عند الرابعة والغبش …

 

لا أدري ما الذي قال للنوم اذهب فذهب … لأجدني وحيدا بدونه  إلا من ثمة رذاذ من ضوء قادم من وراء ستار …قد يكون آخر معالم العرس الذي أزعج الأطفال ليلا …
غريب هنا إنه حتى الفرح لابد أن يزعج طفل يحاول أن ينام …
ثمة ضوء هناك حميم من تحت الباب يشي بالوقت ، بينما ضوء يفوح في أرجاء الحجرة يتلمس خطاه قادم بهدوء من نافذة المطبخ …هناك تهنئة بعيد الأم من وراق زوجة حسام كتبت بخط الجهاز ، تتضح التهنئة شيئا فشيئا عن كلام جميل يجمل الغبش …
اطلتْ روحي من النافذة كانت جحافل عسس الليل تحاول جاهدة البقاء ، لكن بدى بذرات الغيث إن الفجر يحل رغما عن الرغبة الجامحة …
لا أدري لم وكيف امتدت يدي إلى الآيباد ربما محاولة للخروج إلى العالم عبر النت وإن كان وضعه هذه الأيام يصب في خانة الرداءة !!! فيلعن حتى نهايات المدى ..
قلتُ صباح الأنوار صديقتي الشاعرة والأديبة هناك في البعيد على ضفاف المتوسط وتونس الخضراء تحديدا ، استغربت : ما الذي صحاك الان ؟. قلت ربما هو الهدوء الذي يلف الكون في هذه اللحظة بعد وجع و مطر الأمس ، ورحت أحكي لها : في سنوات مضت كنت أهب إلى حضن غبش الفجر إذا هطل المزن مساء ، فأركب راحلتي واتجه إلى صنعاء داخل السور وإلى ” مقهاية البنوس ” في الأبهر ، وأظل هناك أرتوي من صنعاء ومن الشعاع المنسكب من على كتفي غيمان ، وأشنف سمعي ب : صبحكم الله بالخير ، وكيف “انتوا” …أظل صامتا وعينيَّ تلتقطان فرحة رسمت على الوجوه ناتج ليلة خميس مبهجة تقول العيون ذلك …
لاحظت أن النقطة الخضراء أمام اسم الزميلة اخلاص القرشي بادية من لندن ، فالقيت عليها تحية الفجر: صباح الخير ، كم يفرح الإنسان ان تتذكره …كم نحن في أعماقنا طيبون وتجعلنا الكلمة الطيبة ندمع فورا …
إلى القاهرة انتقلت ، وأنا أردد آيات الشكر والعرفان لكل من جاء بوسائل التواصل تضع العالم بين يديك في لمح البصر ، إلى أمريكا ذهبت ، عدت إلى موسكو ، مريت على بكين ، وعرجت على برلين ، وقفزت إلى بودابست ، وعدت سريعا إلى بيت بوس …كانت هثالل المطر ترسل نفسها تستكب هاطلة بحنو على صفحة الزجاج ، وانا قلبي نقطة نقطة نبضة نبضه تتكتك مع صوت منقار أسود استيقظ يبحث عن رزقه هناك على أعلى نقطة من “البلسة” !!! ، كنت بالأمس قد قلت للأولاد لا تصعدوا إلى الأعلى ، ماهناك رزق للطي ذي المرعف الأسود الذي يزورني كل عام مثل هذه الأيام ولا أدري أين يغترب بقية أيام العام!! ، صاحب الجسد الرمادي والجميل ، وأصدقائه وأهله وخلانه …
ثمة صوت يأتي من القريب القريب ،أدري أن القطة السوداء تدافع عن أولادها في الحفرة ، فابتسم فكل خلق لما هوله ، والأمومة تظل الحامي الأكبر للصغار …
صوت من الشارع التالي لكلب عابر يتماهى مع صوت شاحنة ترسل صوت المنبه يذكرني (( ببوابير العنترناش )) في مساءات تعز الحميمة في الستينات ، تلك الصاعدة من بحر عدن …
عند الخامسة إلا مطر شنف سمعي صوت جميل وقور ينادي الناس للذهاب إلى الصلاة (( الله أكبر )) فتهفو روحي إلى صوت عبد الباسط ، فأصلي وأعود إليه وأتذكر بحميمية لا تدانيها سوى تحية حميمة تخترق كل الحواس (( صباح الجمال …. صباحي أنت ولا شيء غيرك …)) .. تحية تلهمك كل شلالات الالهام فتتحول إلى قلم يتدفق هنا أحرف وكلمات عبارة عن عصافير تغني للكون أغنية الغبش وشهقة الفجر، تدندن بجماله ، وملكوت لا يملك إلا أن يقف احتراما ، تقديرا ، قل ادراكا أن الحرف عندما يتدفق من شفاه هي كل حبات الكرز في هذا الكون ، يكون نهارك سعيدا بالتأكيد …تحس إنك ـ والأمر كذلك ـ جملة من ياسمين ، إنك ستنتصر على الاحباط وكل جيرانه من قلق وهموم وسؤال عن مجهول لمْ يأتِ بعد…
ترقص الكلمات بين يديك رقصة فلامنكو اسبانية تتمايل كغصن يحركه ثمة ريح ، ثمة موسيقى ، ثمة ابتسامة رضية تهب عليك نُسيمات من حديث ذلك العصفور الذي ظل ينقر حبة بلس ، تكتشف أن النقرات المتوالية عبارة عن دعوة للأنثى الغانجة المدللة قريبا لعلها فقط ترضى والرضى اسمها الأجمل …
وردت إلى خاطري عبارة حميمة ترهقني عندما أرددها (( على نافذتها توقف عصفور صغير لمحها نائمة على سريرها فنسي كيف يطير (( ….
في غبش التحية الأجمل سهولا وأودية وفجر مبلل بالندى والغيم وحفيف الشُجيرات يتسلل إلى روحك …لا تملك سوى أن تردد:
لله الأمر من قبل ومن بعد .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: