في الذكرى الأولى لرحيله .. هشام علي.. الذي لا يجيد الغياب!!

(20)
ثقافة “المأمأة”..!!
1
هو رغم الغياب.. رغم الرحيل.. رغم اعتزال الظهور.. والاطلالة المعتادة له.
هو مع ذلك لا يحسن الغياب.. لا يجيد مواصلة الرحيل،

 وليس له صداقة مع شيء من هذا القبيل.
إنه يسّدد سهام أهدافه وحضوره في مرمى الحياة..
يجيد مراوغة النسيان، ومخاتلة الغياب..
إنه الماهر الرائع في مقارعة الصمت، والرشيق المبهر في الإطلالة البهية وليّ أعناق الناظرة نحوه.. ونحو بقعته المضيئة في قلب مشهد الحياة.. والمشهد الثقافي الإبداعي الإنساني، الشاسع الواسع.

هشام علي.. لا يحسن الغياب..
إنه يحسن الحياة.. والعطاء والانهمار والتفتق كشجرة مثمرة، وغيمة ماطرة..
إنه يجيد مباغتة النسيان بالحضور المباغت، والشروق من خلال إرثه الثقافي المميز.. من خلال ما تركه من ثروة وبساتين معرفية.. من خلال كتبه وكتاباته واصداراته الثقافية في الفكر والإبداع والنقد والتنوير..!!
2
هشام علي ..الموسوعة المعرفية الناطقة والمتنقلة، عبقرية ثقافية شامخة في اليمن إلى جوار عبقرية البردوني العظيمة..!
هذا الرجل.. الأليف والألوف، الودود والمترع بالجمال والمعرفة والروعة والذاكرة الخصبة بكل دهشة.. استثناء في زمن القبح والأدعياء.. إنه من فصيلة ثقافية نادرة في زمن الفصائل الثقافية المشوهة والمريضة والطاردة للحياة والجمال والمعرفة ..
إنه ينتمي إلى سلالة الحب والنقاء والبساطة في الحياة ولم يحاول أبدا أن ينتمي إلى أولئك الذين يبيعون المبادئ والقيم لكل حذاء سلطة عابرة..
إنه المثقف، المؤسسة.. المثقف الموسوعة .. المثقف النهر.. المثقف الربيع الذي لا خريف بعده..
أنه المثقف المبدع، المفكر الناقد الأديب الأريب هاشم علي بن علي أحد حملة وصناع التنوير في هذا الوطن الذي يشكو من ندرة أمثاله ويعاني في نفس الوقت من تلك العقول الصدئة التي أكل عليها الدهر وشرب وتقيأ.. تلك العقول التي أقفرت من كل مضيء وصارت زوايا ودهاليز معتمة لبضاعة تعاني من فقر فكر ومعرفة وحياة..!!
هذا الرجل المسكون بالمعرفة وبقلق المعرفة.. هو وحده أمة من علم وثقافة وتاريخ وفكر وتنوير وخبير استراتيجي في مجاله وأخلاق نبيلة.. مثقف ومبدع وناقد ومفكر عظيم وباذخ وأصيل ونادر في زمن تكاثر فيه البلهاء والعقماء والأدعياء والمزيفون والنصابون والمحتالون والرعاع في مجال الفكر والثقافة والإبداع والتنوير.
كان أمة وشعوبا من علم وثقافة وفكر..
لم يكن معه إلا ذاته المزدحمة بالمحبة والمحبة والمعرفة فقط!!
لم يكن معه إلا إياه..
لا شلة تروج له.. وتسوقه وتقدمه إلى الآخرين ولا زمرة تصفق له في كل منبر ومحفل وتباهي به وبمالديه ولا سلطة تفرضه على عقول ووجدان الآخرين كواجب مدرسي يبعث على الضجر أو كوجبة غذائية سيئة الطبخ لا تستسيغها المعدة.. فما بالك بالعقل كان هو وحده مع وحده..
ولم يقدمه إلى الآخرين سوى فكره الأصيل وإبداعه العظيم ورؤاه العميقة وأخلاقه الرفيعة.
3
هذا الرجل الذي لم ينج من حبه أحد..
هذا الرجل الذي لم يسلم من أريج طيبته أحد..
هذا الرجل الذي أثخن الجميع برشقات قُبلة وورود وده الإنساني..
هذا الرجل الذي جعل الجميع في ورطة كبيرة.. ورطة البحث عن شبيه .. له .. ولا شبيه..!!
سامحه الله.. ورحمه..
لقد أصابنا بحبه.. وتركنا نشتاق إليه، وهو معنا.!!
4
شجاع الطرح والرأي والنقد والتناول والنقاش والقول والكتابة.. لا يماري ولا يخاف ولا يداهن ولا يواري ولا يتقنع ولا يرمز ولا يلمح ولا يلجأ إلى التخندق خلف أبواب المجاز والكناية والاستعارة والإحالة إلى الأسماء والمعاني والدلالات الغامضة والعابرة والمتجلببة بالتأويل المخاتل والمراوغ.!!
يقول ما يعتقده ويراه ويؤمن به ويقتنع به دونما خوف من سلطة أو جماعات أو جهات، لها سلطة ونفوذ وقوة ورهبة وطغيان ..
يطرح ويقول ما لديه بثقة كبيرة وبإيمان عميق وباعتقاد لا يزحزح وبتمسك ثابت لا ينهد أو ينزاح عما أراده قيد أنملة..!!
يُلقي بكلمته وبرأيه الواضح القاطع ويمضي إلى سبيله غير آبه بخوف أو وعيد أو تهديد أو عقاب أو غضب سلطوي أو قبلي أو عداء وحقد وخصومة رعناء من أولئك الذين لا يطيقون الحقيقة ولا يريدون المكاشفة الصريحة ولا يؤمنون بالآخر وبما لديه من آراء وأفكار وقناعات تصطدم بهم وبهالات زيفهم وغرورهم وسرابهم وجدبهم الثقافي والمعرفي وقحطهم الواضح للعيان.
والمدهش أن هذا الـ”هشام” المضيء يقول كل ما يراه ويعتقده بقلب محب ونابض بالجمال والحقيقة والضوء وبوجه باسم ومشرق بالتسامح والطيبة وبملامح يرسمها النُبل والأخلاق العالية.
ويمضي إلى طريق جديد يقوده إلى جديد المعرفة والأجابة عن أسئلة جديدة.. وآفاق جديدة لم يُطرق بابها بعد..!!
5
أيها المضرج بضوء الوعي من الوريد إلى الوريد.
أما كان في وسعك أن تشعل للمرة الأخيرة قنديلاً جديداً في دروب الجهل المتناسلة كالفجيعة.. وتهمس في أذن الوطن بأن صباحه سيشرق عما قريب وأنه لا بد للوعي أن ينشر حضوره ويعلن عن ربيعه الدائم وأن ضوء المعرفة سيكتسح أعتى قلاع الجهل والخرافة والظلام.
أية مُزحة حادة هذه..
لم يعد لدينا مدخرات من الفرح والبهجة والانتشاء كي نطلقها في وجه الكآبة والقتامة، الأيام الكالحة السواد سلبتنا كل مدخراتنا من الفرح والأمل.
أيها المثقل بالنُبل والروعة..
نحن ننتظرك في هذه الظهيرة لنرتشف أكواب الشاي.. لا تتأخر .. نحن ننتظرك في مقهى مدهش المعتاد.
ولتدفع الحساب نيابة عنا كما هي عادتك الجميلة أيها النبيل والجميل والرائع..!
*تصوير :حامد فؤاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: