لا مبدأ يعلو فوق مبدأ الإنسانية

 

ـ محفوظ الشامي

 

 

(8)
علمتني المعاناة نبذ الانتماءات الضيقة

لا مبدأ يعلو فوق مبدأ الإنسانية، ولا دين أيضًا؛ لأنها ببساطة الغاية التي ينبغي إخضاع كل الوسائل لخدمتها. بعد صراع الحضارات المحتدم في العالم على مر الزمن، يمكننا وبكل وضوح رؤية مخرجات إنسانية مُشرفة؛ كل ذلك تم إنتاجه بواسطة قوانين وضعية بشرية ساهمت في تعزيز كرامة الإنسان ونيل حقوقه كاملة دون نقصان.

 

– والشواهد على ذلك كثيرة من حولنا في العالم، فالنبل الإنساني لديهم جلي ويدعو إلى الفخر. حقًا لقد احترموا كل المبادئ السامية وأسسوا حياة نقية، بعيدة عن كل بواعث الكراهية.

 

– ومع أن حضارة الإسلام هي الأكثر عدلًا واهتمامًا بتطلعات البشر وحقوقهم، إلا أننا نشهد واقعًا مغايرًا تمامًا ونلاحظ كيف تُسترجع المواريث الجاهلية المقيتة، تلك التي تسحق المجتمع إلى طبقات وتنمي الفروق وتبعث دواعي التمييز النتنة!.

 

اليوم وفي القرن الواحد والعشرين مازال المجتمع العربي عمومًا واليمني خصوصًا يعاني من إشكاليات مجتمعية كبيرة أبرزها النظرة الدونية لأصحاب بعض المهن واحتقارهم ومنهم ( الجزار، الحلاق، الإسكافي، عامل النظافة، الفنان، المُزين). وهذه أبشع العادات تواجدًا في مجتمعنا اليمني، حيثُ ترجع أسبابها إلى الهيمنة الطبقية التي أفرزتها القبيلة على نطاق زمني واسع في ظل غياب التكوين الحقيقي للدولة، وإلى انتشار الخطاب الديني المتزمت والمتطرف والذي يُستخدم ليناقض مشروع مساواة الإسلام، كما يصنف غياب الوعي لدى الشعب وانتشار ثقافة الخرافة وتسيد الجهل في المجتمع من أبرز الأسباب أيضًا.

 

– وبالتالي تنامت العادات والتقاليد السلبية التي تنتقص من حق أصحاب المهن وتجعل المجتمع ينظر نحوهم بعين قاصرة، فمصاهرتهم على سبيل المثال عيب ولا يليق برجل القبيلة. لدي قناعة تامة بأن أصحاب المهن هم أشراف المجتمع؛ لأنهم يقدموا الخدمات للناس ويعملوا بكل نزاهة ليحصلوا على الكسب الحلال. وهذا شرف يكفيهم.

 

ولنكن منصفين إلى حدٍ كبير، أرى أن لأصحاب المهن دور كبير في استمراية الانتقاص بحقهم وذلك من خلال الرضوخ والتمسكن الملحوظ لديهم، قد تكون الضغوطات المجتمعية من حولهم هي من وضعتهم تحت هذا الظرف القاسي؛ لكنهم يجب أن يحاربوا بكل ثقة ليحصلوا على حقهم الطبيعي في التكوين الاجتماعي الطبيعي والعام.

 

يمكننا معالجة هذه الآفات الداعية للسخرية بحق الآخر والتخلص منها من خلال بث الوعي لدى الشعب ونشر قيم المواطنة المتساوية وإذابة مبدأ العنصرية والطبقات وتعزيز ثقافة احترام اليد العاملة، كالحلاق والجزار…

 

بالمناسبة: مع مرور الزمن بات تلاشي هذه العادة السيئة( احتقار اصحاب المهن) يلاحظ بشكلٍ لافت، وهذا أمر يفيد أنه وبفترةٍ قصيرةٍ قريبة، ستنتهي كل تبعات التعصب ونظرة الازدراء لمن يخدم الناس؛ لنصبح مجتمعًا سلسًا وجميلًا يسوده الأمن والمحبة والوئام.

 

محفوظ الشامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: