً لذلك التجاهل شبه التام، فقد نذرتُ نفسي للتعريف والمتابعة والتفسير والتأريخ ـ إذا جاز القول ـ بهذه الحركة الناشئة”.

 

ومؤلفات المقالح الفكرية والنقدية كثيرة، وهي ما تزال بحاجة للدرس والقراءة، ومنها: “الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن”، ”شعر العامية في اليمن”،” قراءة في أدب اليمن المعاصر”، ”أصوات من الزمن الجديد”،” الزبيري ضمير اليمن الوطني والثقافي”، ”يوميات يمانية في الأدب والفن”، ”أزمة القصيدة العربيةـ مشروع تساؤل”،” قراءة في كتب الزيدية والمعتزلة”، ”تلاقي الأطراف، قراءة أولى في نماذج من أدب المغرب الكبير”،”الحورش الشهيد المربي”، ”عمالقة عند مطلع القرن”،” الوجه الضائع، دراسات عن الأدب والطفل العربي،” نقوش مأربية”،” البدايات الجنوبية”، ثلاثيات نقدية”، “الكتابة البيضاء”، و “مرايا النخل والصحراء”، ” من الأنين إلى الثورة”،” ثرثرات في شتاء الأدب العربي”،” الشعر بين الرؤيا والتشكيل”، ”أوليات النقد الأدبي في اليمن”،” ” أوليات المسرح في اليمن”، “من أغوار الخفاء إلى مشارف التجلي”،” صدمة الحجارة، دراسة في قصائد الانتفاضة”،”دراسات في الرواية والقصة القصيرة في اليمن””، ”من البيت إلى القصيدة: دراسة في شعر اليمن الجديد”

 

وفي حضرة المقالح شاعراً وإنساناً أثرى الوجدان الجمعي، يتوافد شداة الأدب والفكر، ومجلسه ملتقى لتثاقف المواهب والأفكار والتجارب، ومنتدى لتنمية الخبرات الكتابية واكتساب المهارات في فن الإلقاء، والحوار الفكري، وعلى طريقة المقالح في مناوشة المعنى الحميم، آن لهذه الحروف أن تقف وهي تردد من شعر المقالح ومن قصيدته”ابتهالات ” :

” إلهي !

،مضى العمرُ إلا القليل

،ما غادرت قدمي أول السور من منزل الكائنات

،ولم يشهد القلب سر الجمال الموزع في الأرض

،لم تكتب الروحُ أول حرفٍ من اللغة المستكنّة

،في الضوء

،مازالت الكلماتُ تشد الرحال إلى غيمة

ليس تدنو

،إلى امرأةٍ اسمها في الكتاب القصيدة

!يا سيدي!

ورق العمر مازال أبيض من غير سوءٍ

،سوى ثرثرات المرايا

،وأبخرة تتصاعد من كبد الشك

هل تستطيع اللغات التي ستموت معي

،والقصائد

أن تعبر الدهشة الصامتة؟ “

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: