قراءة برجماتية لقصيدة “كأنه يوم القيامة” للشاعر زين العابدين الضبيبي

 

ـ بقلم  : المدكر نعمان الزكري

 

(1)
قراءة برجماتية لقصيدة “كأنه يوم القيامة” للشاعر زين العابدين الضبيبي

توطئة :

متى ما ازدحمت مشاغل الحياة لدى أي مخيال كان ‘ مهما ترامت أطراف معرفته وشسعت مسافات أدبه ; زد على هذا كونه ذات الحين الأزهد نظراً بالفكر للواقع ‘ والأنفذ بالمعرفة على الوجود بصراً وبصيرة , مع ذلك كله وبلانقاشات مكررة يظل الإنسان إنساناً’وإن عد زيادةً على شرف نيله صفة – فريد عصره- فلتة زمكانية لا تتحقق واقعا حقاً إلا عن قدر معجز ‘ ولا تتكرر حقيقة إلا عن خارقةٍ معجزةً أخرى ; إذ لابد له إثر التخاطر مع ذاته من الوقوف على عتبات الغصص لا قصد ولوجها لإدراك ماهيتها ‘ لكنما ظفراً بتحقق خروجه منها خالٍ إلا من عوالق المحاولة كمحصل لحنين الخلاص ‘ربما بارتياد حديقة ما / منتجع /متنفس ; للترويح عن نفسه بمباهج الطبيعة وتُحف الوجود ;غرض التخفيف عنها من هموم ربما لن يكون بمقدوره قادم الحياة الصمود أمام جراءة صلفها وجسارة سطوتها’ متلافياً بذلك واقعاً مأساوياً بالتقدير ‘وكارثياً على مقياس غوائل المصير ‘من هذا المنحى ومن هذه الزاوية شرعتُ بهذه البرغماتية -ذات طفش- كما هي عادتي كلما تحقق آنف الذكر عليّ واقعاً هزيعياً نتناً- بالدخول لعالم الفضاء الالكتروني غرض اجتداء النور واحتذاء الطيب ‘وكوني قد صنعت ذلك حقاً ووفقاً لبديعة صفي الدين الحلي “تنقل فلذات الهوى في التنقل:: ورد كل صاف لا تقف عند منهلِ” فقد صادف أن وجدت في أحد المنتديات الأدبية ‘ دوحة شعرية ضاربة بالثمر وقافلة بالزهر ‘تنود بالمضمون الرقيق وترود بالشكل الأنيق ‘ حداثية الصوروالدلالية’ تحديثية الإنزياحات والرمزية ‘ درويشية ندية التناص ‘جدارية زينية الاقتناص’ ولتحقق كونها بدعاً من الشعر ‘وتحققها على يديه القصيدة السحر ‘تنتج من التدوير في الشطر موسيقى ملائكية ‘ومن التكرار إيقاعاً “أليوتياً” صاخباً..وما أن فرغت من استكناه جمالياتها واستشفاف سيميائياتها من العنوان وحتى تضبيب “تنصيص” القفلة التهكمي ورأيتني بفضلها ناشطاً من عقال الواقع المنكسر ومنتفضاً بنشوة الشغف للقادم الجميل ‘شرعت بقراءتها وفق النظرية البرغماتية /الذرائعية لمبتكرها الدكتور عبد الرزاق الغالبي فهيا بنا معشر الشعر وقبيل القصيدة للقراءة علما بأنني سوف أبتدرها بالتقديم لأهميته في هكذا قراءة طالباً من الله بعد عونه التوفيق والسداد وتحقيق الغاية والمراد…

 

 

الـــقـــراءة :

 

أولاً:-التقديم:

من هو الشاعر..?

– زين العابدين علي ناصر الضبيبي..

– شاعر وإعلامي من اليمن..

– من مواليد 1992م

– بكالوريوس أدب عربي جامعة صنعاء.

– حصل ﻋﻠﻰ ﺍلعدﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﺍﺋﺰ أبرزها جائزة شاعر اليمن الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح 2015م.

ـ ﺷﺎﺭﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﺮﺟﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺜﻘﺎفية ﺍلعربية ، ﻓﻲ كلٍ من:  ﺩﻣﺸﻖ ﻭﺍﻟﺮﻳﺎﺽ ﻭالدوحة.

– ﺷﺎﺭﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻌﺎﻟﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﻬﺮﺟﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺜﻘﺎفية المحلية..

– يكتب ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺤﻒ ﻭﺍﻟﻤﺠﻼﺕ اليمنية ﻭﺍﻟﻌﺮبية.

– صدر له ديوان قطرة في مخيلة البحر .طبعتين .فصيح ;الأولى عن الأمانة العامة لجوائز رئيس الجمهوري والطبعة الثانية تجارية.

ديوان “توق إلى شجر البعيد” عن جائزة المقالح للإبداع الأدبي ٢٠١٨م .

– رئيس ومؤسس مؤسسة فكر للثقافة والتنمية.

– عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

– عضو مؤسسة الإبداع للثقافة والأدب والفنون..

– رئيس الدائرة الإعلامية لمنظمة أوتاد لمكافحة الفساد.

 

 

القصيدة :

كأنه يومُ القيامة.

وتَلُوحُ لي

مدنٌ تنامُ

كأنها تَهبُ المواتَ جفونها

وتُعِدُّ برزخها

وتركضُ في نعاسٍ مستديرْ.

وأرى قرىً غضبى

تُداهنُ ليلها الجاثي

وتُتخِمُ بأسَها

بِدَمِ الذينَ تقاسمتْ يوماً

ضِباعُ التلِ نَخبَهمُو

فأسدَلتِ الظباءُ شُجونَها

وتوسدَ الأفقَ العزاءُ

كأنهُ يومُ القيامةِ

قُلْ لنا يا ملحُ : من يرث الدموعَ الآنَ

لا مدنٌ ولا أسماءُ؟

تعرفنا ونعرفها

وأينَ ستخلع النجماتُ فِتنتَها

وتلبسُ عُريها المرتابَ

من يحدو الرؤى العطشى لِبُغيَتِها

ومن يرثُ الفناءَ الرحبَ

بعدَ تغرُّبِ الأنواءِ

من؟

وألوحُ لي وحدي

أطرزُ بالسعالِ مسائيَ النائي

وأسندُ وحشتي الحدباءَ بالمَغنى

ويُؤنسني الصدى “يا ليلْ دانهْ دانْ”

حيثُ تَلُوحُ لي الذكرى وتصرخُ

أيها المرتدُ

ما هذا الهروبُ الرخو

ما هذا ….

ومن سيحرضُ الطينَ المرابطَ في لزُوجتهِ

ليشمخَ في طريقِ الشمسِ

رُغمَ سقوطهِ بالأمسِ

لا أدري

أينسى ثأرهُ وينامْ !

” دُوَارٌ كاملُ التكوينِ ”

ينفخُ في المدى صحواً

ويشحذُ همّةَ الموتى

فتزدحمُ الذرى بالقمحِ والرمانِ

يفتحُ بابهُ الطوفانُ

ترفلُ بالحياةِ قرىً

وتفقِسُ بيضةُ النسيانِ

خلفَ تيقّظِ الآبادِ

تندلعُ النجومُ سَناً

يُعِيرَ الفجرَ أجنحةً

ليشرقَ في سماءِ المتعبينَ اللهُ

وهي كثيفةُ المعنى

تلمُّ شتاتَ فتيتها

وتُقرِئهُمْ كتابَ المستحيلِ قفوا فهذي الريحُ ملكُ يمينكُمْ

ولكمْ… ذُرى الآتي اصعدوا

هذا البياضُ لكمْ

وللظلماتِ والسوطِ الجحيم.

وتلوحُ لي مدنٌ تفيقُ الآنَ نافرةً

قرىً مأهولةً بهديلِ أسرابِ الصباحِ

وثمَّ أغنيةٌ تمدُّ شراعها

جهةَ اليقينِ

وكلُّ حقلٍ يقتفي أثرَ الربيعِ

ويستفِزُ الوردَ قاتلهُ

فأسمعُ للعبيرِ غِنَاً:

” على الباغي تدورُ دوائرُ الدُنيا

على الباغي تَدُورُ تدُورْ

وللوردِ الضُحى بيتٌ

وبيتُ عدوهِ الديجورْ

وللمدنِ السنا والصحو

ينفخُ ذاهلاً في الصُّورْ

أفقنا يا دُنْى ابتسمي

بوجهِ سُباتنا المسعور” .

زين العابدين الضبيبي

27 أكتوبر 2018 م

ثانياً:- البؤرة الثابتة للقصيدة :-

إن الناقد قبل قراءته لأي نص أدبي شائق بديع ‘شأنه شأن المتلقي الحصيف ; تحدث له كإرهاصات أمور شتى منها على سبيل المثال لا الحصر:-

1- المرور عليه بالقراءة العابرة بين الفينة والفينة كتأثر بديهي..

2- استحضار النص مرة وثانية وعاشرة وبشكل مستمر ، أو متقطع لما تركه عليه من تأثير ساحر ;إلخ…

وبينا هو كذلك مع الوقت شيئاً فشيئا وهو يستحيل مندهشا لحدة جذبه الشديد عليه ; ومنذهلاً لبُلغة إنجذابه إليه; على الأخص بعد مضي فترة لا بأس بها وجيزة/طويلة’ فإنه ينتفض مستجمعاً قواه الحسية’ مؤلباً أدواته النقدية’ مستثيراً ذائقته الفنية’ لينبري راصداً بادئ ذي بدء هيكله البنائي فالجمالي فالفكري ‘من ثم يشرع بقراءته بالأنسب من نماذج القراءات وبالأمكن من مهاراته النقدية ‘ وكل هذا يحدث تقديراً لجهده الذي بذل ‘ من يحمد عليه ويشكر ليس بأقل ولا بمثل هذه القراءة بل بالأكثر والأعظم منها ‘ وهنا نجد الشاعر يستحق كل هذا وأكثر فهو طبقاً لمدلول القصيدة الذي أظهر حزنه البالغ على وطنه الجريح خاصة ‘وأمته العربية المنهكة عامة أظهر كذلك وبجلاء سمو ثوابته الفكرية وقناعاته الشخصية واتجاهاته الأيديولوجية من ثم ووفقاً لهذا يتبين أن الشاعر صاحب مبدأ ‘ليس من شيمه المساومة عليه أو التنازل عنه أو التفريط به مهما عتت الظروف ومهما اشتدت وطأة النوازل..

ثالثاً:- الاحتمالات المتحركة في القصيدة شكلاً ومضموناً:-

ولكي يتحقق نجاح القراءة ينبغي ملاحقة حلقات الأفكار في القصيدة بالتعمق قدر الامكان فيها غرض التنقيب عن دررها ولآلئها من ثم استخراج الأغلى والأنفس منها من ثم تبيان كم هي سامية القدر والمقدار وراقية الحلاوة والطلاوة ولا يتأتى ذلك إلا من خلال مداخل ثلاثة وهي:-

1- المدخل البصري :-

جاءت القصيدة بأنموذجية بارعة البداعة فكانت بها الأرقى حداثية والأسمى تحديثية وحداثة ‘ فيما لو قورنت بغيرها على الأغلب في حاضرنا أو ماضينا القريب ‘ يقول لنا ذلك شكلها الذي تخلّق بديعاً باتساق الألفاظ وأنيقاً بترتيب التفعيلات وتناسق السياقات والتراكيب والجمل ‘ كذلك بعلامات الترقيم من أضفت عليه رونقاً بديعاً وجمالاً آسرا ‘ولا أدل على هذا من غرته “العنوان” فعدا كونه استعارة تصريحية بديعة الإيحاء عميقة الرمزية والخيال كصورة شعرية/فنية خارقة الجمال ‘ فقد جاء صارخاً يحمل بين طياته مايثير التساؤل ويولد الاعتجاب’ مايشي بأن الشاعر يعيش في بيئة منكسرة ومضطربة جداً هذا أولاً أما ثانياً فإننا بالنظر لبناء النص واسلوبية حبكته يمكننا التعرف على ضربه ما يكون من ضروب الشعر أدبيا فمن حيث تجنيسه وفقاً لذلك فهو من “الشعر الحر” ومن حيث المدرسة وفق الدلالات التي تضمنها ورفل بها – من تدل على وطنيته وإنسانيته وهمه الوجداني المتوزع وجعاً والمتشعب شروخاً وندوبا -فيكون تجنيسه من حيث المدرسة منضو تحت سقف “الواقعية”..

 

2:- المدخل اللساني :

عندما يصبح النص موضوعاً تحت رحمة مقاييس نقد المعنى لا تشفع له مقاييس نقد العاطفة البتة ; لذلك فإن الأمر يحتم الاستعداد لتقبل النتيجة أيا كانت سالبة أو موجبة ثم ينبغي التسليم الكامل والتام بها إذ لا يختلف اثنان من أنه كان أميناً وصادقاً في ترجمة ما يختلج في أحشائه من أحزان عظيمة وهموم كبرى ‘ كما لا يختلفان كذلك على أن نصه قوي جداً جداً ‘ فعند عرض النص على مقياس الصحة والخطأ ثم الجدة والابتكار تكون النتيجة كالتالي:-النص سليم اللغة ترتيباً وأسلوباً ومفاهيم ‘ وتكمن جدته في بساطته ووضوح معانيه وقوة شاعريته أما عن اللفظ “تركض” في قوله “وتركض في نعاس مستدير “فالركض وإن وثقه كثير الاستعمال تاريخياً كمعنى للعدو والجري فالآكد والحقيق أنه بمعنى الرفس والضرب على الأرض أو غيرها ، ‘ولربما للشاعر تأويل غير المعنى الصحيح والصريح للفظ ، وربما كان قصده “تربض” ولا يؤثر ذلك قطعاً ببداعة النص كنص فريد ، ولا ببراعته كقصيدة عصماء ;وما من قدح بعبقرية النص أو بصاحبه أبداً بهذا; ثم إنني قد عمدت لطرح ما يبدد خلاف هذا الظن منذ البدء بالقراءة ، وللتأكيد على ذلك فإنه و من خلال قصيدته ككل ، واستخدامه الألفاظ بدءاً من الاستعارات في كالمضارعات “أطرز” تداهن “‘والمجازات كالأمر في قوله “قل لنا يا ملح “.. ;ثم الأسلوبين الخبري والإنشائي من جاءا بارعين حالاً وصفة ، كذلك طريقة صف الجمل والتراكيب يتبين عظم ثراءه المعرفي وضخامة مخزونه الأدبي الناتجين عن سعة اطلاعه على المعارف والثقافات الأخرى’وغاية الشاعر الفذ من خلال نصوصه ليست مؤطرة بأجندات ضيقة وإنما منطلقة أهدافاً و ومضامين شتى ‘ كما هو شأن القصيدة التي بين أيدينا الان ‘ فعدا الادهاش والامتاع فيها نجد خلالها دعوته أقرانه مطالعة الآداب بمختلف مذاهبها وأجناسها ; يبرز ذلك جلياً من خلال التناص الذي جاء به مع جدارية درويش وإن باختلاف لفظ واحد فقط ‘ كذلك مع التناص مع الأدب العامي والشعبي من جاء بديعاً لأمرين اثنين الأول :- الموضع الذي اختير بدقة وعناية فائقتين ليكون هو المكان الأنسب له حسب التسلسل السياقي ..

الثاني ::سابق معرفته أن الأمر لا يتجاوز قواعد الشعر الحر إطلاقاً وهو بهذا يريد أن يقول لنا أن هذا كمال ينبغي للعقل نشده وللنفس التطلع إليه “ولم أر من عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام”..

 

3-المدخل الجمالي:-

إن التفعيلات التي اعتمدها الشاعر هنا- من جاءت وفقاً لما قررته نازك الملائكة وخالفها ربما باعتماده التدوير في القصيدة فقط – لها جرس إيقاعي يخترق الأسماع ليستقر صدى في عمق النفس لنشعر به بين الآن والآخر موسيقى صاخبة’تنذرنا كلما خلدنا للسبات غير عابئين بانتكاسات الماضي وخزات موقظة ‘ وعدم اكتراثنا بتفاقم الواقع انكسارات كخطر داهم..’ ولبيان جمالية القصيدة بشكل أوسع وأعم وأشمل فمن خلال النقاط التالية:-

 

أ- الصورة الشعرية:-

كما ذكرت أنفاً أنه ابتدأ بإعمال الصورة الشعرية من العنوان وهو ما أبدى الجمالية على القصيدة باذخة منذ البدء ‘وخدمها ككل من ناحية الإيحاء والمعنى والشكل والدلالة ;وسأورد في هذه النقطة البعض منها وسأبين قدر الإمكان ما كنه المضمون أكان هماً اجتماعياً أم سياسياً وغيره وهذا ماسيظهر لنا من خلال هذا التبيين الآتي ; فمن الصور الشعرية العبقرية في هذه القصيدة قوله “وأرى قرىً غضبى” “فأسدلت الضباء جفونها” “أسند وحشتي الحدباء” “ماهذا الهروب الرخو” “الطين المرابط في لزوجته” “تفقس بيضة النسيان” “مأهولةً بهديل أسراب الصباح” وغيرها وهي كثيرة جداً في القصيدة “ثم يحق لنا أن نتساءل هل ثمة صورة شعرية مضمونها سياسي بحت أم لا..?! ربما الجواب نجده في هذه الصورة الشعرية المبتكرة “ليشرق في سماء المتعبين الله” وفي الخارقة” تلم شتات فتيتها” “وفي الساخطة المرعبة “هذا البياض لكم وللظلمات والسوط الجحيم” فما توحي به هذه الأخيرة وماترمز إليه الشيء الكثير من السخط العارم على من تصدر للحكم وفرض نفسه كواقع مصيري أسود قامعا بذلك الحقوق والحريات ومنتهكا لكل الأعراف والقيم والمبادئ الانسانية النبيلة والإرادات بمختلف أشكالها هكذا تمسأل دون امتلاكه الحد الأدنى من مقومات المسؤولية ومقتضيات الحكم الرشيد..

 

ب- الانزياح نحو الرمز والخيال:-

براعة استخدام الشاعر في هذه القصيدة للرمز والخيال زادت من جماليتها وأضفت عليها بعداً جماليا آخر و من نوع مختلف جدا

فمن الرموز على التمثيل:-

“دم”

“ضباع التل”

“قرى”

“الظبا”

“ملح”

“الدموع”

“النجمات”

“الشمس”

“القمح”

“الرمان”

“الطوفان”

ثم نلمس كيف يغدو الخيال بارعاً ما إن نستشفه رديف الرموز مستخدما إياه بكل دهاء وعبقرية وهذا دليل قاطع على أن النص تخلق على غير مثال سابق روعة وإدهاشاً…

 

ج:-الموسيقى الشعرية:-

للتفعيلات المختارة بدقة أثرها البالغ والعظيم في الشعر بشكل عام ; وتستجلى هذه الدقة في الاختيار من خلال مقدرة الشاعر تكوين فضاء إيقاعي حر يستطيع من خلاله تمرير مايختلج في أحشاءه من حزن وسخط وأمل وأحباط دون أن يحدث ارباكاً في الوزن أو خللاً في وحداته الايقاعية فلموسيقى القصيدة تأثيرها العظيم على النفس المرهفة والروح التواقة وحصول الارباك فيها يولد النشاز ومن ثم النفور منها ‘ الأمر الذي لم يقع الشاعر في شركه اطلاقاً ‘ ما جعل نصه غاية في الأمتاع ودهشةً في الصناعة والابداع…

 

رابعا: المبحث التحليلي البرجماتي:-

من المعلوم أن السلوك هو من يحدد قيمة الإنسان فإذا كان سلبياً كانت قيمته أنه لا يعد أكثر من مجرد كتلة لحمية تتميز بالحركة عن الجمادات فقط وإذا كان إيجابياً كان به جمال الوجود قلباً وقالباً ما سكن وما تحرك عامراً بالرخاء وحاضراً بالخيرية ‘ ومن هذا المنطلق كان لهذا المبحث ثلاث نقاط يدرك من خلالها سمو السلوك الإنساني من عدمه كذلك إبراز ضعته وهوانه إذا تحتم الأمر وسوف نعتمد هذه النقاط في تشريح هذا النص غرض إبانة واستكناه كل ذلك ..:-

 

أ- المدخل السلوكي :

من خلال اللغة المستخدمة في القصيدة يتبين القدر الكبير من الغضب والاستهجان والتهكم حصل كردة فعل طبيعية على المظاهر الحادثة السلبية في محيط الشاعر المجتمعي بشكل خاص والاقليمي والعالمي بشكل عام بالتالي حدوث امتعاضه وعدم رضاه للحاصل الغائل’من يراه غير متوائم ومتجانس مع طبيعته الانسانية المحبة للحياة والشغوفة بزمكانية يسودها الأمن ويعمها الرخاء ‘ بالتالي يمكننا القول بأن الشاعر في النص يترنح ألماً ويتمايل وجعا لحؤول الداعيين بالموت تحقق الحياة واقعاً بهيجاً كما يشتهيه ; إذن فالشاعر يمر بحالة وجدانية يملأها السخط و ويؤرقها الطفش على كل ما هو حادث وواقع..

 

 

ب: المدخل الاستنباطي :

وفقاً لمحددات هذا المدخل فإنني سأحاول في البداية تقمص شخصية الشاعر لأتمكن من استكناه ماكان يفكر به أثناء كتابته للقصيدة من ثم سبر أغواره العميقة نهاية المطاف ‘ فأقول إن الشاعر قبل شروعه في كتابة هذا المنتوج الادبي الرائع حدق تحديقاً تأملياً عميقاً كان بمثابة جولة استطلاعية خاطفة على واقع وطنه فاستشعر بشكل غير اعتيادي فضاعة ما يحدث فيه من قتل وتهجير وتدمير وتنكيل وأمور أخرى لا يستحقها كبلد عتيق الحضارة له تاريخ ينض عراقة وأصالة وعلى إقليم يؤججه صراعات ويذكيه نزاعاًت وتفرقة ‘وكل هذا على علمه هذا الأخير أن كل هذا وذاك ليس من صالحه بالأساس بتاتاً وفي الوقت نفسه يتمنى هذا الكأئن المرهف الحس أن يعمد العالم كله ولو لساعة من نهار لتفهّمه ‘والوقوف عند مستوى فهمه لكل ما يحدث من خراب وتمزيق لكن دون جدوى فيقذف بهذا النص ليكون بمثابة تنفيس عن ضجر معربدداخله ‘ ولولم يصنع ذلك لقتله ;و المبتغى الذي اردنا الوصول إليه في هذه الجزئية هو النبل الانساني العظيم الذي تحويه جنبات صاحب هذا النص..

 

ج- المدخل العقلاني:-

بمقدور الناقد أن يستشف بهذا المدخل تجربة الشاعر المكتسبة وإظهار مدى قابليته الاندماج مع نتاجات نظرائه أدبياً وفكرياً وثقافياً وعندما رأيت التناص هنا تذكرت أنه ذات يوم أهداني ديواناً من دوواينه الجميلة ديوان “التوق إلى شجر البعيد” وآخر “قطرة في مخيلة البحر” من اطلعت عليهما بشكل مكثف فتكونت لدي فكرة عامة عنه كشاعر حداثي ثحديثي أصيل له تكنيكه الخاص وأسلوبه الفريد في كتابة الشعر ثم إنني استطيع تلخيصها بالتالي :-الشاعر ملم بشكل كبير بالثقافات الأخرى العربية منها والغربية على حد سواء ; يقرأ ويقرأ حتى اختمار الفكرة في مخياله فينتج تحفة أدبية مبهرة كان ذلك بالعمود أم بالمنطلق…

 

خامساً:- التحليل الرقمي الذرائعي الساند:

من المعلوم أن هذه الخطوة تكون الآخيرة غالباً وكما هو معهود لدى النقاد في هكذا قراءة لكنني كنت أفضل احتلالها الصدارة دون سواها لأمور شتى ابرزها انجذاب المتلقي بعدها مباشرة للاستمرار في القراءة حتى النهاية والسبب الذي سيحتم عليه ذلك هو السبب ذاته من ولد قناعتي باختيار هذه القصيدة للقراءة والمتمثل بالدقة المتناهية التي اعتمدها الشاعر في اخراج نصه بكل ادراكية وحضور مايؤكد ان الدلالات لم تأت جزافاً ولا اعتباطاً فهيا معي إذا لحساب الدلالات السلبية والإيجابية في القصيدة غرض تأكيد ماذهبنا إليه بتأكيد النتيجة والنتيجة وحدها وبحسب السياق لا بشيء عداه..

أ:-الدلالات الموجبة في النص :

1:- صحواً

2:- همة

3:- القمح

4:- الرمان

5:- ترفل

6:- تيقظ

7:- النجوم

8:- الفجر

9:- يشرق

10:- الله

11:- تلم

12:- كتاب

13:- ملك يمينكم

14:- ذرى الاتي

15:- البياض

16:- هديل

17:- الصباح

18:- اغنية

19:- جهة اليقين

20:- الربيع

21:- الورد

22:- العبير

23:- الضحى

24:- ابتسمي

 

ب:- الدلالات السالبة :

1:- تنام

2:- الموات

3:- برزخها

4:- نعاس

5:- غضبى

6:- الجاثي

7:- بدم

8:- ضباع

9:- أسدلت

10:- توسد

11:- العزاء

12:- الدموع

13:- لامدن

14:- لااسماء

15:- ستخلع

16:- عريها

17:- المرتاب

18:-العطشى

19:- تغرب

20:- من..?

21:- السعال

23:- النائي

24:- وحشتي

25:- الحدباء

26:- تصرخ

27:- المرتد

28:- الهروب

29:- سقوطه

30:- أينسى

31: – دوارٌ

32:- يستفز

33- يؤنسني

ومن خلال هذه الدلالات وما يبين لنا من ضحالة الموجبة منها أمام السالبة ووفقاً لهذه النسبة نقول أن النص متشائم جداً ويعكس حالة الشاعر الوجدانية المتشظية ألماً وحسرة ومايعتصرها من الهموم والغموم بالتالي فإن الشاعر بهذه القصيدة يدعو لنفض غبار الارتهان والغفلة وامتطاء صهوة العزة واليقظة ‘ من ثم الانطلاق صوب الأتي كما نشاء نحن ونريد لا كما يشاء واقعنا المنكسر المريض…

 

-الخاتمة :

إن لكل نتاج أدبي فريد أكان شعراً أم نثراً أم قصة وغيره -تأثيره في النفس العارفة ‘ يتباين وفقاً لقوته من عدمها ‘ إن سلباً أويجاباً ‘ فإذا ماز بالقوة والرصانة والجزالة وظهر عن حقيقة لا يغفل الواقع ملامسة ‘ولا الماضي استجراراً ‘ ولا الآتي القريب /البعيد استشرافاً ‘يكون قد فرض خلوده في ذاكرة الأدب فرضاً ونقش رسمه على تلافيفها أسطورة معرفية ‘يرفل التاريخ بالكثيرين من هذا القبيل من لدن أدم وحتى يوم الناس هذا ‘من يجهل العباقرة الملحمين صاحب الألياذة ;صاحب الأوديسة ;صاحب الجدارية ; وهلم جرة ربما النادر والنادر لا حكم له..وباعتقادي فقد كان هذا النص من هذا القرين وهذه الشاكلة ‘ كل حرف فيه حس شاعر وخفق ناثر وطرف راو..وأتمنى عليه التماس العذر لعدم إيفاء نصه من الحق الذي يستحق سوى القليل وعلى الله توفيقه والسداد..

 

تمت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: