(أحمد – الفنان – قاسم)

 

بقلم : د نزار غانم
 

(3)
الأيقونة السومانية شاعر/ دكتور سعيد الشيباني : (أنتم الناس أيها الشعراء)

ليس هذا العنوان من عندي , انه عنوان مرثية لأحمد قاسم كتبها الشاعر و المربي السوماني الراحل محمد مجذوب علي (رحمة الله عليه).. و كتابة هذه الصفحات تأتي في الذكرى السنوية لرحيل مبدع انساني و عالمي – قبل أن يكون يمنياً – من طراز رفيع هو الفنان أحمد بن أحمد قاسم آل حمنة (الحمنة) في الفاتح من ابريل و المتوفى عام 1993م، و مثل هذه الكتابة ذكرى حزينة على قلوب الملايين من معجبيه الذين على قيد الحياة.
وعلى كثرة ما هو معروف ومنشور وموثق عن أحمد قاسم, لا سيما أنه كإنسان وكفنان كان على درجة كبيرة من الشفافية تنظر اليه فكأنما ترى قلبه يلمع كحبة الماس بين الضلوع, فانني أجد أن ما اعرفه عن الشماخ الحمنة يحمل قدراً من التفرد والخصوصية , لا سيما انه كان كغيره من المبدعين اليمنيين يطلب مشورتي الطبية و يأتي الى عيادتي المجانية للمبدعين بشارع بغداد بصنعاء لهذا الغرض . كذلك كنت طبيباً لابنته (وعد) و هكذا يكمن قدر من الاحراج بالنسبة لي في الحديث عن النواحي الصحية لأي مبدع عالجته سيما أني أدرس مادة (آداب مهنة الطب) بقسم طب المجتمع بكلية الطب بجامعة صنعاء! وأول مبادئ هذه الآداب سرية المعلومات.


سأروي أحداثاً دون أن أقدر على تحديد ترتيبها الكرونولوجي فبعضها تعود لميعة الصبا……
عندما كنت تلميذا في المدرسة الابتدائية الحكومية بخورمكسر بدأت أعي أهمية أحمد قاسم.
كان الزميلان حلمي و حليم حسن جعفر علي أمان كثيراً ما يتحدثان عن صلة عمهما الشاعر الخالد لطفي أمان بالفنان أحمد قاسم وكنا نسمع كأطفال أن الحمنة يمتلك سيارة امريكية قادرة على المشي في ماء البحر الذي هو ساحل أبين حيث تقع مدرستنا. كنت أشاهده في التلفاز العدني و هو يدفع بزميلنا ابنه حمادة الى عالم الفن فيرافقه على البيانو في التلفاز و يجعله يغني (أنا موسيقي صغير) دو ري مي سول لا سي. كنت أيضاً أشاهد المغناة الوطنية التي كتبها الشاعر الذي لا يموت لطفي امان و لحنها الحمنة و عنوانها (يا مزهري الحزين) وتطلق عليها أسماء أخرى. وكنت أسمع لحنه عن رئيس البلاد يومئذ قحطان الشعبي رحمه الله و كانت كلماته تقول ( بالاحضان يا قحطان يا زعيمنا يا بو الشجعان).
وذات يوم عرض التلفاز فيلم (حبي في القاهرة) بطولة احمد قاسم و كنت بمعية والدي في بيت خالي الشاعر علي محمد لقمان رحمه الله بكريتر , وعندما نهض والدي ووالدتي للعودة الى منزلنا بخورمكسر غضبت كثيرا لأنني لن أستطيع أن أكمل مشاهدة الفيلم .
وذات يوم آخر حضر الفنان أحمد قاسم برفقة الفنان أبوبكر سالم بلفقيه لزيارة والدي في المنزل, وكنت أناهز العاشرة من العمر ولكنني أتذكره تماماً شماخاً أنيقاً مرتدياً بذلة كحلية اللون.
وهنا سألت والدي الشاعر الدكتور محمد عبده غانم رحمه الله عن علاقته بالرجل , فاكتفى بأن أجابني : أتذكر ذلك الفيلم الذي أردتنا أن نشهاده حتى النهاية في بيت خالك علي .. ذلك الفيلم فيه اغنيات من ضمنها قصيدة لي اسمها (عذبيني) لحنها و غناها هذا الفنان. ولكنني كنت أحس بالحدس الطفولي أن علاقة الحمنة بالشاعر لطفي أمان أوثق من علاقته بوالدي.
ولم ينقضي عام 1972م الا و كل أفراد أسرتي قد غادروا عدنا الوالد تلو الآخر وكان نصيبي الخروج الى لبنان حيث وهنت صلتي بالغناء اليمني عموما وبدأت أسمع أغنيات من لبنان لفيروز (رجعت الصيفية) وعصام رجي (هزي يا نواعم) و وديع الصافي (على رمش عيونها) وصباح (يا دلع دلع). لكن بقي في نفسي شيء من لحن (عذبيني) خاصة مقدمتها الموسيقية المثيرة كما بقي شيء من حتى في نفس سيبويه!
و عدت لأنتقل الى السودان هذه المرة بمعية الوالدين . وفي صيف 1975م ذهبنا من الخرطوم الى مكة لاداء العمرة حيث استضافنا الشيخ علي عبد الله بقشان و زرنا أمير الضالع السابق شائف شعفل و الشاعر السعودي الراحل عبد الله بلخير , ثم غادرنا الى دبي حيث يقيم بعض إخوتي لقضاء اجازة الصيف.
وذات يوم دعا صهري المهندس حسين مهيوب سلطان الجنيدي بعض الأصدقاء للغذاء لأجد أن من بينهم أحمد قاسم , لكنه كان قد ترهل و بدأ يفقد شعره . وفي لحظة صمت بعد الغذاء طلب أحمد قاسم مني أن أحضر العود من السيارة حتى لا ينشوي بحرارة صيف دبي وقد كان . أمسك أحمد قاسم بالعود و غنى أغنيته (ابتدينا) بابداع وسألته لمن الشعر فقال لشاعر من عدن اسمه مصطفى خضر . كان الحمنة قد حضر لابوظبي للمشاركة في برنامج تلفزيوني اسمه (ليالي الخليج) واتاح الاشقاء الاماراتيون القدر الأكبر من البرنامج للفنانين اليمنيين و هكذا مثلا سمعت:-
ـ الفنان ياسين فارع (يا ناعس الطرف) من كلمات الأمير صالح مهدي صاحب ديوان (على الحسيني سلام)
ـ الفنانة بهجة أخت صفية زوجة الفنان الرقيق سالم بامدهف (الزين جزع مرة) كلمات شقيقي الأكبر الطبيب الشاعر د قيس غانم صاحب ديوان (تنويعات على الأوتار الخمسة), و رافقها على العود بامدهف
ـ الفنان المرشدي (صادت عيون المها) القمندانية
ـ الثلاثي الكوكباني ( طاب العنب هاتوا حبتين نطعم )
ـ الفنان وديع هائل (يا ظبي ظبياني يا ناعس أجفاني النوم ما جاني من يوم طيفك بان…) تتغنى بالمرأة الظبيانية
أما حلقة الحمنة فرافقته فيها زوجته الفنانة فتحية الصغيرة و غنت (وا ساري سرى الليل) و(دق القاع دقه) و رافقها على العود أحمد قاسم , ثم ظهر علينا الحمنة مرتديا الدشداشة الاماراتية التي لم تكن تناسبه و غنى ( وا دان دانه) كلمات الشاعر القاص أحمد شريف الرفاعي رحمه الله و ختم بأغنية (أتعلم يا فاتني ) شعر محمد عبده غانم فكان أن صفق له الحضور في الاستيديو كما لم يصفقوا لفنان من قبل رغم انه منعهم من مرافقته بالصفقة الخليجية بالأكف خلال هذه الأغنية .
وقد أعجب والدي وشقيقي الشاعر الدكتور شهاب غانم بالأداء والترجمة اللحنية للشعر وبالعزف على العود ولكن والدي كان أساساً عاشقاً مغرماً بالألحان الصنعانية فكأنما أتاه هواها قبل أن يعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا !
وقد حملت معي عند العودة للخرطوم كاسيت صوتي للأغنية التي أخذت تزداد عذوبة في نفسي وكنت أفتح المسجل بأعلى صوت حتى ألفت انتباه بنت الجيران في الخرطوم وكانت سودانية قبطية الديانة و كأنما أعيد تمثيل حب لطفي أمان للمسيحيات السودانيات في الأربعينات مثل ( هيدا) و(ايفون) و (ذات الصليب) و جميعها قصائد جاءت في ديوانه الأول (بقايا نغم) الذي كتب مقدمته غانم الأب. و كنت عندئذ في السادسة عشرة من عمري, وأستطيع أن أقول أن أحمد قاسم كان لي منذ ذلك الوقت الأنموذج الفائق للفن الرائق ! ونظرا لشغفي بطريقة عزفه لمقدمة (أتعلم يا فاتني) بدأت أتعلم العزف على العود على يد والدي وبنوتة مبسطة و لكن طبعاً البداية كانت بالاغنيات الصنعانية وتحديداً أغنية الشيخ علي أبوبكر باشراحيل (حبيبي ان هذا يوم عيدي) و لحن آخر من شعر الخليفة العباسي ليوم واحد الشاعر عبد الله بن المعتز هو (سقى المطيرة ذات الظل و الشجر … ودير عبدون هطال من المطر).
كنت أسمع أيضا في طفولتي من أخوتي لحناً يمازحوني به و كانوا ينظمون عليه الكلمات الساخرة مني بصفتي آخر العنقود يا (نز نز) البان ما شانك أتعبت قلبي بخ……..
لكنني لم أكن أعرف أن هذا النغم حقيقة الأمر من ألحان أحمد قاسم لشعر لوالدي يقول (قمري تغنى على الأغصان) بل ان المطربة اللبنانية هيام يونس قد تغنت به . وأتذكر من هجاء شقيقي شهاب لي قوله :-
لو تخلي الأيسكريم
و التماري كالحريم
كنت باقلك عظيم
ديم محمد ظليم!
ثم شغلت في السودان بدراسة الطب لكنني كنت أحتضن العود أحياناً وأحاول أن أعزف مقاطع من أغنيات أحمد قاسم التي كنت أتصيد أشرطتها من الزملاء اليمنيين خاصة القادمين من عدن .
وبعد غربة طويلة للدراسة عدت الى صنعاء للاستقرار عام 1985م ثم ما لبثت أحداث 13 يناير أن جعلت صنعاء تستقبل أعداداً أكبر و أكبر من العدنيين و كان أحد هؤلاء أحمد قاسم . وتعرفت عليه عبر صديق العمر الشاعر الاعلامي محمود علي الحاج في فندق رماده حده و كان أكثر ترهلا و صلعة ومعه عود سداسي الأوتار و مصنوع كفاكهة الكمثرى , ثم تكررت لقاءاتنا بمنزل الصديقين الشقيقين مصطفى و ابراهيم شريف الرفاعي . هذان الرجلان المتشيعان لأم كلثوم استطاعا أن يغيرا في فن أحمد قاسم حتى في ذلك العمرالناضج بحجة (الكلثمة) أو التشبه بأداء أم كلثوم , وذات يوم سمعت الحمنة يغني (أنت و لا أحد سواك) فلم أكد أميزها بسبب هذه الكلثمة المتعمدة التي تحرص باختصار على غناء البيت الشعري بعدة اشكال مغايرة للحنه الأصيل و على طريقة الارتجال . لم تعد (أنا أهواك) هي (أنا أهواك) وقس على ذلك , وهما يظنان أنهما يحسنان عملا!
قدم الحمنة في تلك الفترة لنا سماعي ( حجاز كار كرد ) البديع و الذي كان قد أنشأه في فيلمه (حبي في القاهرة). و أسمعنا ألحانا كثيرة من كلمات الشاعر عبد الصمد عبد الجبار نعمان لكن لم يثبت في البال منها سوى ( ان رأيت يا مناي طائر الحب يغني ). و في عام 1989 كنت قد انتقلت من عملي كضابط بالقوات المسلحة للجمهورية العربية اليمنية سابقاً برتبة ملازم أول لأربع سنوات الى الخدمة المدنية كمدير للصحة المهنية بوزارة الصحة بصنعاء و حدث أن أصيب أحمد قاسم بكسر في ساقه وأدخل الى المستشفى العسكري بصنعاء وهو المستشفى الذي كنت أعمل فيه , و أتاح هذا الحادث المؤسف لي أن أجالس أحمد قاسم طويلا و أنتهزت الفرصة بأن سجلت 7 كاسيتات عبوة ساعة و نصف عن قصة حياته بالتفاصيل و تسرب الخبر الى الناس وسألني المذيع عبد الملك السماوي هل صحيح أن أحمد قاسم كلفك بكتابة قصة حياته وسرد عليك تفاصيل خصوصية جدا , قلت له نعم وسأحرص على سرية هذه الكاستات فهي فعلا تتطرق لشتى امور الحياة : السياسة والسياسيين اليمنيين – الزواج والانفصال و الحب – المعتقدات النقلية والعقلية والمزاوجة بينهن ….. وهذا كثير من رجل يكفي أنه شجاع ليقول مثل هذا الكلام بل و يسجله على الريكوردر. ربما يدرك القارئ الآن لماذا قلت أن علاقتي بالحمنة كان فيها ما فيها.لكن الجوانب الفنية كانت العقد الذي ينتظم هذه الاعترافات فعرفت منه اغنياته التي كتب كلماتها :-
(يا حلو جنبي) و وضع كلماتها في زوجته وقريبته مريم , كما غناها أمام الموسيقار فريد الأطرش عند زيارة الأخير لعدن منتصف الخمسينات
(أحب بنت بلدي)
(كل ده و انت مش داري يا قلبي)
(بكره بكره)
و جزء من اغنية (من كل قلبي احبك يا بلادي)
وعرفت منه الاغنيات التي لحنها من كلمات الرئيس السابق علي ناصر محمد:-
( حبيبي يا كبير القلب)
(جبل شمسان)
و عرفت منه أنه اقتبس لحن ( الليالي الليالي يا ما أمر الليالي) من شعر الطبيب و الشاعر المصري ابراهيم ناجي من أغنية للفنان العالمي فرانك سناتر او ربما دميس روسس
و قس على ذلك من محطات فنية و سأكتفي بالقاء الضوء على موضوعين فنيين:-
(1) السودان في حياة الحمنة
(2) أغنيات الحمنة من شعر محمد عبده غانم
المكون السوماني عند أحمد قاسم :
أحمد قاسم زار السودان أكثر من مرة خاصة خلال سفراته الى القاهرة اذ كان يهبط في الخرطوم كترانزيت و يذهب الى تجمع الطلبة اليمنيين الجنوبيين في العاصمة المثلثة و حنتوب و بخت الرضا ويحيي لهم حفلات فيهللون لزيارته التي تربطهم بوطنهم .
وخلال أحدى هذه الوقفات – الترانزيت- في طريقه بالطائرة الى القاهرة نزل في الفندق الكبير في الخرطوم و كانت مقطوعته الموسيقية البديعة ( مينة) و التي صرح لي أنه استلهمها من (ترازيتية عدنية) أخرى تحمل هذا الاسم.
والحمنة مؤلف موسيقي مغامر فمثلا ًهو الرائد ربما في توظيف السلم الخماسي الموسيقي السوداني في الأغنية اليمنية وأقصد أغنية ( يا حبيب يسعد صباحك) كلمات أحمد شريف الرفاعي و غناء الفنانة الرائعة صباح منصر و ذلك في المقطع الذي يقول :-
قبل ما حبك أنا
ويرى أحمد قاسم أن أغنيته (يا مركب البندر) التي نظمها الشاعر الكبير أحمد الجابري على ما أظن تقوم على السلم الخماسي البحت و هو رأي أختلف معه فيه و ربما يفتينا المتخصصون في هذه النقطة الخلافية ؟
أحمد قاسم لحن شعرا للشاعر السوماني الراحل محمد مجذوب علي وهو نص (من زمان يا روحي أهواك ولكني أخبي) ولكنه جاء لحناً عدنياً صرفاً.
كذلك كان نص ( وربي) للشاعر لطفي أمان مكتوباً أساساً ليغنيه الفنان السوداني محمد وردي عند زيارته لعدن و عندما لم يغنه أعطي للحمنة فلحنه اللحن المعروف, لكن هناك أيضاً لحن للاستاذ الفنان خالد صوري لهذه الاغنية و على السلم الخماسي السوداني وقد سمعته منه قبل الوحدة عام 1989م في عدن.( انظر صحيفة اليقظة العدنية بتاريخ 15 أكتوبر 1963م) مقالاً بقلم الفقيد السوماني علوي محمد الشهير بعلوي الجبلي و هو شقيق العازف و الصحافي أحمد الجبلي مدير تحرير صحيفة (26 سبتمبر ) بصنعاء.
ومسك ختامه جاء …. أغنية سومانية! :-
وما لا يعرفه الكثيرون أنه لحن لي قصيدة بعنوان ( أوتذكرين) في مارس 1993م قبل وفاته بأسابيع قليلة و دونها على النوته و وظف فيها السلم الخماسي في مقطع يتحدث عن الذكريات لظنه أنني كتبت القصيدة في السودان و الواقع أنني كتبتها في دبي , وأصر على أن نأخذ صورة تذكارية يبرز هو فيها النوتة وأبرز أنا فيها النص الشعري الذي نشر في دويويني اليتيم (تداعيات الغربة) في دمشق عام 1991م.
ولم أشأ أن أخيب أمله في مكان كتابة القصيدة فقد كنت أحب الرجل بالطول و العرض . نوتة هذا العمل المغمور بحوزة أسرة الفقيد ضمن أوراقه الكثيرة وربما تكرموا بإعطائي نسخة منها, وبالتقدير شبه المؤكد فإن هذه الاغنية كانت آخر أعمال أحمد قاسم الفنية و أشك أن الاستاذ والموثق الكبير جعفر مرشد يملك تسجيلاً لها , ولكن الحدث الفني موثق لديّ بالكاميرا التقليدية وقد أهديت الصورة للصحيفة لتنشر!
غانميات أحمد قاسم
تبدأ هذه الغانميات بنشيد ( نوادي الأولاد) الذي كتبه والدي لينشده التلاميذ في نوادي الأولاد التي جاء تأسيسها في أحياء عدن كفكرة تربوية من المربي غانم الأب في الخمسينات , و قد لحنها الحمنة.
العمل المشترك الثاني كان أغنية ( قمري تغنى على الأغصان ) وقد كتبها والدي عام 1958 كنص فصيح يسأل فيه زوجه ( أمي) أن تكف عن النواح لفراق ابنهما الأكبر قيس الذي غادر لدراسة الطب في بريطانيا قيس هو كاتب كلمات أغنية (الزين جزع مرة) التي لحنها الفنان الرقيق سالم بامدهف.
حدثني أحمد قاسم فقال : عندما طلبت من السيد محمد عبده غانم مدير المعارف والذي اسهم في ابتعاثي للدراسة في القاهرة نص (قمري تغنى) وجدته نصاً فصيحاً فقررت من أول وهلة أن أعدنه من حيث اللهجة وأضع له ايقاعا يافعيا! وحينما تقدمت لتسجيله في اذاعة صوت العرب بالقاهرة طلب مني الشاعر أحمد رامي عضو لجنة اجازة النصوص أن أغير بيت (الدمع قد قرح الاجفان) ليكون (الدمع قد جرح الأجفان) فاحتججت أن عبد الوهاب يغني بيت في أغنية له يقول (مقروح الجفن مسهده) من أغنية (مضناك جفاه مرقده) فأسقط في يد رامي واجاز النص .
ولقد قدم الناقد الموسيقي جابر علي أحمد تحليلاً موسيقيا للاغنية من حيث التلوين المقامي فيها بدء من النهوند و انتقالا الى البياتي مع مرور خفيف على مقام الصبا فعودة الى النهوند , و قد سمعت الحمنة في المستشفى العسكري بصنعاء قبل الوحدة اليمنية يقول عن جابر أنه فيلسوف الموسيقى اليمنية ويقول عن نفسه ( ملك التلوين المقامي في اليمن ). بالمناسبة الحمنة معجب بأداء هيام يونس للأغنية بينما أجده أنا تلوث بالدبكة اللبنانية فلا ذا تأتى و لا ذا حصل.
العمل المشترك الثالث جاء على قالب ( القصيدة) في الغناء العربي والشرقي, ومن مميزات هذا القالب وجود المقدمة الموسيقية والتلوين النغمي في كل بيت تقريبا و الايقاع الرصين ويحبذ التلوين المقامي أيضا لتفكيك المعاني و الصور الشعرية والدلالات الايحائية للألفاظ , فكانت أغنية (عذبيني) من مقام النهوند و هي منشورة في ديوان الوالد الأول (على الشاطيء المسحور ) تحت عنوان (أنت عندي) و قد لحنها الحمنة في أواخر الخمسينات و غناها في فيلمه اليتيم (حبي في القاهرة)عام 1966م, بينما كل أغاني الفيلم الأخرى بالعامية العدنية من شعر الشاعر لطفي أمان رحمة الله تغشاه.و المقدمة الموسيقية للفيلم هي لحن (أنت و لا أحد سواك) من فصيح لطفي الكثير الذي لحنه الحمنه .و يرى الشاعر عبد الصمد عبد الجبار نعمان أن ( عذبيني) تحمل روحاً سادية غير مقبولة اذ يقول الشاعر :-
عذبيني فعذابي فيك خير من مماتي
و أظن صاحبنا لا يميز بين السادية والمازوخية!
هذه الاغنية الفصحى سمعتها تؤدى بشكل متقن من الفنان و الفيلسوف الصنعاني أسامة علي أحمد الخضر. و هناك أكثر من لحن للأغنية مثل لحن الفنان الحضرمي محمد علي السقاف و هو مسجل بتلفاز عدن و يختلف تماما عن لحن الحمنة .
العمل المشترك الثالث جاء أيضاً على قالب (القصيدة) في الغناء العربي و حظى بمقدمة موسيقية بديعة و هو أغنية (أتعلم يا فاتني) وقد جاءت في ديوان الوالد الثاني (موج وصخر) تحت عنوان (زفره) و كان الفنان سالم بامدهف قد طلب من والدي في الستينات أن يعطيه حق تلحينها لكن بامدهف لم يوفق الى تلحينها.
حدثني احمد قاسم فقال:
استوحيت النسيج اللحني لمطلع أغنية (أتعلم يا فاتني) من مدخل الأغنية الصنعانية الشهيرة (يا مكحل عيوني بالسهر) فكلاهما من مقام حجاز كار .
ويرى الفنان جابر علي أحمد أن الأغنية الصنعانية هذه من عقد نواثر وليست مقاماً بينما يرى الفنان الراحل يحيى مكي رحمة الله عليه أنها من مقام نواثر ويحيى مكي معجب بأداء المرشدي لها .
وللفنان البديع فضل النهاري رأي في هذا الاشتباك الفكري.
و ذكر لي أحمد قاسم أنه استلهم (يا مكحل عيوني) في سمفونيته التي كان قد شرع في تأليفها في الاتحاد السوفيتي بل إنني سمعت شخصياً هذه العلاقة الموسيقية الواضحة عندما كنت في ابوظبي في الثمانينات.
أما استلهام الايقاع الصنعاني (الدسعة) في (اتعلم يا فاتني ) فواضح في الفاصل الموسيقي الذي يليه الغناء على كلمات :-
لياليك فيها الهنا و ليلي فيه الكدر
هناك عملان مشتركان آخران بين غانم الأب والحمنة هما :-
-(ليلة قمراء)
-(أنشودة البدر)
وقد سمعت تسجيلا للأغنية الأخيرة , والغريب أن هذه الأغنية قد لحنها آخرون أيضا قبل أحمد قاسم:
ـ السيد علي السقاف ـ الفنان الراحل علي بنقاله الشهير في حضرموت بعبد الوهاب الملايو
ـ الدكتور نزار غانم
ولحني لها مسجل في اذاعة صنعاء منذ عام 1986م تحت عنوان (لحن القمر) باقتراح من المرحوم الاعلامي محمد دحوان حتى لا يظن أنها كلمات لانشودة تتغنى بالامام المخلوع و المراوغ محمد البدر. و الوحدة تجب ما قبلها!
تحلية:-
ذات ليل صنعاني بهيم هاتفني أحمد قاسم قائلاً أنه أجرى لدمه فحصا للسكر بالجهاز الشخصي الذي اشتراه منذ أن أصيب بالسكر في أواخر أيامه ووجد أن القراءة هي ألف وانني يجب أن أحضر اليه فورا لاسعافه.
تعجبت و قلت له يا أستاذ لو كان مستوى السكر في دمك قد وصل الستمئة ـ دعك من الألف ـ فستكون الآن في غيبوبة أو لا سمح الله … ولا يمكن بالطبع ان تكون صاحياً تهاتفني , فعرف اني كطبيب كشفت أنه كان يرغب في زيارتي في تلك الليلة لأن الحمنة كائن ليلي يحب الليل أو يهرب الى الليل كما يقول الطبيب المصري الفقيد عادل صادق رحمة الله عليه في تحليله لسلوك أكثر الفنانين.
أحمد قاسم سلاما

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: