نحنُ لسنا عبيدًا لهذا التراب المُخادِع 

 

ما سنفعلُهُ بعد عامين من جُوعنا
لن يكون مفاجأةً للوجود ولا نزوةً عابرةْ

 

(11)
أَبشَعُ مِنْ نَجوَى الشَّيَاطِين
سيكون بسيطًا ومستهلكًا كالضحايا القديمةِ
أوَّلُهُ في ابتكار الحياة وآخرُهُ في بديهيَّةِ الآخرةْ

أخي مات في الحرب، وامرأتي نزحتْ من ضلوعي
لأني وقفت على غصن زيتونةٍ مالحٍ؛ فانكسرتُ
ودحرجتُ قلبي ورأسي إلى غابةٍ مالحةْ
ولم أدر أنَّ ذراع المكان سيغدو ثقيلاً
وأنَّ أصابع روحي ستفقأ عينيَّ؛
كي أخسر الصورة الواضحةْ..

لا مكان على هذه الأرض يحرسني من حنيني
ويحجبُ عنِّي زحام اغترابي، وفوضى الدُّجى؛
فملوكُ العذابات يحتكرون مسامات حزني،
ولا يأبهُ المهرجانُ كثيرًا بحُمَّايَ كونيَّةً،
يسقطُ الفجرُ من رأسها مثل جرَّةِ ماءٍ
أو الريحُ تجلسُ كالطفل في حضنها
سأقول لآثارِها: مِن متى وأنا كهلُها!
من متى وأنا يتراكمُ فيها سُعالي.

أكحُّ ليكبُرَ حجمُ السُّؤال.. حناجرُنا كالليالي.. :
ما سنفعلُهُ بعد عامين من جُوعنا..حالةٌ مُؤسفةْ
والأناشيدُ محفوفةٌ بالحنين إلى الماء والأرغفةْ.

أصدقائي بأوطانهم وانكساراتهم مثقلُونَ
على شجر الهول يختصرون البكاء بقافيةٍ
شاهدين على بلدٍ بائسٍ لا يليقُ بأحلامهم
شاهدين على الوحشِ يركضُ خلف الضحى
شاهدين على كل مقبرةٍ تحتفي بالضحايا
ولا تتحلَّى بحُسنِ السُّلوك؛ فأكثرُ سُكَّانها
كان يلزمهم أن يعيشوا مزيدًا من العمر
أن يكملوا في الحياة دراستهم كلها
أو بأن يكملوا الثانويَّةَ فعلاً
وهذا أقلُّ القليلْ.

المنايا كعادتها لا تفكرُ قبل تواجُدِها بالخسارةْ
والكثيرون من نسلها يقفون على نصلها كالعبيد
يخوضُون كلَّ مغامرةٍ؛ كي ينالوا مهالكهم بجدارةْ

فرَّطَ اليمنيُّ بحكمتهِ الُأمِّ
فاختلفت حالةُ المهرجان
فصار الذهابُ إلى الـحـرب
مثل الذهاب إلى المدرسةْ

قال ذئبٌ: سأكذبُ من أجل عينيِّ رُوما الجمال؛
لتنتصرَ القِبلتان على القبلتين وتَسْلَمَ منَّا أثينا
فقلت: كفرتَ بصبر البلاد الرخيصةِ في الجوع.
لا بُدَّ أن يكفُرَ الشاعرُ المتمكِّنُ بالحالةِ المُؤلمةْ
وبالحرب في أوَّلِ الذُّعر مُنقذةً للبريَّةِ أو مُجرمةْ
صِغاري يموتون في كلِّ أمنيةٍ كالبنفسج باسمي،
يموتون في نكهةِ الحنطةِ الجبليَّةِ موتَ الندى،
كُلُّهم مات موتًا غريبًا وصلَّى صلاةَ الجنازةِ وحدهْ
وقال لمنضُومة الرِّيح: كُونِي معي قامةً كالخيال
ولا تخسري الماءَ؛ كي يربحوا الفكرةَ المُستبِدَّةْ.

آن للواقفين على طللِ العُشب أن يجلسوا
على الرملِ مثل حُفاةِ المنازل/ أسلافِهم
أو على صخرةٍ كرُعاة الصدى والذهول،
وآن لهم أن يقصُّوا على الغيم أنباءهم،
ربما يهطلُ الماءُ والأُفُقُ الآن يضحكُ،
يضحكُ من شجنِ العاطفيِّ المُهاجر:
كيف يميلُ ويخرجُ عن قلبه فجأةً!،
ربما يهطلُ الماءُ، والأُفُقُ الآن يضحكُ
يضحكُ لا عجبًا في التراب ولا عبثًا،
وسيضحكُ، لكنْ، بعيدًا عن السُّخرِيَةْ.

بعد عامين أو بعد عشر دقائقَ من جُوعنا
ما سنفعلُهُ: ليس أكثر من أيِّ شيءٍ مضى
لا عليكم.. أُموِّهُ عن ما نُخطِّطُ لهْ
أو أُشيرُ إلى قمَّةِ المهزلةْ..

للخروج عن الصمت عينا مجازٍ، وجمجمةٌ من لهبْ
ترتدي لغةً وخريطةَ نفسيةٍ لا تمرُّ عليها الخُطبْ
لا تناسبها رحلةُ الزَّيفِ بسم القُرى والعواصمْ
من وراءِ السِّتارِ ومن سلَّةِ المهملاتِ إلى عرش حاكمْ

خلف ناصيةِ الانتحاريِّ ما لا يراه الرَّصاصُ
وما لا يصدِّقُهُ مِخلبُ البعث في واجهات الثرى؛
فخُذيني على فكرتي ياحياةَ الحياةِ صدىً مُذعرا..

يستطيعون أن يقطعوا عُنُقِيْ الآن أو عُنُقَكْ،
إنَّما يعجزون عن السَّير في صفِّ أيلول،
لا يستطيعون أن يقطعوا بالضلالةِ
مُنطلقِيْ -في اليقين- ومُنطلقَكْ..

إيهْ.. ما زلتُ أكتبُ: يبتلعُ الحوتُ من في السفينةِ
لكنني رغم أنف الردى سوف أنجو وتنجو معي،
فاطعنِ الحُوتَ في عينهِ بالأناشيدِ -مِثليْ- بقُوَّةْ
وابتكرْ موجةً للتسابيح.. كُنْ سُبحةً للفتوَّةْ

نحنُ لسنا عبيدًا لهذا التراب المُخادع -فعلاً-
وإن صاح في وجهنا شاهرًا سيفَهُ دون رحمَةْ
فلْيُطِلْ في بني آدمٍ جورَهُ كيف شاء وظُلمَهْ،
سيمُرُّ الزمانُ الرديءُ، ويأتي الزمانُ الجميلُ،
وكُلٌّ سيأخذُ من خصمهِ حقَّهُ دُون تكلُفَةٍ
هكذا هكذا كُلُّ مَنْ سوف يعرفُ خَصْمَهْ..

مُجرَّد وقتٍ وينكسرُ الظالمُ
مُجرَّد وقتٍ وينتصرُ العالَمُ

والسلامْ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: