شعراء من أوَّل طبعة..!!

ـ كتب : *مُحمَّد القعود*

(20)
ثقافة “المأمأة”..!!

* فجأة يقودك الملل إلى «الخربشة» على الورق وكتابة خواطر ضبابية وسطور تائهة وهائمة وكلمات وجُمل لا معنى لها ولا رابط بينها، مُجرَّد عبارات خاوية لا تُلمِّح ولا تُصرِّح!!
تستهويك اللعبة، فتواصل «الخربشة» حتى تصير لديك كمية كبيرة من الأوراق «المخربشة» بكلمات وسطور لا معنى لها، وتُقرِّر أن تقتنع لحظتها بأنَّك شاعر كامل الأوصاف، ومبدع كامل «الخمدة»، وناضج ولابد من المبادرة السريعة بإصدار «خربشاتك» العزيزة في ديوان يحمل اسمك ويُكرِّسك في الساحة الثقافية شاعراً ومبدعاً يُشار إليك بالبنان!!

وبناءً على ذلك الخيال الرومانسي تهب من فورك إلى أحد الأدباء أو مجموعة أدباء من خانة «الخرط» و«شيّلني وشيّلك»، وبمُجرَّد عرض تلك الأوراق «المخربشة» عليهم يهب أحدهم قافزاً وصارخاً بإعجاب : «شاعر وربّ الكعبة، يا للروعة، رائع، جميل، مدهش، أيش هذا الإبداع يا (وليييد)»!! ويهتف آخر : «مش معقول!!»، ويعقبه آخر : «لازم تطبع ديوانك الشعري في الحال»، ويقترح عليك أحدهم تصميم الغلاف، وآخر يتبرَّع بمراجعة مجموعتك «المخربشة»، ويدلّك الجميع على كيفية الطباعة، وهي إمَّا تسليمه إلى إحدى الجهات الثقافية لتقوم بطباعته أو تقوم أنت بطباعته بنفسك!!

وذلك ما يجعلك تتشجّع وتبادر على الفور بطباعة «خربشاتك»

(20)
ثقافة “المأمأة”..!!
في أسرع وقت وإنزالها إلى الأسواق والمكتبات أسوةً بمَنْ سبقك من «الزملاء» أصحاب الموهبة «تيوان»، الذين ملأوا المكتبات والمخازن بإصدارات لا حصر لها، إلى جانب قيامهم ببيعها بأسعار تشجيعية للعديد من الجهات الحكومية والأهلية بصورة أقرب إلى «الشحت» و«التسوُّل» و«التوسُّل» و«الإلحاح» و«الدردحة» من أجل الشراء!!
وفي غفلة من أمرك و«ميزان عقلك» تطبع «خربشاتك» بعد كرٍّ وفرِّ و«مسكنة» و«كومنة»، وما إن تستلم مجموعة مطبوعة من «خربشاتك» العزيزة حتى تُوزِّعها على مجموعة من الأدباء والزملاء و«عيال الحارة»!! وإذا كنت من رفاق الجلسات «المائلة» الحال (!!) أو تنتمي إلى شلّة أو أطر مُعيَّنة أو لك «صبية» أحزاب، أو جماعة من «القرية» أو «البلاد» أو… الخ، فستجد أن هناك مَنْ يُبادر سريعاً للكتابة عنك بحرارة عالية ويُبشِّر بولادة شاعر «لا يشق له طبل»، وسيكتب أنَّك «فلتة» زمانك وشمس عصرك ومعجزة أيَّامك وصاحب لغة شعرية فريدة ورؤية جديدة، وأنَّك مُتميُّزٌ، وقد جئت بما لم يأت به الأوائل ولا «اللحقة» من شعراء الزمان القادم، ومَنْ يشبهك يا فؤادي، أنت شاعر رهيب، رهيب!!

وبالطبع ستقرأ كل ذلك وتنتابك نوبة من «الزنط» و«الغرور»، وستمشي «واثق الخطوة يمشي شاعراً»، وعندما تخلو بنفسك وترى نفسك أمام مرآة الحمَّام، ستصرخ : «أنا شاعر، أنا شاعر!!»، وستسمع جدَّتك تصرخ لتفزَّ إليك قائلةً بصوت خائف : «أيش يا ابني، أنت شاعر بمغص في بطنك أم بحكّة في ظهرك»؟!!

ذلك الكلام سيغضبك وسيجعلك تتبرَّم من هذا الواقع الذي لا يعرف المبدعين وهذه البيئة التي لا تُقدِّر المواهب العظيمة، ولأنَّك تُريد إثبات عبقريتك وتصديق كل ما كُتب عنك، تذهب إلى أقرب صيدلية لتتناول حبوب الأسبرين، واهماً نفسك بأنَّك في حالة قلق وصداع وتفكير بمسائل الكون ومسائل الإبداع وأهمية دورك وإسهامك الهام في تلك القضايا، أمَّا إذا كنت تحترم نفسك، فستعرف أنَّك مُجرَّد «مُخربش» على الورق، ومُجرَّد «مُطنفس» أو «مُبعسس» بالكلمات أو «موهوم» أو ربَّما في داخلك «مشروع» مُتعثِّر لولادة شاعر غير مكتمل النمو وبحاجة إلى الالتحاق بحضانة يتعلَّم فيها أولى خطواته ونطق كلماته الأولى : «دا، دا، بابا، ماما، واووووا… الخ»، أمَّا إذا عاندت نفسك وصدَّقت غرورك وما كُتب عنك، فالويل لك، لأنَّك تكون قد تسبَّبت بكارثة تلوِّث البيئة الشعرية وتستدعي من رجال البلدية والنظافة وحماية البيئة وحماية المستهلك، أن يستعينوا بجميع مواد التنظيف والتعقيم ليزيلوا ما سبَّبه إصدارك من تلويث وما خلَّفه من بلاوي نتنة!!

ستندم أشد الندم عندما تصطدم بحقيقة «عصائدك» وستعرف أنهم خدعوك بقولهم شاعر، وخاصة مَنْ يظلون يُطبِّلون لك ليل نهار، لأنهم بحاجة إليك وإلى «تسليك» مصالحهم من خلال تمجيدهم لقريحتك الشعرية!! وستكون الطامة الكبرى عندما تلقى ما تُسمّيه ديوانك الشعري وهو مرمي في أقرب بوفيه يُستخدم لـ «لفّ الساندويتشات» أو مسح أيادي الخارجين من أحد مطاعم «الفحسة»!! وربَّما ستدفعك صدمة الحقيقة المُرّة إلى الصراخ أمام زبائن مطاعم «الحلبة» بأنَّك كنت مخدوعاً، وأن نسبة كبيرة ممَّن يُسمّون أنفسهم بـ «الشعراء» ما هم إلاَّ مُجرَّد نكتة كبيرة ومصيبة سوداء تبعث على البكاء والأسى والـ «ولولة» على ما آل إليه حال الشعر والأدب في هذه الأيام .

*

خواطر وكتابات

أفياء محمد القعود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: