( الغراب.. والغروب )

 

منذ قتل قابيل شقيقه هابيل، في أول حالة اغتيال في تاريخ البشر، وحتى بعث الله غراباً يحفر في الأرض 


سليم المسجد (3)
” كهنوف” شخصية روائية تجوب المعمورة
لدفن غراب آخر، ظهر الاغتيال والقتل في الأرض، كما توالى ظهور الدفن..، وأشتهر الفراعنة بفنون التحنيط ، والهنود بإحراق الموتى ، والمسلمون بالأضرحة والقبور، وتطور الأمر إلى مقابر خاصة ومقابر عامة، ثم تسويرها وحمايتها-حديثاً- من لصوص بائعين الجثث.  وأسهمت الصناعات الحديثة في رفد المستشفيات بثلاجات خاصة لاستقبال الجثامين المرسلة من النيابات وجبهات القتال أيضاً، وأيضاً لحفظ الموتى -غرباء الملامح والأهل والأوطان ، غير أن آخرين اختفوا بطريقة غربية فلم نجد لهم أي أثر أو مكان يحتوي بعض رفاتهم، وأعتقد أن خطورة المادة المستخدمة وخطورة منفذ العملية كانتا وراء هذا التغريب البدني واللا إنساني، في إتلاف الضحية وتفاصيلها معاً، وكي لا تفوح رائحة تنبئ عن عجز منفذ هذه الحالة الحديثة، ذلك العجز الذي رافق أول قاتل في الأرض، ثم تحسره لماذا لم يكن مثل ذلك الغراب، في تصريف الجثة قبل تعرضها لعوامل التعفن والعطب فقط، بلا بصيرة تحدوه- حين ذلك -لفهم معاني الحياة والموت والدفن في شريعة الغراب، أقصد الطائر ذا الريش الأسود غالباً والذي اتخذته المرأة المسلمة لوناً لحجابها، والصوت الممتلئ بضجيج الثائرين ، وقبل ذلك دوره التعليمي الأول في ارشاد البشرية إلى احترام حرمة الموتى، كما أاحترمت حقوقهم وحرماتهم أحياءً، لأن طبيعة الحياة في ذلك العالم يسودها القانون التطبيقي، الذي يكفل لكل واحد فيه  العيش بأمنٍ وحرية وكرامة، وأي غراب يغتصب أو يهدم عش غيرة أو تقوده رغباته للاعتداء على حرمة غراب آخر، يُقدم للمحاكمة العادلة، وما أن تثبتْ إدانته يُعاقب وينال جزاءه الرادع ، وفق قوانين- تسنها محكمة الغربان -لاتقبل الرشاوي والمجاملات، ولا الطعون والمساومات . تلك الحيادية والعدالة التي نفتقدها اليوم، ابتداءً من دور ممثل التحقيق وجيوبه الممتلئة بالنقود ؛ من أجل إكراه المتهمين على الاعتراف تحت الضغط والضرب والتهديد والوساطات والهدايا أيضاً، حتى غروب شمس العدالة والحرية عن واقعنا المعاش .

 

والغروب هنا ظاهرة إنسانية وقانونية شاذة، تختلف عن تلك الظاهرة الطبيعية والتي تصاحب الشمس في نهاية كل يوم، يلاحظها سكان القرى والأرياف البعيدة عن ضجيج المدينة وأضوائها التي ساوت  بين الليل والنهار، فتمتزج أهازيج الرعاة بالسرور، وترتسم الفرحة على وجهك أيضاً، عند انحدار قرص الشمس ناحية الغروب، خاصة إذا كنت في أرض الغربة، إيذانا بالعودة إلى الغرفة القريبة من منطقة العمل، لتستلقي فيها وتأخذ قسطا من الراحة، وربما تقع عيناك على هذا الموضوع، فيثير في نفسك صخب الشوق والحنين للأهل في الوطن، دون أن تدرك بأنك خرجت بالغروب عن المعنى الذي أقصده عند حديثي عن الغراب، أو أنك أحد ضحايا ذلك الغروب الناتج عن أفعال وتجاوزات أشخاص ظلامية وظالمة، يسقطون غروبهم الإنساني والأخلاقي على أشخاص أخرين، تظل معاناتهم مجهولة في أغلب الأوقات، والبعض من الأدباء والشعراء هم من يستطيعون تصوير ذلك الحال والتعبير عنه، إذ لا يخفى عليك دمع البارودي عند الوداع، أو صرخات أحمد مطر والتي مازالت تشق صمت التاريخ، وربما تسللت إلى أعماقك لواعج الزبيري القادمة من باكستان أو من نقطة في الظلام، وقد يدعوك المهجر لقراءة رسائل جبران، وفي مكانٍ آخر تحتويك عوالم محمد عبدالولي في شيء اسمه الحنين، وقد تشد بك رحال القصيدة إلى بردونيات الرائي في الزمن الكفيف، أو نحو صنعاء فتعيش غربة المقالح ، وغيرها من حالات المعاناة،  أقصد تلك الاشتقاقات: الغربة، والاغتراب، والتغريب، والغريب..، والذي لا ذنب للغراب في تكوينها فعلياً، غير أن العرب- بالعين المهملة -نسبت أصل اشتقاقها من اسمه-وليس من اسم الغروب-  كما ورد في معاجم اللغة.

 

ويبدو أن العرب في تراثها اللغوي والأدبي لم تحتفِ بالغروب، مثل احتفائها بالغراب حتى على مستوى التسمية لم تتوقف عند ذلك القدر من التهويل، بل أضافت للغراب قائمة طويلة من الأسماء والكنايات الغريبة منذ القدم كـ: “أبو حاتم، وأبو حجادف، وأبو الجراح، وأبو زيدان، وأبو حذر، وأبو زاجر، وأبو الشؤم، وأبو غياث، وأبو القعقاع..” وكلها كنايات-ظهرت حديثاً- لشخصيات يمنية جديدة وغريبة أيضاً، تخفي اسمائها الحقيقية وتتقنع بهذه الكنايات عند مزاولة أعمالها، إيمانا منها بأن عدم شرعيتها ستعرضها للمساءلة القانونية في يومٍ ما. ولكي أبتعد بكم عن أعمال هذه العصابة وما أحدثته من كوارث ودمار، سأعود ناحية المحلل-أقصد اللغوي- وتحويمه حول الغراب، ولكن في هذه المرة حرفيا، حيث جعل الغين-الحرف الأول من اسم الغراب-في قائمة: “الغدر، والغرور، والغم، والغلة ،والغول(حيوان يأكل الأطفال في الحكاية الشعبية). وأعتقد أن المحلل أثناء هذه القراءة كان نائماً في الغداف، أو غاضباً من داحس والغبراء والحروب الدائرة في تغريبة بني هلال، أو مما يحدث للأطفال في غزة، أو أنه كان يعيش حالة من الصراع النفسي بعد فراق حبيبته، فقضى ليله في غياهب السهر والألم والكتابة ثم اسقاط نفسيته المتأزمة على هذا الطائر، دون أن يجد حبشياً-أو أثيوبياً-يسقيه الغبيراء(والغبيراء شراب مسكر تتخذه الحبش من الذرة) لا أعرفه إلا في المعجم ومسند الأمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة، غير أني قصدت بذلك الانتقال من مرحلة إلى أخرى، فبدلاً من التهكم بالغراب يدون موقفه من تلك الأحداث أو ما يمر به شخصياً في قصيدة تاريخية، وأخرى قومية، وثالثة يعلقها على أطلال غادة بعد أن وصفها بالغزال عندما كانت ترد الغدير في غزالة الضحى، أو يفتح عيناه أمام الغيث النازل من السماء وهو يبعث في الطبيعة روح الحياة-ليتوقف-أمام جمال اللغة وكل جمالٍ يتقدمه حرف الغين وغيره-عن التهكم والتشاؤم بالغراب، والذي أورد له جملة من ألفاظ انتقائية ظالمة تبدأ بحروفه وتعني المهالك والهلاك، ولكني أتعذر عن نقلها لما أبديته، ولأني لم أجد في الكتاب المدرسي تحليلاً أو اقتراباً من كلمة الغرب-الدول ذات السيادة العالمية-حتى في درس الجناس، وكما فعلوا مع الغراب، الذي أعدوه من الفواسق ثم أباحوا قتله في الحل والحرم، وفي الأدب العربي أيضا، لأنه”من لئام الطير، وليس من كرامها ولا من أحراراها ، ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، لأنه لا يتعاطى الصيد-يعني أن سلوكه الفريد لا يتيح له افتراس الأخرين من أجل إشباع غريزته-بل إن وجد جيفة أكل منها وإلا مات جوعاً” وهذا وصف الجاحظ في كتابه الحيوان دون أي تدخل مني، غير أن المثير للغرابة في هذا الوصف: رؤية أمام البخلاء لكرم الأخرين مع أن القاعدة الثابتة تنص على أن”فاقد الشيء لا يعطي ، وافتراضاً-لا تضحك-أنه تأثر بابن المقفع في هذا الأسلوب فأتخذ من هذا الطائر وسيلة لتجسيد أوصافه ورسالته للجائعين، ولكني أتمنى عودة الجاحظ إلى زماننا؛ ليرى كرام النفوس وهم يموتون جوعا دون أن ينهبوا مال أحد، والأحرار في السجون والمعتقلات، والبعض منهم يعاني التشرد ويبحث في براميل القمامات عن لقمة يسد بها رمقه، فهل سيطعم جائعا!؟ أو فبماذا سيصفنا؟ ! لا أعرف حتى الآن، ما أعرفه  أن العرب أجمعت على طرد الغراب من رحمتها، ومن المنازل والبيوت أيضاً، حتى وإن رأيت غراباً في بيت الشعر العربي فما هو إلا تعبيرا عن الشؤم والسوء..، مما دفعني إلى البحث لهذا الطائر المظلوم عن مناصر آخر .  ولكني تفاجأت بأن صورة الغراب في الأدب الغربي لا تختلف عن صورته التي ظهرت في الأدب العربي، منذ غراب نوح-رواية تتناقض مع أسطورة الحمامة- حتى كتابة هذا الموضوع. لأجد نفسي بين هذا الكم الهائل من التراث غريباً، ينبش كالغراب في ذاكرة الغروب-أعني ذاكرة الماضي- والحاضر أيضاً،  ليسطر رؤية جديدة، في عالمٍ يضع مثل هذه الحالات والهيئات-ذات الهالة السوداء-في قائمة السكوت والحظر والإرهاب، قبل أن أرى-على الأقل- (٢١) غراباً،  ليس لدفن الموتى بل لإيقاظ النائمين في هذه المرحلة الراكدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: