هناك.. 

(48)
(مُجتَمَعُ العَناكِب)

هناك..

ـ يحيى الحمادي

هناك..
حيثُ لا أَمواجَ،
ولا أَشجارَ،
ولا سُقوف،
يَتدلَّى -عَدِيمَ الهيئة- مِن الأَعالي،
باسِقًا كَسَاريَةٍ بين السماءِ والأرض،
مُمتدًّا كحَبلِ غَسيلٍ بين المشرقِ والمغرب،
في يَمينِهِ فُرشاةُ طِلاءٍ تَسدُّ الأُفُق،
وفي يسارِهِ دَلوٌ بحجمِ المحيط،
وفي صَدرِهِ ما لا يُحصَى من العِداء
والمزاحِ الثقيل.

هناك..
ومع غروبِ كلِّ شَمسٍ
يَهبِطُ إلى الأرض،
يَبدأ بِطلاءِ -حتى الهواء-
بلونِهِ المُحتَرِق الكئيب،
ثم بخِفّةِ لِصٍّ يَتسربُ إلى النفوس
خالعًا أَغطِيَتَها المُهترئةَ
وعابثًا بما فيها من الذكرياتِ المَنسِيّة،

يَنثرُ عطرَ الأمواتِ على وَسائدِ أَرامِلِهم
يُقلِّب للأيتام صُورَ آبائهِم العتيقة
يُشرِعُ لِلمحرومينَ أَبوابَ أَحلامِهِم النافِقة
يُلَبِّدُ صُدورَ الغُرباءِ بِغيومِ الوَحشَة
يُذَكِّرُ العاشقينَ بعناوين حبيباتِهِم في مَجَاهلِ النسيان
يُلَوِّحُ للأوطان بِخِياناتِ أَبنائِها،
وفي الختام يَنفخُ في عِظامِ الشعراءِ ناياتِ الحَسرة
فيَبكُونَ على الراحلين،
وعلى الأرامل،
وعلى الأيتام،
والمحرومين،
والغرباء،
والعشاق،
وعلى الأوطان،
ثم يَتركهم على هذه الحالِ
دون أن يَبكِيَ عليهم أحد!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*