تشييعُ القمر

 

(4)
تشييعُ القمر

علي السباعي

هذا ما قالته شهرزاد . . .

قمرٌ أحمرُ أدكنُ تأرجحَ بين تربيعٍ أول وتربيعٍ ثانٍ . لا حل ، أُحتجزَ القمر تحت الجذرِ التربيعيّ ، صافراتُ إنذار متقطعةٍ تلاها دويُّ طائراتٍ قادمةٍ تَسبقُها التماعاتٌ فضيةٌ . انفجارات. صيحات . ارتعاشات ، دويُّ طائراتٍ مبتعدةٍ أعقبه صافراتُ إنذار مستمرةٌ ، المدينةُ رادارٌ رماديٌّ كبيرٌ يسترقُ السمعَ وشهرزادُ في آذانهِا وَقْرٌ سكتتْ عن الكلامِ المباحِ لسمَاعها إذاعة إعلانات متواصلةٍ نقلتها كافةُ الإذاعات السمعيّةِ والمرئيّةِ :-

ـ إعلان: ( مطلوبٌ مُحِّنطٌ ماهرٌ بخبرةٍ لا تَقِلُّ عن عشرِ سنواتٍ  )

ـ  إعلان: ( درجةٌ شاغرةٌ لنجارٍ خبيرٍ بصنعِ التوابيت)

ـ إعلان : ( على مَنْ يجد في نفسهِ القدرة على النواحِ الحضور إلى قصرِ الأمير شهريار)

ـ إعلان: (  يرجى من: الدفاّنين ، النواّحين ، المّعزين ، قارئي الأدعيةِ حضورُ موكبِ جنازة )

عَبَرَ المشيعّونَ شوارعَ المدينة بتابوتٍ خشبي كبيرٍ توّجَ مناكبَهم ، ضمَّهم دربٌ طويلٌ مزدحمٌ : دفاّنون ، سماسرةٌ ، متملّقون ، شحّاذون ، منافقون ، انحدروا برهبةٍ كَسَرتْ مواشيرَ الضوءِ البلّوريةَ يبدون كشناشيلَ مغروسةٍ في الإسفلت ، تمازجتْ أنفاسهم مندفعة مع ألوان ملابسهمْ المتدفقةِ كمدٍّ بشريٍّ حركاتُهُ تزفُرُ زَبَداً رَغوياً زَنِجاً حَجَبَ شُقرةَ الشَّمسِ ، ساحَ نواحُهم في شرايينِ المدينةِ بكاءً عَطِّلَ حواسهم عن التقاطِ لغطِ المشيّعين :-

مَنْ المرحوم ؟

مَنْ أهله ؟

ابنُ مَنْ ؟

كيف توفى ؟

هل أصابته شظّيةٌ نتيجةُ القصفِ ؟

أقُصِفَتْ دارُهم ؟

ماذا يشتغلُ ؟

تدافع وَسْطَ المشيّعين سؤالٌ اندفعَ كديكٍ يلاحقُ دجاجةً :-

اغنيٌ أم فقيرٌ ؟

فاض بكاؤهمُّ مُحِّطماً سواتَر ترقُبهِّم سأل رجلٌ بدين ذو بذلة أنيقة :-

هل المرحومُ موظفٌ كبيرٌ ؟

هتف دفاّنٌ بصوتٍ فيه نبرةُ يأس :-

افتحوا التابوتَ لنرَ مَنْ بداخِلهِ .

بائعُ شموعٍ يضعُ سبّابتهِ على فمِ الدفاّنِ مُصدراً صوتاً طويلاً :-

هُسّ !

كمشروع حلمٍ متسرب في حنايا الذاكرةِ تذكرتْ بطونُ الجياعِ نواحَ بطونهم ، سأل أحدهم ملبياً نداء بطنه:-

أَيوزّعون فيها ثواباً ؟!!

رجل دين بوجه مقمر ، قال بصوتٍ مخنوقٍ :-

نخسرُ . دائماً . نخسرُ .

النوّاح ماضٍ في ترديدِ موّاله الحزين :-

لا إلهَ إلا هو 000 لا يدوم إلا وجهُهُ 000 ذو الجلال و الإكرام 000

شحّاذٌ يحجلُ على عكاّزةٍ خشبيةٍ يدمدم بصوتٍ شاكٍ :-

لننتظرْ ! لنْ نخسرَ شيئاً .

قارئُ أدعية نصحَهَم بصوتٍ مشروخٍ مثلُ قطارٍ سياحيًّ:-

اصبروا حتى تصلَ الجنازة إلى مثواها الأخير .

أضاءت الشَّمسُ بغروبِها هاماتِ النخيلِ بشعلاتٍ لازوردية ، والمشيّعون ينظرون ناحيةَ ضريحٍ أبيض مهَيبٍ يكسو جدرانَهُ رخامٌ أشهب  ، بدا الضريحُ تحت ضوءِ الشَفَق كأنه زَفَرَ ناراً على مجمرةِ الأفق التي كستْ جدرانَه نُعاساً بلونِ الدم ، تجمّع الدفاّنونَ ، المنافقونَ ، الشحّاذون ، والسماسرةُ بينَ القبورِ مطوَّقين بأسوار هُلاميّةٍ بنقاطِ التفتيش ، بائعُ أكفان يُفشي سرّاً :-

رجالُ الأمير اشتروا منيّ كَفَناً يَسَعُ فَرَساً !

هَمَدتْ مجمرةُ الكونِ في كانونِ الأفق ، القمرُ بتربيِعهِ الأول سجينُ جذرِهِ التربيعيَّ يبكي بدموعٍ من فضةٍ تَقَطِّرَتْ بالتماعاتٍ معدنيةٍ ، همستُ مُتحّسراً :

يا إلهي ! ألتهمَ القمرَ جياعُ العالمِ الثالث .

فَتَحَ التابوتَ رجالٌ أنيقون ذوو بدلاتٍ سودٍ . ذهولٌ . ترقّبٌ ، أظهروا جثمان المرحوم : –

(( أربعة قوائمٍ بيضٍ  رشيقةٍ ، أُذنانِ بيضاوانِ  كبيرتانِ ، عينانِ سوداوانِ واسعتانِ ،  وجسدٌ ممشوقٌ رياضيُّ العضلاتِ ينتهي بذيلٍ أبيض طويلِ )) .

سكتتْ شهرزادُ عن الكلامِ المباحِ لسَماعها بياناً مُهّماً نقلته وكالات الإذاعات السمعيّةِ والمرئّيةِ ، بيان : (  يتوجَّهُ بالشكرِ الأمير شهريارُ إلى السادةِ مشيّعي جنازةِ فَرَسِه ) .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*