” المُزينة “

 

هل صحيح بأنَّك تعشق ( المُزينة) ؟

وتريد الزواج بها ؟

أنتَ لست ولدي   


عبدالرقيب طاهر (1)
” المُزينة “
ولن أسمح لك أن تحمل اسمي بعد اليوم ،، سوف أتبرأ منك أمام الناس والقبيلة كلها .. هل تريد أن تشوه سمعتي وسمعة القبيلة .. هل تريدهم أن يُعَيِروني من أن أبني تزوج من ابنة ( المُزين) الذي كان جدها يحلِق لأجدادنا في السوق لِحاهم ويختُن أطفالهم …. هل تريدُ أن تلحق العار بي وبعشيرتك كلها ؟؟ اللعنة عليك اللعنة على ساعة عاشرتُ أمك فيها لو أستمنيتك في الخَلاءَ لكان خيراً لي .

 

 وفاجأها بعد ارتفاع صوتهِ الجهوري خالط صوتهُ غُصة من البكاء ولأول مرة أحسُ بأن أبي لم يتمالك نفسه وأراد أن يبكي ، خفتُ أن يغلبه مرض السكر فيصاب بجلطة من شدة غضبه في تلك الليلة ..  كنتُ منكس الرأس كجندي عائد من المعركة ينبأُ بأخبار الهزيمة في إحدى المعارك مع الأعداء  مرتْ أمي من أمامي وأشاحت بوجهها عني وهي تتمتم يا خسارة حليبي فيك يا خسارة التربية  ..

في تلك الليلة لم أشعر بطعم النوم حتى الصباح ، نمتُ على قطعة من الحصير المصنوعة من سعف النخل افترشتها وتوسدتُ حذائي شبه المقطع تحت رأسي على سقف غرفة صغيرة تقع وسط الوادي ، كان أبي يستعملها مأوى للمواشي ومحراس من اللصوص وبعض القرود التي تداهم محاصيل الذرة في نهاية الموسم ،وبتُ قلقاً وحزيناً وتمنيتُ في تلك الليلة أن أموت ولم أرَ دموع أبي الذي لأول مرة أحسستُ بغضبه وحنقه عليّ ، وهو لم يعتاد مني أن أغضبه البتة ..

لم أذقْ طعم النوم إلا قبل الفجر بقليل كما أظن ، وفي تلك الساعة التي غشاني فيها النوم حلمتُ بكوابيس مرعبة ومفزعة لم أعد أتذكرها لكني أتذكر ذلك الحلم الذي أفزعني من نومي وهو أني قابلتها في أسفل الطريق الراجلة المؤدية إلى حقولهم حيث كنا نتقابل عندها كل يوم قبل أن يكتشف أمرنا ويشتهر حبنا في القرية  كانت تلبس فستانها القرمزي الذي أهداهُ لها والدها في عيد ميلادها ، وكان يعجبني بشدة وينال استحساني بل يزيدني هياماً بها ، وجهها المدور يشبه القمر في منتصف الشهر إذا تبسمت بدت غمازتا وجنتيها كأنها نجمتان من نجوم الشمال  …. حبة الخال ما بين دقنها وثغرها تجعلني دون شعور أسكر إذا ما تمعنت ودققت النظر فيها ، صدرها مكنوز و يخفي حبتي رومان متجاورتين إلى جوار بعضهما البعض جعل من فتحة فستانها يبدو قليلاً ظاهراً ،  كانت حزينة ولم تُكلمني رغم أني كنت أود أن أحدثها لكني كنت كما الأخرس لا يستطيع النطق وكأننا نتحدث فقط بلغة العيون .

أحسستْ بها تقول لي : هذا آخر لقانا لن نلتقي بعدها أبداً ..

استيقظتُ مفزوعاً من منامي بسبب ذلك الحلم وصحوت وكأني ميت نُفخ فيه الروح لتو كان الوقت فجراً ونور الصباح بدأ ينساب على الكون فأحسُ بالنور قادما من الشرق حيث تصعد الشمس رويداً رويداً من خلف جبل عمر   … صوت العصافير تزقزق وروائح الأزهار الملونة تأتي مع هبوب النسيم القادم من أسفل الوادي  سنابل الذرة التي لم تظهر عليها البذور بعد كانت تغطي بعض البيوت المتناثرة في الوادي .. النحل المنتشر على الزهور وثمار الزرع كان طنينه يوحي ببهرج الصيف وجمال الأرض في مثل هذا الموسم من كل عام . نظرت إلى القرية نظرة أخيرة وكأني أحسست فيها بحزن الدنيا على أمي الحبيبة التي لم تعتاد يوماً غيابي وأحسستُ بأني يجب عليّ أن أرحل  وقررتُ الرحيل تاركاً ورائي فتاتي التي أحببتها وفرقتني بها تلك العادات والتقاليد .

بعد بضع سنوات قابلت بالصدفة ابن عمي ولم يصدق بأني ما زلت حيا أرزق قال لي : بعد أن اختفيتَ أدعى والدك بأنك غرقت في البحر وأقام عزاء حضره الناس وأعيان القرية بعد عدت أشهر من ذلك أمك فارقت الحياة وابوك تزوج امرأة أخرى وأنجب منها طفلان  .. كان يعلم سر حبي لتلك الفتاة التي بسببها هجرتُ الجميع ورحلت عنهم ؛ لذلك أخر الحديث عنها وكأنه لم يرد أن يفجعني مرتان لكني لم أكن صبوراً بما يكفي وسألته مرة واحدة قلي ما شأنها هي ؟ هل تزوجت أحدا غيري ؟ نكس رأسه وقال بحزن بل انتحرت يا صديقي العزيز .. بعد سماعها خبر موتك قذفت بنفسها بير القرية المهجورة ولم ينسى الناس شأنها حتى اليوم مازالوا يتذكرون مدى حبها ووفائها لك  لم أعد أتذكر شيئاً بعدها كلما حاول طبيب مجمع مشفى المجانين أن يزودني بحقنة من المهدئ أتذكر فقط فستانها القرمزي وكلمات ابن عمي فقد انتحرت بعدك .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: