الحرية بين المفهوم والمعلوم

 

الحرية بين المفهوم والمعلوم
ـ عثمان المسوري

 

(22)
جزرٌ في سراب 

لا يوجد تعريف شامل للحرية ، فكل محاولة تعتمد على فضاء وخلفية المعرِّف لها ، وفهمه وبيئته وحاجاته لها ولمقتضاها.
فمثلا الحرية للأسير الفدى ، وللعبد العتق ، أما في بلادنا اليمن فالحرية بالنسبة للمرأة أن تحصل على الإذن المفتوح لتخرج إلى السوق متى ما تريد ، وتشتري وتلبس ما تريد ، أن تتعلم ، أن تحصل على ميراثها ، وتتصرف بمالها كما تريد ، أن تتحدث عن مشاعرها بصدق دون خوف.
وللرجل أن يطلق منطوق لسانه من مضمون فكره بشفافية ، أن يقول رأيه السياسي ، أو موقفه القبلي ، أن ينتقد ، أن يمارس ما يشاء من الأعمال لتحقيق مصالحه دون أن تُمارس عليه أي سلطة ، كسلطة الأكبر منه ، أو سلطة العيب مثلا.
وكل التعاريف للحرية تدور حول معنى واحد وهو إطلاق قدرات الإنسان الفكرية والمعرفية والعلمية واللغوية للتعبير عن ذاته وتحقيق مصالحه..
والواضح عندما يسمع الشخص البدائي
كلمة حرية بجرسها الجديد الوافد من الغرب يتبادر إلى ذهنه حاجات سيئة وغير لائقة ، كخلع الحجاب ، والإنحلال الإخلاقي ، والإلحاد ، والمراقص وما إلى ذلك من الإنطباعات المكرسة من قبل ما ينقل إلينا حكامنا وإعلامنا عن ثقافة الغرب من زواية واحدة ، ومايكرسه الخطاب الديني المتشدد ، والغير مدرك لمعنى كلمة حرية ونتائج غيابها وحضورها في المجتمع العربي ، وكذلك ما أورثه الإستعمار الغربي ورسمه في عقولنا من صور مشوهة للحرية الحقيقية ، أو الحرية المتاحة في بلادهم على الأقل ، فقد قاموا باحتلال بلادنا ، ونهب ثرواتنا ، وطمس هويتنا ، وتدمير نسيجنا الإجتماعي ، وضرب يقين معتقداتنا تحت عنوان نشر الحرية والديمقراطية ، فنفر منها العقل البسيط للمواطن العربي ، بينما الحرية مطلب للجميع نخبةً وعامةً ، لأن أصلها ومهدها ومناخها الحقيقي هي الجزيرة العربية ، فقد كانت تمارس كل الأمور السياسية ، والإجتماعية ، والثقافية ، من أعلى هرم السلطة إلى قواعدها الشعبية ، بطريقة حرة وديمقراطية.
فلو تأملنا في تأريخ جنوب الجزيرة العربية ، وفي عهد بلقيس بالتحديد ، ووصف القرآن الكريم لحالةٍ ديمقراطية ساميةٍ ، وحوارٍ سياسيٍ راقٍ ، حيث تمثل بوضع الرأي للشعب ثم اتخاذ القرار المناسب ، بلإضافة إلى ذلك ما كان سائدا قبل الإسلام في قريش ، فقد كان مجتمع قريش وما شاكله من المجتمعات العربية يتصف بصفات نبيلة، وإنسانية بحتة ، كمكارم الإخلاق وإكرام الضيف ، والوفاء بالعهود ، ونصرة المظلوم ، وإجارة الغريب ، وما شابه ذلك..
فلا تترسخ هذه التصرفات والمواقف إلا من ذاتٍ حرة ، ولا تتفتق الذات الحرة إلا في البيئة الحرة ،
فقريش ما كان لها نظاما سياسيا يقمع ، أو حاكما مطلقا ، أو نظاما ماليا يقهر الجميع ، فالسلطة توزع بين القبائل البارزة ، كالسفارة ، والسقاية ، وإطعام الحجيج ، ومفاتيح الكعبة ، وقيادة المعارك..
والقرار السياسي كان يتخذ من دار الندوة بالإجماع ، وتحل خلافات المجتمع بالإجماع مثل وضع الحجر الأسود وحصار الرسول “ص” كان قرار جمعي ، ومؤامرة قتله “ص” كان من قبل رؤوس القبائل.
إذا الحرية والديمقراطية كانت موجودة قبل الإسلام ، وتمارس فعليا على أرض الواقع ، فجاء الإسلام وأقرها وأتممها ونظمها ، فكلمة التوحيد هي التي وضعت عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، ويقول “ص” إنما بعثت لأتمم مكارم الإخلاق ، فشهادة التوحيد تنفي العبودية والخضوع للأصنام ، أو الجهة ، أو القبيلة ، أو الوالدين ، وتوجه قول الإنسان وفعله لله وحده ، وخطاب الصحابة لفارس والروم كان من صميم كلمة التوحيد “جئنا لنحرركم من عبادة العباد إلي عبادة رب العباد ..” وعبادة الخالق وحدة لا يؤمن بها الشخص أو يمارسها إلا بإرادته وحريته ، فلو مارس العبادات عن خوف من سلطان ، أوهيئة الأمر بالمعروف ، أو ملامة المجتمع ، أو احتراما للمناسبة ، فهذا يعتبر شرك قال تعالى “لا إكراه في الدين.. ” “ألا لله الدين الخالص.. ”
واستمرت الشورى والحرية في عهد الرسول وسجلت حرية الإسلام مواقف كثيرة ، توضح مدى ممارستها في دولة الإسلام ، والحياة العامة ، ومنها أن عمر كان يقول ما يدور في رأسه بكل شجاعة ، بل يقوم بالفعل من تلقاء نفسة ، حتى يوقفه الرسول “ص”
وذات يوم أوضح أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لرسول الله “ص” مقدار حبه له ولكن ليس أكثر من حبه لنفسه! ، وهو يخاطب رسول الله!
ــ وهذا الكلام لا تستطيع أن تقوله المرأة لزوجها في وقتنا الحاضر ! ــ
لكن الرسول الله “ص” استقبل التعبير والرأي بكل مسؤلية ، وحينما غير الفاروق رأية في مسألة حبه ، قال “ص”..” الآن ياعمر”.
وروي أن أبي بكر رضي الله عنه بعد مبايعته للخلافة قام خاطبا في الناس وطلب منهم الطاعة بشرط إن كان مستقيما على نهج الرسول “ص” وإن اعوج فلا طاعة له فيهم فقام أحد الصحابة وقال وفي معنى كلامة : “..والله إن اعوججت عما فعله رسول الله “ص” لأقَيمَنَّك بسيفي هذا ..” ويروى أن أحد الصحابة لم يبايع أبي بكر وكان يرى أنه أحق من أبي بكر بالخلافة ،
كما يروى أن جارية من جواري الرسول “ص” لم تكن مسلمة وأسلمت متأخرة ، ويقول الإمام الشافعي “لا يجوز لمسلم أن يعرض الإسلام على زوجته الكتابية لأنه انتهاك” وضع خطا تحت كلمة يعرض ، وهكذا استمر نظام الحكم في الخلافة الراشدة ، قائما على الحرية والديمقراطية ، فلا يعتلي كرسي الخلافة أحد حتى يبايعه وجوه الناس ، أي أهل الحل والعقد ، ليحكم الناس بموجب هذا التفويض ، وإن كان هذا التوفيض لا يحدد مدى صلاحية الحاكم ، ولا فترة حكمه ، وإنما يحكم الناس حسب أوامر الشريعة ولكل حدثٍ حديثه في الحال ، أما إشارة أبي بكر رضي الله عنه لخلافة عمر من بعده لم تكن توريث ، وإنما وضع ترشيحه وصوته الإنتخابي فقط ، ولا يؤثر في حرية البيعة بشيء.
لكن المسار انحرف بعد الخلافة الراشدة ، وبسبب هذا الإنحراف نبتت المصائب في جسد الدولة الإسلامية ، وتحديدا في عهد معاوية ، فقد تم تغيير نظام الحكم من خلافة يُرَشح لها إلى مُلك يورث ومن بيعة حرة واختيار شخص من عدة أشخاص إلى الأمر بمبايعة شخص واحد بلا منافس ، فلا حرية ولا انتخاب في اختيار الحاكم ، فالخلافة مُلك يورث للأبناء ، والمبايعة والحوار السياسي بين الحاكم والمحكوم قائما على الجبر ، وقاعدة العلاقة والتعامل بين رأس الدولة وجسدها هي شعرة معاوية المشهورة ، والمعقودة على عنق الترغيب والترهيب ، فنتج عن هذا الضغط الخانق ، والكبت الأناني ، ظهور الثورات المتذمرة ، يقابلها من قبل الحاكم القمع والإبادة ،ثم ظهور الفرق الدينية ، والآراء السياسة المعارضة ، والرغبة في التخلص من الظلم ولو بالمواجهة المسلحة ، أوالخيانة لصالح أعداء الأمة ، وانبرت الفتاوى ضد الحاكم ، يقابلها فتاوى الحاكم ضد التمرد وكل هذا بسبب غياب الحرية والديمقراطية.
أخيرا.. الحرية مبدأ مهم في حياة الإنسان ، وفي تشكيل إنسانيته ، حيث تجعله يعبر عما يدور في خلده بوضوح ، دون أن يُشَذِّب كلماته بموس اعتبارات المجتمع ، ويقزم مضامينه بخوف السلطات ، فتخرج الفكرة كما ولدت لتفيد وتستفيد من الأفكار الأخري ،
والحرية إضافة خلاقة لقدرات الإنسان ، فهي تجعل المدرس يؤدي الأمانة العلمية كما يجب ، وتجعل الحاكم يحكم بدبلماسية واضحة وصادقة ، وتجعل الشعب يختار ما يريد ، ويستمع ويسمع ، ويتمسك بقناعة رأيه ويستعيد ويحترم الرأي المصادر الذي أشار إلى تشريعه الإمام الشافعي في قوله “رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”
وهذا اعتراف واضح بالرأي الآخر جملة وتفصيلا.
أما نتائج غياب الحرية في مجتمع ما هي : شعب خائف ، ودلة مرتبكة بدون ثقة ، والخوف وعدم الثقة يولد النفاق في شخصية الإنسان ، فتجعله متبلدا لا يستطيع أن يبين ، ويصنع الكلام ويطرزه حسب اهتمام المستمع ، ففي كل مكان له كلام ، وفي كل حدثٍ له حديثه الخاص به وليس بالحدث!، فيموت الصدق ، ويموت النقد البناء ، ويموت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويغيب الفكر الإبداعي ، والحلم المحفز للعمل ،
ويسود القمع والظلم ، فكل ذي سلطة مراقب ومهدد من سلطة أكبر منه ، فالحاكم يمارس الظلم على النخبة ، والنخبة تنتقم من الطبقة التي تحتها ، حتى يصل الظلم والقهر إلى النسل الواعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*