غُربة الروح

(1)
” المُزينة “

ناولهُ جواز سفره بعد أن وضع عليه ختم الخروج النهائي
لثلاث سنوات مضت من الاغتراب بعيداً عن مسقطِ رأسه …

تبسم هو في وجه موظف المنفذ الحدودي قائلاً له شكراً لك يا سيدي على حُسن آل ……

صمت ولم يكمل ” العِبارة ” فقد سئم المجاملات المملة وشعرَ بأنه لم يكن هناك ثمة شيء يستحق الشكر والتقدير ….

لم يعره موظف الجوازات أدنى اهتمام ولم يبادله بدوره حتى الابتسام ….

كان هو قد تعود على فضاضة تعاملهم ، وقساوة حديثهم معه طيلة مكوثه في الغربة ….

لوح بكلتا يديه مودعاً البقية من زملائهِ العالقين في زحمة الانتظار على خط السير ..

لم يبقَ بينه وبين الوطن غير ذلك الممر الصغير ، بعد ذلك ربما ستنطفئ أعاصير أشواقه ولوعة أحاسيسه الجياشة …

كله لهفة وشوق لمنظر تلك الأرض وريحتها العطرة كان شوقه إليها يشبه إعصار يضرب حنايا روحه وأصقاع فواده ….

لحظات وسترفع له السواتر الحديدية أذنة له بالعبور بعد أن سُجلت بيانات سيارته ..

شهق شهقة مسموعة وصرخ بأعلى صوته ها أنا ذا في الوطن …….

كانت السماء غير السماء والهواء غير الهواء وقمم الجبال التي تبدو بعيدة المنال تدل على شموخ هذا الوطن الجبار ……

وفجأة يقطع لحظات شرودهِ اتصال ، ليأتي صوت مليء بالحب والدفء معاً أين أنت الآن يا حبيبي ؟

قال بصوت متشهنج يشبه بكاء طفل رضيع جائع يلتقمُ ضرع أمه بعد فترة غياب ، الآن لتو ولجتُ أرض الوطن …

كانت عجلات السيارة تلتهمُ الأرضَ نهماً كما تلتهمُ روحه مسافات الطريق هي أيضاً …

لن يعود مرة أخرى للغربة ، فقد سئم كل شيء فيها …
ثلاث سنوات قضاها في الغربة لغرض العمل ، كأنها كانت عليه أربعون يوسف مضت ، بعيداً عن زوجته وطفله الوحيد وأمه المسكينة وثُلة من الأهل و الأصدقاء الذين تجمعهُ بهم أجمل الذكريات …….

قال متمتماً لنفسه لابأس فقد جمعتُ مالاً يكفي بأن أفتح لي ثمة مشروعا صغيرا ، يكون مصدر دخل لي ولأسرتي الصغيرة لأعيش بعدها حياة كريمة بقرب أهلي وفي مسقط رأسي …..

كانت الأسئلة تحوم في رأسه كخلية نحل مليئة بالعسل في شهر آب ..

كيف سيقابل أمه المسكينة بعد ثلاث سنوات عجاف من الغياب ؟ كيف ستكون أول ليلة مع شريكة حياته التي تركها منذ عامها الأول من الزواج ؟!

كانت هي قد تهيأت له كما تهيأت ليوسف امرأة العزيز .

وصوت طفله الصغير مازال يداعب أذنيه و لم يبارح مخيلته (بابه بابه ) أريد لعبة جميلة ……

كيف ستقام له أول حفلة ؟ وستقابله أول لحظة ؟ وتطبع على خده أول قُبلة ؟ كيف سينفجر باكياً عند قبر أبيه ؟ ويقول له ها أنا ذا يا أبي عند حسن ظنك بي وعند وعدي لك بأن أكون كما أردتَني مواطناً صالحاً لأهلي ولوطني ..

كيف ستكون الشهقة الأولى والضمة الأولى والليلة الأولى مع حبيبة القلب وشريكة الروح ؟؟ ؟

الأفكار تحتشدُ في مخيلته وبريق الفرح يشبه قوس قزح في عينيه …

تقطع كل ذلك صوت رصاصة غادرة و باغتة جاءتُه من الأمام لتثقب مقدمة السيارة وتستقر في صدره …

توقفت السيارة أمام وابل من الرصاص الحي وأظلمت السماء فجأة!

وصرخة كادت أن تصعد من جوفه منعتها رصاصة ثانية وثالثة ورابعة …

انحرفت سيارته عن الطريق وتوقفت ، وسال دمه كأضحية عيد ذبحت بسكين صدئة …

قال أحد أفراد عصابة قُطاع الطرق لصاحبه الملثم هل تأكدت من مقتله ؟

هز الآخر رأسه بعد أن سحبه من مقعد القيادة ورماه على الأرض قائلاً : مازال ابن العاهرة يصارع الموت …

كانت أنفاسه الأخيرة تكابد خروج الروح ودمه المُسال على الأرض يرسم ما يشبه خارطة الوطن .. .

وكانت غربة الروح الأخيرة تعلن نهاية قوس قزح وتبدد حلم وطن ضاع ….

رفع سبابته نحو السماء وشهق شهقة أخيرة ، وهمس بكلمات متقطعة …

أشهد بأن هذا هو الوطن!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: