عن وجوه تغادرنا ولا ترحل

 

قصة لـ أمل الحيدري

(1)
عن وجوه تغادرنا ولا ترحل

نصادف أحياناً وجوهاً تحفر محلها في عمق الذاكرة رغم ازدحام الوجوه .

وجوه عابرة قد لا نعرفها ولكنها تضعنا وجهاً لوجه أمام هزائمنا الكبيرة وتشعرنا بمدى تفاهتها وتفاهتنا معها، وجوه كريمة لشدة عطائها وصبرها تجعلنا نستشعر مدى عجزنا مهما بذلنا.

سليم كان أحد هذه الوجوه التي يحال أن تنسى تقاسيمه ما حييت ، هو طفل في الحادية عشرة من عمره ولكن بملامح رجل خمسيني صارم ، ذي عينين سوداويتين تلمعان في بهاء آسر رغم جحوظهما البارز وإرهاقهما الظاهر .

في يوم مشمس وغائم ، بين شمسٍ تأتي مشرقة ومشتعلة تارةً لتختفي برشاقة وخفة في فضاءات لامتناهية من السحب الكثيفة تارةً أخرى تماماً مثل أفكاري الكثيرة والمشوشة سريعة الظهور والتلاشي يومها .

ذهبت للحديقة التي تبعد عن منزلنا بحارتين أو ثلاث حاملة في حقيبتي مقرر الأدب الأمريكي والأدب الأفريقي الآسيوي عَلِّي أجد وسيلة مختلفة تعينني على معايشة أحداث رواية Things Fall Apart في قرية أوموفيا ، وتلك القرى المجاورة لها . تذكرت أني نسيت نظارتي الطبية فعدت مرة ثانية لأجلبها على عُجالة . ارتديتها بتململ وأخذت أمشي بخطى سريعة وكأنني على موعد طارئ للشجار مع أوكنكو بطل الرواية العنيد . في واقع الأمر لطالما أردت أن أسأله لماذا كان عليه الزواج بثلاثة نساء في حين أنه يستحقر دورهن ويقلل من شأنهن في مجتمعه الذكوري بامتياز ، أردت أن أعلم كيف لم يؤنبه ضميره وهو يوافق رجال عشيرته في طقوس قتل توائم القرية كلها وتركهم يموتون داخل أنابيب زجاجية محكمة الغلق في غابة الشر باعتبارهم أرواحاً شريرة .

أردت أن أرى إلى أي مدى سيقتلعني من نفسي ويزرعني بالقرب من مجمعه وهل سأستمر في التعاطف معه إلى آخر فصل في روايته أم أنني سأغلقها في وجهه.

تذكرت أن عليَّ القيام بأمور كثيرة اليوم . أمور أجلتها كثيراً لشدة بلاهتي وهاهي تتراكم فوق رأسي دفعة واحدة اليوم .

وبخني صوت فض قادم من الأعماق “ستنتهي من قراءة الرواية كاملة الليلة ؛ نعم الليلة ولا داعي للخوض في أية نقاشات غير مجدية”

خطرت على بالي الحكمة التي كانت قد خطتها صديقتي البيضانية في دفتري الخاص أثناء محاضرة الترجمة إحدى الأيام ” أموقت مثل أمسيف إذا ما قطبتهشي بايقطبك” وختمت عبارتها العظيمة تلك بعبارة “بيضانين ترانزليشن” أقتنعت بحكمتها كثيراً هذه المرة وقررت أن أقطب الوقت سريعاً قبل أن يقطبني فعلاً .

مرت سيارة أجرة من أمامي فور حسم الأمر بيني والوقت ، أحدهم تعمد الكلام بصوت عالٍ  ، صاحبه ضحكة ساخرة مستفزة “هذي نظارة وإلا قلصات شاي ههههههههاي”

تمتم نصفي الأول بلا صوت ولاشعورياً : تافه مختل، يا رب متى أغادر هذي البلاد المعتوه رجالها؟! متى سأتمشى في ساحات فيينا دون مصادفة مشاة تتكور داخل أفواههم كرات خضراء يبصقونها على امتداد الشارع في نهاية اليوم ؟

تجاهليه وكأنه لا يشغل حيزاً من الفراغ !

اعتبريه مجرد حشرة واستمري بالمشي وكأنَّك لم تسمعي شيئاً ، اكتمي ضحكتك الهستيرية الآن رجاءً ولا داع لإزالة قلصات الشاي من عينيكِ ، فلا زلتِ بحاجة للرؤية الواضحة.

هكذا قلتُ لنفسي وأنا أبحث عن سماعات الهاتف في الحقيبة ، وضعتها في أذناي ، فتحتُ قائمة التسجيلات على تسجيل المحاضرة الأخيرة وأسرعتُ في المشي ، نسيتُ كل شيء ولم أنتبه لمدى سرعة خطواتي إلا وأنا أقف أمام البوابة الخارجية للمنتزه العام .

 

في الحديقة كان السكون هو سيد الموقف على غير عادة .

لا أصوات تسمع سوى فرقعة أرجوحة حديدية أثناء حركتها صعوداً ونزولاً بوتيرة واحدة ، طفلاً صغيراً أغبر اليدين والشعر، ذا بشرة داكنة شبيهة بلون البن المحمص بإتقان كان يجلس متأرجحاً عليها وبالقرب منه قدر بلاستيكي متسخ وضعت عليه عصائر مثلجة تم ربطها بأكياس صغيرة. ملامحه جدية حد التجهم والعبوس وعزلته مثيرة للاستغراب ، ولكن شيئاً آخراً استدعى الاهتمام أكثر؛ كانتْ له عينين واسعتين في منتهى السلام والسكينة تنحدر تحت اليمنى منها غرزة جرح حديث الخياطة ، وقف حائراً لثوانٍ وراح يعتلي إحدى المراجيح الأخرى وتعابير وجهه الحاد توحي بلاشيء سوى التأقلم ؛ التأقلم البائس فقط !

عندما مشيتُ بمحاذاته لا أدري لِمَ شعرتُ برغبة شديدة في الابتسام له . بادلني ابتسامة مرتبكة وواهنة تخطتْ طور الظهور التلقائي منذ زمنٍ طويل . اخترتُ المقعد المحاذي لشجرة كبيرة مترامية الأغصان ، أعدتُ السماعة والهاتف في حقيبة اليد ، وبحركة سريعة بدأتُ أبحث عن الرواية الأفريقية الآسيوية. لم أنتبه لما كان يقوم به بعدها ، كنتُ غارقة في أحداث الرواية في انسجام تام منذ البداية ولم أرفع نظري نحوه إلا وهو يردد أغنية جميلة.

أتراها محاولة منه للفت الانتباه في حديقة خالية من كل مظاهر المرح والضحك . حديقة أشبه بساحة حرب مملة بعد انتهاء الاشتباكات ،ساحة لا تحوي إلا فتاة كئيبة منهمكة فيما تخطه في دفتر ملاحظاتها بين حينٍ وآخر ، ولا ترفع نظرها عنه بسهولة رغم محاولات تشتيتها العديدة . عندما رفعتُ نظري نحوه كان قد اعتلى سقف لعبة التزحلق وراح يجلس في حالة من الاستواء التام، في صمت طويل ومطبق لم ينتهِ سريعاً. وجدتني أراقبه من بعيد على أمل أن يعاود الغناء مجدداً ولكنه كان في منتهى التصنم والسكون .

بقيتُ منتظرة في مكاني علَّه يغير وضعيته التي دامت طويلاً ولكن دون جدوى،كان ثابتاً مثل صخرة شاهقة تنتصب في إحدى التلال .

أردتُ أن أراه يتحرك حركة لاإرادية على الأقل لكنه بدا سارحاً وغارقاً في شيءٍ ما، شيء لا مسمى له يحاول جاهداً استحضاره.

ظَلَّ متجمداً لفترة طويلة، أثار فضولي شدة تصنمه وصمته. ماذا عساه أن يكون هذا الشيء الذي جعل طفلاً في هذا العمر مسترسلاً في خياله وفي حالة من الصمت والشرود التام؟

الشرود المخيف الذي يسرقنا من أنفسنا ويضعنا خارج إطار الزمان والمكان .

لم أتحمل أكثر، عزمت أن أناديه، ولشدة شروده لم يسمع ولم يجب بكلمة واحدة. رميتُ حجرة صغيرة في اتجاهه وبعد دقائق معدودة نهض واستلقى على بطنه في محاولة منه للتزحلق بالمقلوب واضعاً رأسه في اتجاه الأرض وقدميه الصغيرتين والمتسختين نحو السماء.

ما الذي يحاول فعله هذا الطفل هنا ؟

حاولت إقناع نفسي بأنها طريقته الخاصة للتغلب على رتابة المكان وخلق مساحة مختلفة للهو والمرح. ولكنه بدا متهوراً أكثر وهو يدفع نفسه بقوة نحو الأرض . صرخت من مكاني “يا ولد انتبه باتعور رأسك”

لم يعرني أيَّ اهتمام ، بل شعرتُ وكأنه لم يسمعني إطلاقا !

نهضتُ من مكاني باتجاهه مكررة عليه نفس العبارة بنبرة عالية وأكثر توبيخاً هذه المرة ، وأخيراً جاء صوته واهناً وفي منتهى السكون كآخر صوت ينبعث من أقاصي الصدى البعيد

-“أنا راسي حديد”، قالها وارتسمتْ في ملامحه صورة رجل واثق يعني تماماً ما يقوله.

استغربتُ من جدية حديثه ونبرة صوته الواثقة !

هو طفل عنيد إذاً قلتُ في نفسي . أخبرته أنه إن كرر التزحلق بهذه الطريقة سيؤذي نفسه ولن يسعفه أحد لأن الحديقة شبه فارغة.

– ستموت ، أردتُ أن أخيفه قليلاً كي يكف عن التزحلق بهذه الطريقة الغبية.

– أنا ميت من زمان يا خالة .

شعرتُ بتثلج أطرافي حينها وتلعثمتُ الكلمات في حنجرتي ولم أعرف ما الذي يجدر بي قوله في تلك اللحظة بالذات !

نظرتُ إلى غرزة الجرح التي ترتسم أسفل عينه اليمنى، وعلى أثر الحرق القديم الظاهر في إحدى كفيه. وأومأتُ برأسي معلنة عن استغرابي لما سمتعه منه للتو، تجاهلني وعاود الصعود نحو الأعلى والتزحلق بنفس الطريقة.

أدركتُ حينها أنها طريقته في التعامل مع الحياة التي تظهر قساوتها في شقوق يديه وتمزق ثيابه وصرامة وجهه والجروح الظاهرة عليه. ربما كان العناد هو السبيل الوحيد الذي يتخذه لتحمل مرارة الحياة وظلمها. وكأنها الحيلة التي أعتاد سلكها في التعاطي مع مصاعب يومه وتحديات عالمه المليء بالقسوة. فهمتُ لاحقاً أنه قرر مجابهة الحياة بالمقلوب بنفس الطريقة التي تحدته بها وهي ترميه في الشارع ليبحث عن لقمة عيشه بدلاً من الالتحاق بالمدرسة.

بدا وكأنه يقاوم ارتطام أثقالها عليه.

الأثقال التي لا مهرب له منها سوى بالمجابهة العنيفة ليس إلا. كان واضحاً أنه يتحدى البؤس بصرامة مظهره الصغير وبقبضة يديه القوية على جدار لعبة التزحلق أثناء اندفاعه السريع نحو الأسفل.

عند حديثي معه أخبرني أنه نزح وأسرته من الحديدة هرباً من الاشتباكات العنيفة قرب حيه ليسكن في غرفة صغيرة مع عمه وزوجته وأبنائهم. احتجتُ لأكثر من نصف ساعة حتى أفكك الكلمات المترابطة في لسانه وأجرها نحوي بإلحاح شديد، كان حريصاً على صمته بعد كل خيط يلقي به عليَّ .

توفي والداه منذ وقت طويل ولم تسعفه الحياة ليعرف عنهما أي شيء، أي شيء سوى الصورة التي أراني إياها وهو يبتسم بعينيه اللامعتين ودموعه التي تبدو وشيكة جداً وهو يحاول ابتلاعها.

شعرتُ وكأنني داخل مشهد سينمائي محبوك درامياً.

لم أستوعب أن هذا الطفل الصغير يقف حقاً أمامي بهذه الأثقال المكدسة فوق قلبه وظهره، رفع إليَّ صورة شبه ممزقة تظهر فيها خدوش كثيرة لامرأة نحيفة جداً تضع طفلاً رضيعاً ، علمتُ بعد تردد طويل أنه شقيقه الأكبر.

شقيقه الذي قُتِل في الحرب.

بدا واعياً لكل ما حدث حوله. إنه الوعي الذي لا يكتسبه المرء في صفوف المدراس أو الجامعات بل يتجرعه دفعة واحدة وهو في عتبات الشوارع نحو عبوره في طرقات الحياة الوعرة.

في كل محاولاتي للاسترسال بالحديث معه كان ينساب إلى حنجرته صمت طويل ومبهم ،  ذلك الصمت الذي يكور الكلمات ويدحرجها على هيئة غصات متتالية تتدحرج من القلب لتستقر في الحلق ولا تجد مفردات دقيقة لتترجمها.

لم يمتلك لساناً منسكباً لشراهة الحديث كباقي الأطفال في عمره وربما كان ثمن ذلك التسويف الكلامي امتلاكه لعينين ناطقتين حد الثرثرة وتناهيد لحزن عميق يفوق أضعاف عمره.

كانت لديه عيناً قادرة على عرض مشاهد من الصمت المعتق في لسانه والتي لا تحتاج لستارة عريضة تعلن عن بدء العرض.

لم يرد أن ألتقط له صورة عابرة توثق سحر عينيه الآسرة بالتعب الذي يستلقي داخلهما، فهو لا يحب التصوير إلا في يوم العيد كما قال لي.

كل عبارة صدرتُ منه جرّتْ بعدها خيوط متشابكة لعبارات كثيرة لم يرغب في الإفصاح عنها.

عبارات تخفي ظل خوف كبير والقليل من التردد والكثير الكثير من الحنين.

ودعني سليم لأن عليه أن يأخذ أكياس المثلجات ويبيعها أمام بوابة المدرسة فور خروج الأطفال منها. غادر وللمرة الأولى أشعر بمدى ظلم الحياة وبشاعتها ومدى تفاهة همومي معها.

شعرتُ أنني عاجزة فعلاً وتملكتني رغبة ملحة في البكاء؛ البكاء الذي يستدعي معه كل الأحزان المؤجلة. كنتُ أراقبه وهو يمشي منحني الرأس ، وإذا به يلتفتُ للمرة الثانية ويبتسم ابتسامته المفعمة بالرضا وهو يشير بيديه الصغيرتين نحو الكتب ويقول لي “كملي كتابة يا خالة”

لا أعلم بماذا يختلف سليم عن توائم قرية أوموفيا الذين يتركون ليموتوا في غابة الشر ، باعتبارهم أرواحاً شريرة. ها نحن أيضاً نتركه يموت ببطء في أنابيب ضيقة من الجهل والحرمان والقهر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: