أحمد قاسم دماج حيث المعنى أولا، وحيث الوطن دائماً

محمد فائد البكري

(28)
أحبُّ اسمي مُضافاً إليك!
حين تقال كلمة” الكبير” عن أحدٍ طوى الموتُ مسافته في الحياة، تبدو كلمة مجاملةٍ أخيرة نقولها لنغلق الباب على ظل الراحل ونسترخي في القليل من الذكريات التي نستعيدها بغباء حزين ونردد معها كان …وكان …و كان…
وتصير “كان” فعلا ناسخاً لكل مشاعرنا عن الفقيد، لكن كلمة ” الكبير” في سياق أحمد قاسم دماج كلمةٌ ولدت معه وعاشت معه ولا أظنها ستموت!
فالرجل الذي ولد في أسرة مشيخية ناهضت حكم الأئمة ودفعت ثمن نضالها نفياً وسجناً وتشريدا، حمّلت الطفل أحمد قاسم دماج عبء الحرية فدخل سجون الأئمة رهينةً لسنوات طويلة بعيداً عن أمه وملاعب طفولته و أترابه ورفاقه، وفي ظلام السجون الذي مات فيه عشرة من الرهائن ونجا اثنان فقط أحدهما أحمد قاسم دماج.


في هذا الظلام السيء التهوية والتغذية المزدحم بالأمراض والمعاملة القاسية، كبرت طفولته وكبر مخياله وأصبح رجلاً مكتمل الإرادة، وحين خرج من السجن لم ينظر وراءه فقد كان الدرب ما يزال طويلا وليل الإمامة يجثم على سماء اليمن ويلوث هواء الوطن، ومن هناك انتظم في عددٍ من حركات النضال مدافعاً عن المعنى.
وبشجاعةٍ نادرة كان في صفوف المقاتلين وتعرض للإصابة بطلق ناري في صدره كاد يودي بحياته باكرا، لكنه نجا للمرة الثانية من الموت، ولاحقا سيصاب مرةً أخرى في ساقه وسينجو من الموت وهو يدافع عن صنعاء الجمهورية ضد الملكية التي كانت تطبق عليها الحصار.
وسيدخل السجون السياسية في العهد الجمهوري الذي كان من أبرز المدافعين عنه، وسيخرج من كل تلك المنعطفات وهو أكثر هدوءاً و حكمةً وزهداً في المناصب والأضواء والألقاب ليبقى اسم أحمد قاسم دماج وحده رمزا لجملة من المعاني المضيئة، وملتقى عددٍ من الصفات النبيلة، مكابرا جراحه، يفتح صفحة الشعر ليقول:
” أُسمِّي الجراحَ عيوناً
وأدعو التوابيتَ أفقاً
وهذا الغياب حضوراً يرصُّ العصورَ على راحتيَّ ويستقدمُ
الأزمنة…
لم تعد تتقنُ الحلمَ نفسي
فدعْني أُسَجِّي الفجيعةَ في نَفَقِ الوهمِ
في حفرة الانشطار! ”

في مفترق الذكريات غلبت عليه نبرة الأسى وهو يتأمل العمر ينحسر والآمال تتآكل بمرور السنوات والوطن الذي دافع عن ثورته وجمهوريته يتحول إلى سجن كبير لملايين الفقراء، ورفاق الأمس يقتتلون و يقتلون نبل الكفاح من أجل الوطن.

وفي غمرة انكشاف الوجوه وسقوط الاقنعة وبمرارة لاتحد، ينهض الفارس النبيل ويتخذ قرار الانعزال والبعد عن كل التيارات السياسية، و نأى بما تبقى له من الحلم عما يتناثر من الشظايا وما تذروه الرياح من رماد الكلمات، و عاد إلى قصيدته ليقول:
هل نبذتنا المنابر من ضجر…”
أم نبذنا الوقوف على عتبات الزمان المدنس بالزيف والدجل
والانحناء…؟!
لنا كل هذا الشقا يستبيح الثواني…
ولي كل ما يترك الفقد
والوحشة المنتقاة
لي العشق يعصمني من مقاربة الإنحناء
يضمد بالذكريات انهيار المعاني
يوزع في المتبقي من العمر زهو النخيل
جموح الرياح” ….

في حضرة الشعر:

مثلما عُرف أحمد قاسم دماج مناضلا وإنسانا نبيلا، عْرف شاعرا مرموقا، لا ينفصل نصه عن شخصه، فشعره وثيقة تعبيرية عن واقعه النفسي، وفيه سجل لتطلعاته وأمانيه و ارتدادات الزمن عليه، و جنوح الأيام، وفاض الشعر :
“نطوي سِنيَّ الجدب
نبني دولة الفقراء
نغسل كل قبحٍ عالقٍ في خاطر الأشياء ”

وربما خانه الفرح مراراً لكنه ظل عصياً على الشعور بالهزيمة، مهموماً بالوطن حتى وهو يتجنب العمل بالسياسة، ويختار البعد عن الأضواء ويمارس نشاطاً أدبياً في خدمة قضايا وطنية في مقدمتها الوحدة اليمنية.
وهو الزاهد الذي لايبالي لمن جُمعت الدنيا، لا تنفصل ذاته عن ذات الوطن ولا تعلو تنهيدته إلا بدافع وطني، ويستفزه أن يرى مواطنيه طرائد الجوع والفقر والمرض، فتسيل غصة القلب شعراً مثخناً بالأسى والحيرة:
“الليل يهبطُ
كل ثانية زماناً من رحيل في العذاب.
الصمتُ سجنٌ ناهض الأسوار ملتف على وجه المدينة.
والرعب يقتحم الشوارع وهي تبكي بالغبار.
وعلى النفوس، على انهيار الكون في الغسق الذي لا ينتهي…
وجلاء تضطرب النفوس.
هذا ارتدادٌ مفزعٌ للَّيل يا قلب المغني”
وقلب المغني بكل ما ينتابه من خفقان حزين، يكابر ندوبه ويسمو على انهيار المعاني، متجاوزا حدود الالم الفردي، وليظل صوت الوطن عاليا في قصيدته حتى وهو يرثي أصدقاءه ورفاقه وتلاميذه، ويواجه سؤال النعش:

فكم وطناً مرَّ
والنعشُ فوق الأكف سؤالٌ كبيرٌ
ووجهك في غبشِ النعشِ يتلو التسابيح
ينسجُ ذاكرة العصر في لحظاتِ الشروق”.
ويستمر السؤال الموشى بالمرارة يستدرج الخيال إلى ضفاف الموت، لينفتح أفق الرثاء على ما هو أبعد من فقد العزيز إلى رثاء الوطن وهو يفقد الصفوة من أبنائه:

فكم وطناً مرَّ!
كم ذكرياتٍ تمرُّ!؟
وهذا انتقالك من دنس الانهيار فراراً إلى واحة الله
معتصماً بنقاء الينابيعِ
تروي لنا كيف تهفو الخوارقُ
كيف لا يصبحُ الطلُّ وَحْلاً
ولا الجبهات نعالا
وكيف يكون الهروبُ من الانحناءِ انتقالاً إلى سندسِ الانتماءِ
فكم وطناً مرَّ فوق الأكفّ!؟
وهل يرسم النعشُ خارطة للبلادِ
وللناسِ؟!
هل يحتوي وطناً
أم يواري المواجعَ في زمنِ الانكسار؟ ”

وبقوة الحلم يثابر على تجاوز عثرات السياسة وصراعات الرفاق، ويستمر في فتح نوافذ جديدة لهواء المستقبل من خلال عمله النقابي في اتحاد الادباء والكتاب، ورغم أن الرجل تقلد رئاسة اتحاد الأدباء والكتاب لمدد طويلة وحظي بمحبة واحترام الأدباء والكتاب كأحد أبرز رموز النضال بالكلمة و أيقونات احترامها إلا أنه لم يطبع مجموعةً شعرية واحدة وظل شعره ينشر في الصحف والمجلات متناثرا في الصفحات ومحفوظا في القلوب، ولسان حاله:
” من أين نخلص حين نغرق؟
إن هذا موسم الإدلاج في التيه الجديد.
نعتاد أن تنسدَّ في السفر المسالك
ويكحِّل الرمدُ المباغتُ كلَّ أحداق الهداة
نعتاد أن يجتاحنا الطوفانُ أسود
نعتاد فيه العوم أسيافاً من الألق المقدس
درجت معاولنا على الأسوار
والأسوار نعرفها وتعرفنا
فمن يأت لأعواد المشانق كي يسافر فوق ظهر الريح نحو الابتكار،
يستف قبل تجشم الإبحار من ودق المواجع
ثم يذهبْ في الشفقْ ؟!”
.
وعلى كثرة ما مر به، وضع السؤال في سياق الاستدراك أو الاستنكار، لكن الشكوى لم تعرف سبيلا إلى قلبه، فقد استمر مثالاً حياً للزهد والتواضع والترفع والكبرياء وآثر العمل والعمل فحسب من أجل الإنسان دون يأس وكان أحايين قليلة، حين تتأزم الأوضاع، يخرج عن صمته ويعبر عما يعتمل في نفسه:
“وأُرتِّب الأحزان باقاتٍ على صدر التجمُّل والحنين
أُعطي المسافة
ما يلائمها وأرقب كيف ترتص الخوارق في سحاب من أنين
وكيف تنفتق المواجع عن غموضٍ رائعٍ
يُومي إلى ما لم نشاهد بعد
للأفلاك ترْقُبُ رحلة الإخفاق
أو للأرض ترتقب النشور.
يأتي مع الزفرات برق ساهر
ينخطُّ في صدر من البلور
يبعث جذوة العشق المقدس
يستريح على شغافٍ من عقيق
يستعيد طلاوة اللحظات
عمق الانتماء” .

والذات في قصيدته حاضرة لكنها لا تجنح إلى الأنا، ولاتتعامل معها، ولا تتعاطى البكاء على نفسها، فهي دائماً في موقع التكلم بلسان الوطن، وخندق الدفاع عن الإنسان ، ويحتل الهم العام الصدارة من معاناته :
خُذْ من نياط القلب أوتاراً
مدينتنا معبأة بذعر لا يُحَدُّ
والخلقُ مقسوم إلى قسمين:
جلادون يلتهمون في شرهٍ ثمار الجنتين،
ومكبلون بفاقةٍ تفضي لمسغبةٍ
نعاج في فلاة من ذئاب”..

وشعره بحرارة الانفعال وصدق الشعور يؤرخ لتصدعات القضايا الوطنية، ويوظف الرموز التاريخية والاساطير اليمنية والموروث الشعبي في بناء قصيدته التي يغلب عليها السرد، و تحت غلالة التفعيلة تتدفق مفعمة بالتساؤل والاستنكار:
لكن…”
أن يغتال عصفورٌ صباحاً كاملاً
ويصير حادي العيس سفاحاً
ومن أبقت قوافلنا جلاوزةً،
تغدو الظواهر فوق ما نعتاد
تلبسنا الفجيعة وهي أسمالاً، ونلبسها انهماراً في اكتشاف هُويّة الأشياء
نخرج من مقابرنا نشوراً مفزعاً
نأتي إلى عتبات هذا الإنهيار الفخم، نسأل حكمة الكهان من سبأ عن النبأ اليقين،
وكيف أن السد يأكله الخراب ولا يرى الكُهّان كُنْهَ الفأر” .

وقصيدته بمضامينها الإنسانية تكاد تكون قصيدة احتجاج، ومحمولاتها السياسية تتلمس طريقها بنبرة حميمة، وهو من شعراء قليلين استطاع أن يجعل اللفظ في خدمة المعنى، وشعره يوقظ البعيد من أحلامنا، ويحفر في الطبقات الخفية من مشاعرنا التي ترهقها المعاناة اليومية ، وذكريات الحرب ، ومواجهة المستقبل.

وكما بالقصيدة يستقوي على وجعه، بها أيضا يلغي الحدود بين ألمه وأمله وبين خياله وذاكرته المحاصرة بأشباح الماضي، وبعين قلبه شاهد أبعد من الأسلاك الشائكة و الوعود البعيدة:
” وأنّي لا أشاهد في فيافي الحلم
غير ملامح الأحباب ترسم
فوق خارطة الأسى هجساً تردده
الجهات ” .

و في قرارة صمته كان يعتصم بالرؤيا وهي تحلق فوق أنقاض الشعارات، ويدرك معنى أن تفقد الكلمة معناها، وتعيش غربة الصدى.
وفي المجمل كانت الكتابة بالنسبة له عملا تحرريا، يحرره من أعباء الماضي، ومن تراكم الخيبات، وهو في كلّ ذلك يضعنا دائماً على حافة السيف،إنه صريح ، لا يُناور على عواطفنا وأفكارنا ، ولا يدور :

“أنا المأخوذ بالذكرى وبالألم النبيل
أهبُ الخواء دلالة التكوين… أنشئ في الغياب وفي التلاشي
كل المعاني المضمرات هناك في بدء الوجود وخلف أسرار البداية
ما للغياب ولِي؟! ”

وبتلقائية تتدافع آهاته صوراً غنائية تفيض حزناً ، وبكاءً ، ومرارة ساخرة، وتبني مفارقات النهاية:
” وها أنا على مهابة الوداع غصةٌ تذهب في الذهول
فجيعةٌ بحجم زلزالٍ يشقُّ قلبَ الأرضِ…
حسرة أطول ما في الطول.
مغارةً أصبحت المدينة
ونفقٌ هو الوجودُ المعتمُ المهبول “!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: